بقلم: حسام أبوأصبع عندما بدأ عبدالله السعداوي تقديم مسرحياته حار الكثيرون في تقييم عمله. ومن هؤلاء من انتظر حتى يظفر الرجل بجائزة لها ثقلها ووزنها. فشرعوا، من ثم، يسجلون إعجابهم بالتجربة بعد سنوات التمنع والمراقبة التي لم تخل من توجس وريبة بل ومن حسد وسخرية أيضاً. هذا وغيره، كان بهدف إلغاء العلاقة التقليدية التي تفصل بشكل جدي بين الممثل من جهة والمتلقي من جهة أخرى. وفي مرات عديدة مارس ألعاباً كان يهدف من ورائها إلى رصد أنماط تلقي هذا الجمهور، كاسراً من ناحية أفق توقعه، وتاركاً إياه في مواجهة لعبة جديدة على مستوى تجربته الشخصية، مثلما حدث في مسرحية ‘’الحياة ليست جادة ‘’ ,2003 وهي مأخوذة عن قصة قصيرة لخوان رولفو، حيث ألغى السعداوي كل شيء تقريباً بدءاً من الديكورات وصولاً إلى الممثل، مبقياً على صوت يسرد ويسرد ويسرد. السعداوي إذاً يولي المتفرج/ المتلقي عناية واهتماماً. وبطبيعة الحال تختلف هذه العناية من محاولة الإيقاع به في قلب الحدث، إلى محاولة صدمه وقلب قناعاته، إلى إشراكه في العرض، إلى تعريضه لشيء من الأجواء غير المريحة والمربكة، بل يصل أحياناً الأمر إلى ممارسة القسوة ضد هذا الجمهور أو أفراد منه، وغير ذلك من اقتراحات. مسترشداً أو ربما متأثراً بالعديد من المسرحيين العالميين الذين بحثوا تنظيراً وممارسة في ماهية الجمهور الذي يحضر عروضهم، وفي سبل وطرائق إشراكهم في العرض. هذا بوجه عام، ولكن ينتصب أمام ناظرينا عرض هذا المخرج الأخير ‘’متروشكا’’، الذي حاول فيه اللعب على ثيمة إشراك الجمهور في العرض، ونقل دوره - كما افترض - من حيز الفرجة إلى مجال المشاركة الفعلية. لكن هذه المحاولة بحسب ما أفترض لم تكن تملك مسوغات فنية تستدعي الفهم الذي تجسد لمفهوم المشاركة كما يقترحه هذا العرض، بل إن الأمر ينضوي على إشكال يحتاج إلى نقاش مستفيض. خصوصاً أن أية تبريرات يمكن أن تساق هاهنا مردودة عليها، لا سيما محاولة الإشراك حينما تبلغ سقف الغلو، والقسوة المفرطة كهدف. وتكون النتيجة استجلاب الضحك، في مفارقة غير محسوبة على الإطلاق. هذا في الوقت الذي يسرد فيه بطل العرض قصة من المفترض أن تتمزق نياط القلب بعد سماعها!. ففي عرض ‘’ متروشكا ‘’ الذي قدم في ليلتين منفصلتين بدار البارح - ومن المفترض أن يعرض في أماكن أخرى عديدة لاحقاً - حاول السعداوي بمعية الممثل حسين عبدعلي تحديداً الذي قام في خمس مناسبات باختيار أحد أفراد الجمهور ليحكي له قصته المأساوية التي تتلخص فصولها في أب قاس باطش، سرعان ما يتحول إلى ضحية، ثم لا يلبث أن يصبح وحشاً كاسراً. وهو ما استدعى في منعطف من المنعطفات إشهار سكين في وجه أحد أفراد الجمهور. إن الإشكال الذي أعنيه، هو مفهوم المشاركة نفسه الذي عمل الرجل عليه. فمن ناحية مبدئية تؤمن لنا بعض الأدبيات شيئاً عن محاولات طليعية أساسية قفزت بمفهوم الجمهور من مجرد الكائن المستقل إلى مفهوم المشارك، فــ ‘’جان لوي بارو’’ تحدث وعمل في إطار ما أسماه بالتآلف بين الممثلين والجمهور أو فعل الحب بينهما. واشتغل ‘’ آرتو’’ على ما أطلق عليه المشاركة المقدسة والتوريط الجسدي والانفعالي. و’’بيتر بروك’’ من جانبه مارس ما أسماه تبادل الأماكن، و’’جروتوفسكي’’ هو الوحيد الذي كان يطلب جمهوراً بمواصفات معينة - حفر في مسألة المشاركة الحية والمباشرة. هؤلاء وسواهم عملوا في هذا الإطار، ولكل منهم فلسفته وتبريراته وبحثه وأسبابه. ولكن في هذا العرض الذي تتقاسمه شخصيتان مرئيتان حسين عبدعلي ومحمد مبارك، وثالثة تحضر بالصوت محمود الصفار في العرض الأول والمخرج في العرض الثاني، يختار عبدعلي أحد أفراد الجمهور