فرغوا السعداوي
أما آن لهذا الرجل أن يستريح

:: الخنجي يقرأ عيون فانغا السعداوي

 

إشكالية الاغتراب المعاصر

بقلم: عبدالحميد خنجي

تمحورت حياة الإنسان في الأزمنة الحديثة في محاولاته المضنية، غير المجدية، للخروج من حالة الاستلاب والاغتراب الاجتماعيين/الاقتصاديين الذي يعانيه من جراء سرعة وتسارع نمط الحياة العصرية وضغطه المستمر على كاهله من جهة، والتركيز الشديد للأسلوب الإنتاجي النفعيّ، الذي يحوم كالأفعى حول رقبته وهو يعيش بالضرورة، في مجتمع بشري تسود فيه المنظومة الاقتصادية/الاجتماعية الرأسمالية المعاصرة من جهة أخرى.

الأمر الذي بدا فيه وكأنه مصاب بحالة من الانفصام المرضيّ المزمن العصيّ على العلاج، لدرجة بات فيه أكثر تعاسة من السابق رغم منجزات العلم والترفيه المتوافرة، حيث أضحت السعادة المرجوة بعيدة المنال! بل أخذ يتوجس ويشعر أن متوسط عمره اقصر، مقارنة بالأزمنة الأقدم رغم الحقيقة العكسية. صار يحنّ إلى الماضي كحنين الكبير العاجز إلى طفولته الأولى! ومرد ذلك أن الفرد أصبح مرهوناً وسجيناً - أكثر من أي وقت مضى- لأمانيه وطموحاته الحياتية، الضرورية وغير الضرورية.

هذه كانت جوهر الهواجس والأفكار التي تجسّدت في مقارعات محتوى الكتيب - غير المطبوع - الموزع سلفاً، بين المهتمين فقط، للمسرحي البحريني الكبير عبدالله السعداوي، المهموم حتى النخاع، بالدور المزدوج الاجتماعي/ الجمالي للفن وحسّه الفطري والإنساني العميق بضرورة إحقاق الحق والإنصاف لبني البشر قاطبة. تجلّت الأمور تلك في المنتدى المفتوح الذي أقامته أسرة الأدباء والكتاب في البحرين حديثاً، لمناقشة الجزء الأول من الثلاثي الذي سيصدر في المستقبل القريب.

إسهامات عبدالله السعداوي هذه، المسمى 'عيون فانغا العمياء (زرقاء اليمامة)'، المستوحاة من مسرحية 'السراب' لسعدالله ونوس، تنطلق أساساً من رمزية عودة 'عبود الغاوي' (لاحظوا رمزية كلمة الغاوي) من المهجر إلى قريته على هيئة مخَلِّص، ممثلاً لرجال الأعمال الجدد للشروع لتنفيذ الخطط الاقتصادية الجديدة للغرب لتطبيقها على منطقتنا في سياق المشروعات الغربية التي نسمع عنها كثيراً! تركزت المقاربة على الآلة الجهنمية التي تطحن المواطن، المسمى 'السوق' حيث يصبح كل شيء معرضا للبيع والشراع (سوق نخاسة معاصرة) ولا يستثنى شيء حتى الآدمي نفسه وأفكاره وعوالمه الروحية والمعنوية وجهوده الفنية والإبداعية، المرتكزة على هجمة 'العولمة' الملتبسة!

معرجاَ في شرحه (السعداوي) على تشخيص الاقتصادي المصري محمود عبدالفضيل، من حيث مصاحبة ذلك لتسويق نمطٍ جديدٍ لثقافةٍ استهلاكيةٍ سماها عبدالفضيل 'ثقافة الفساد'، التي تطبّل لها نخبٌ فنية وثقافية جديدة/قديمة، في خدمة أسيادها، الطبقة الرأسمالية الطفيلية المصرية الجديدة، كأنموذج بات يحتذى به في المنطقة العربية. على أن ما يهمنا في هذا الصدد مقاربة السعداوي نفسه، وتخوفه الشديد من نشر نمط الحياة الغربية الاستهلاكية الشّرهة وخصوصاً الأنموذج الأميركي ضمن هذه الهجمة على شتى مجالات حياتنا، بواسطة قاطرة 'الديمقراطية'!

تبحر السعداوي قليلا في المسألة من وجهة نظره وبدا كأنه يدعو لنظرية 'العودة إلى الطبيعة'، المجلوبة من فكر 'الشَّعْبويين' الرافضين - رفضاً عبثياً - للمدنية الحديثة! ومن الجدير في هذا السياق ملاحظة أن هذا اللون من الفكر يعاد إنتاجه على الدوام، منذ أن شهر 'سيرفانتس' سيفه لمحاربة طواحين الهواء في نهايات القرون الوسطى للوقوف بوجه المد الرأسمالي الجارف القادم من شمال قارة أوروبا إلى جنوبها. كما ترفع اليوم الرجعيات 'العروبوية' و'الاسلاموية' السائدة سيوفها الخشبية 'البتّارة' لمحاربة الحداثة الغربية و'الامبريالية'.