عشوائياً ويجلس قبالته، معتبراً إياه عشيق الأم، ويحكي له القصة المأساوية التي يعانيها، وتعانيها عائلته من قسوة الأب. ثم ينتقل إلى غيره بعد أن تدور بينه وبين الشخص الآخر ‘’ محمد مبارك ‘’ الذي يلعب دور الطبيب المعالج في جزء من المسرحية، ثم يتحول إلى دور الأب القاسي. ومرة ثانية وثالثة ورابعة يختار الممثل أحد الجمهور مواصلاً سرد حكاية عائلته المبتلاة. لكن عبدعلي لا يخص هذا الفرد المختار بحديث خاص يدور بينهما بل يُسمع للجمهور كافة، فما يقوم به في الواقع لا يعدو أن يكون إضاءة مساحة معينة من مجمل مساحة العرض المحدودة أساساً، والمكشوفة في الوقت نفسه. فالعرض لم يشهد أية إضاءات مخصوصة أو إظلام. وهذا السرد أو الحديث يأتي مصحوباً في العادة بحركات وإيماءات متشنجة متكررة تجعل من هذا الممثل البارع ضئيل الحجم، وكأنه ديناصور يشهر أسنانه الحادة في وجه هذا الفرد أو ذاك. ويسجل لنا حسين عبدعلي في مدونته توثيقياً ليوميات وبروفات هذه المسرحية تتضمن بعض التفاصيل والتمارين والانطباعات حول العمل، ومما جاء في هذا التسجيل حول دوره كممثل، ومما يصب في موضوعنا قوله: 
ما جاء به السعداوي كان تحولاً دراماتيكياً قلب بموجبه المفهوم السائد للمسرح كما استقر في أذهان العاملين والمتلقين عندنا سواء بسواء. لقد جاء بسلة من المفاهيم والممارسات المغايرة والمختلفة. كان من أبرزها تشتيت البعد الواحد، ومن أهمها الحالة المسرحية قبل العرض المسرحي وأثناءه وبعده.
ومنذ العام 1987 أو ربما قبل ذلك بقليل حتى العرض الأخير ‘’ متروشكا ‘’ الذي قدم في أبريل/ نيسان الجاري، والسعداوي يواصل الحفر والبحث في هذا المسرح الذي نذر له حياته. وبحسب قائمة العروض التي حقهها، فإن مناطق الحفر والبحث كانت تختلف من تجربة إلى أخرى، لكن إيلاء الجمهور أهمية خاصة يكاد يكون ملمحاً مشتركاً في جميع أعماله تقريباً.
ومن المؤكد القول إن هذا الفنان المسرحي يكاد يكون وحيداً في اهتمامه المتواتر الذي لا ينقطع بجمهوره. حيث إن الجمهور يبقى هاجساً رئيساً لديه في أثناء تحضيراته لأي عمل مسرحي، وكذلك في أثناء الاشتغال على تحقيق مسرحية ما. ففي مرات لا حصر لها وقت انعقاد البروفات كان السعداوي ينبه ممثليه ويذكرهم بهذا الجمهور وعدم تقبله كذا، أو رضاه عن كذا، مطالباً إياهم باحترامه وعدم التقليل من ذكائه.
وإجمالاً فإن مخرجنا دائماً ما يحاول ألا يرضي الجمهور ويشبع رغباته في مشاهدة جهد حقيقي فحسب، بل يسعى بأكثر من طريقة ووسيلة إلى إشراكه في العرض، وتحويل أدوراه من مجرد الفرجة واستلام الإشارات والعلامات والأصوات والحركات والكلمات، إلى حقل الإنتاج الدلالي، والمشاركة الفعلية في العرض.
لقد قاده هذا الأمر - مثلاً - إلى زرع ممثليه وسط الجمهور، وجعلهم على مقربة فيزيائية منهم إلى الدرجات القصوى. وفي مناسبات أخرى كان الممثلون يسيــرون بين الجمهور، ويزعقون ويصرخون بين أيديهم، أو يقفز أحدهم من بين الجمهور ويتوجه إلى فضاء العرض، أو يتخذ أحدهم موقعاً بين الجمهور، ويلقي من ثم حواراته بينهم.
" ونظراً لأني في المسرحية كنت أضع كرسيا أمام أحد المتفرجين، أختاره بشكل عشوائي مرتب، وأجلس عليه لأقابل المتفرج وجهاً لوجه.. عيناً بعين.. وأقوم بتمثيل شخصية الابن الذي ماتت والدته بسكين أبيه، وجاء يحكي القصة لعشيقها.. في هذه الأثناء، كنت أشعر بمدى تخوف البعض من أن يكون أحد ضحاياي.. كنت أشعر بدقات قلوبهم وهي تلهج بالدعاء (إن شاء الله ما يقعد قدامي).. كنت أشعر بالضحية عندما يعتريه الخجل، ويدعو الله أن تمر هذه الدقائق بلمح البصر، ولسان حاله يقول : "متى يقوم عني؟!.. متى يقوم ويفكني".
إذاً المشاركة المفترضة التي خصص لها السعداوي جزءاً من عرضه، لم تكن سوى عملية شكلانية للانتقال من نقطة إلى نقطة، ومن مساحة إلى مساحة، على رغم كون المساحة التي يقع فيها الحدث صغيرة ومحددة ومكشوفة ولا يوجد فيها ما تم إخفاؤه. كما أن مفهوم المشاركة المفترض، بما هو عملية متبادلة بين طرفين، الممثل والجمهور أو أحد أفراده أو مجموعة منهم، لم تخرج أبداً عن النمط التقليدي في العلاقة بين الطرفين، باستثناء المشهد الأخير من المسرحية. وعليه فإن الانطلاق من فرضية أو حتى من قناعة راسخة مسبقة من كون الجمهور كتلة صماء خاوية جامدة، تحتاج إلى هزة عنيفة فالأمر لا يعدو أن يكون تعالياً غير مبرر. ولو افتراضنا جدلاً السلبية المسبقة لدور الجمهور، والسعي بالمقابل إلى سحبه إلى قلب الحدث أو توريطه أو منحه فسحة حتى يتحول حضوره إلى نوع من أنواع الفاعلية تنأى به عن الاستجابة السالبة أو التلقي الأحادي، فإن مقابلة الممثل مع أحد الحاضرين، وسرد الأخير لاعترافاته وشكواه وتفصيل ما حدث لعائلته من نكبات لم تكن سوى تشويش فحسب.
وهذا، على العكس من المشهد الأخير، حيث تقوم الشخصية البطلة بتوزيع الأعواد النارية على الجمهور طالبة منهم إشعالها، وفي هذا السياق قال الممثل ‘’ باقي جملة وحدة وتنتهي المسرحية ‘’ وبعد إشعال الأعواد قال: ‘’ لما وصلت عند عتبة البيت طالعت السماء، كانت كلها ألوان أتاريها ألعاب نارية ‘’. خلا هذا المشهد فإن محاولة الإشراك لم تكن سوى عملية لا أريد أن أقول اعتباطية وإنما ضلت الطريق وأصبحت ضرباً من ضروب ممارسة القسوة ضد المشاهد.
وعلى ذلك، فهذا المشاهد أو ذاك هو مشارك حقيقي في العرض بدليل أنه قطع مسافة معينة من بيته إلى مكان العرض، ثم بعد ذلك اتخذ موقعاً معيناً لا يفصله عن الممثلين من أبعد نقطة سوى ثلاثة أمتار، وأن فضاء العرض المكشوف والمضاء إضاءة عامة، هي إضاءة الصالة نفسها كفيل بتكسير أية حواجز فاصلة. ولكن تفعيل المشاركة عملية لم تتم إلا في رسم المشهد الأخير، حيث تجسدت المشاركة المادية الملموسة، التي خلقت لحظات من الحميمية.
عبدالله السعداوي في النهاية فنان يحاول الاجتهاد، يلازمه هذه المرة في بحثه واجتهاده بشكل أساس حسين عبدعلي الذي كان يختار ضحاياه - على ما عبر هو نفسه - لجرجرتهم إلى العرض، ولكن العملية برمتها لم تكن تبادلية، من (أ) إلى (ب) والعكس بالعكس، بل انضوت في مربع التقليدية بالمعنى الذي كان يسعى السعداوي لاختراقه وتجاوزه. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يغرق البعض في ضحك متقطع، أو ترتفع دقات قلب البعض خشية ممارسة الممثل مزيداً من العنف ضدهم. فلم يكن مطلوباً من الطرف الآخر الذي يحاول الممثل بناء علاقة معه سوى الإصغاء والانتباه والاندماج، حاله في ذلك حال بقية الجمهور، بل كان مطلوباً منه فحسب أن يكون وجهاً لوجه أمام تحديق الممثل، وتشنجاته، وتقاسيم وجهه وانثناءاته. لذلك، كنا نأمل من السعداوي الحريص على أدق التفاصيل، أن يسمو طرحه الفني في هذا الجانب عن الصورة التي ظهرت، والتي لم تتجاوز بقصد أو بغير قصد، بحسن نية أو بسوء نية خلق أجواء متوترة وإرهاق هذا أو ذاك، خصوصاً أن العملية تكررت - كما أسلفنا- في خمسة مناسبات.
يشار إلى أن مسرحية ‘’ متروشكا ‘’ عرضت أول مرة في الثاني من الشهر الجاري، ضمن احتفاليات مسرح الصواري بيوم المسرح العالمي. وهي من إخراج السعداوي، وتمثيل كل من حسين عبدعلي، محمد مبارك، محمود الصفار. ونص المسرحية من إعداد كل من المخرج وإبراهيم خلفان، وقد شارك فريق العمل بالعزف الحي على العود فيصل الكوهجي.
الجمعة, 25 يوليو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