وبالطبع لا نستطيع في هذه العجالة الشروع في مقارعة نقدية شاملة للأفكار المهمة التي أوجزها 'السعداوي'، سواء فيما يتعلق بعدم تماسك منهجيته التحليليّ أو تحديده للعوامل الخمسة الضرورية لتواجد أية حضارة (الفن/الدين /العلم/المال/العمل). على أن ما يمكن الاستناد إليه كمنطلق مبدئي لحوارٍ منهجيٍّ ومتابعته من قبل بقية الأخوة المعنيّين هو ضرورة اتفاقنا على أن جوهر المسالة المطروحة كان موضوع 'الاغتراب'، الذي غاب عن الأذهان في حينه تماما.

على أن محاولة شرح إشكالية مصطلح'الاغتراب' وتطوره عبر القرون تتطلب مجالٍ ووقتٍ آخرين بجانب أن إيجازه سيفقده الكثير من معانيه الجوهرية. ولكن لابد من إلقاء ضوءٍ خافتٍ وسريعٍ على ما استقرت عليها موضوعة 'الاغتراب' الإشكاليّ في الوقت الحاضر ابتداءً من فكرة الاغتراب القديمة (الوجود الفردي) وتجلياتها في العصر الحديث (الوجودية والنفسية) وانتهاء بما وصل إليه فلاسفة القرن العشرين والقرن الجاري.

لعل أهمهم اليوم، على الإطلاق، الفيلسوف المَجَري المعاصر إستيفان ميجاروس (تلميذ جورج لوكاش) الذي كرّس أكثر من مؤلَّف لنظرية 'ماركس' في الاغتراب، المستندة على قمة الفكر الفلسفي الكلاسيكي الألماني وقطبيه البارزين 'هيغل' و'فيورباخ'.
لعل أكثر المعاني وأقربها إلى الإقناع لمسألة 'الاغتراب' هو ما جاء على يد 'هيغل'، الذي عزاه إلى الفرق والصراع بين الفرد (الذات) والآخرين (المجتمع)، واضعاً الظاهرةَ هذه في إطاره التاريخي الصحيح، الأمر الذي وافقه 'ماركس' ضمن التحليل الهيغلي الجدلي للمسالة. لكنه نقضه، انطلاقا من مادية 'فيورباخ' (المادي الميتافيزيقي) على عكس هيغل (المثالي الموضوعي) من منطلق تأويله وتركيزه على عامل 'الوعي' الإنساني الحاسم للمسألة وذلك لسببين أساسين (حسب ماركس).

أولهما أن هذا التحليل ينطلق من الذات الإنسانية وكأن الاغتراب ذاتي المنشأ، بينما هو في الواقع نتيجة للعامل المادي الموضوعي للوجود. وثانيا أن هيغل يعتبر الفرد (الذات) مسؤولا عن تحرر نفسه من الاغتراب متكئاً على الإرادة الفردية. بينما ماركس يرى أن الحل موجود في العلاقات الإنتاجية للخيرات المادية، حيث أن العملية تأخذ لها مجرى تاريخياً طويلاً في خضم النضال بُغية التخلص من منظومة قهرية مسؤولة عن الاغتراب واستبداله بمنظومة إنتاجية أخرى ستكون طاردة للاغتراب.

هذا التفسير الجدلي لموضوعنا الشائك 'الاغتراب' خضع لتطورات شتى على يد مختلف المدارس الحديثة، العلمية منها وشبه العلمية، متخذا أحيانا منحى فوضوياً وعدمياً على الصعيد الفلسفي، نذكر منها: اتجاهي الوجودية والتفكيكية وغيرهما. إلا أن الألمعيّ المَججَري المشار إليه، إستبفان ميجيروس استطاع تلمّس الدرب الشاق لبحث المسالة بروح الباحث النزيه، مكرساً جُلّ وقته الأكاديمي والحياتي لتوضيح هذه المسالة الإشكالية الملتبسة عند خيرة المفكرين، في أكثر من مؤلَّف لعل أهمها 'مسالة الاغتراب عند ماركس'.

ومن المفيد ذكر معلومة مهمة للباحث المهتم للأمر، هو قرب إصدار كتاب 'ميجيروس' الجديد في الشهر المقبل الموسوم بـ 'التحدي التاريخي لزماننا وعبئه المثقل' (الترجمة من عندنا)، بالتعاون مع المفكر البريطاني المعاصر 'جون بيلامي فوستر'.

(0) تعليقات

:: قميصك الملطخ بالمشمش

 

كتب: حسين عبدعلي

 ينزلق من راحة كفي مقبض الباب الرئيسي لشقة رقم (21) في الطابق الثالث من إحدى العمارات المتهالكة بمنطقة العدلية.. حينها، أزعق بصوتٍ ملؤه الحماس: "هلااا أستاااذ".. لا يهم إن كان متسمراً أمام شاشة التلفاز في الصالة الرئيسية لمقر مسرح الصواري، أم متدثراً -كعادته- بمجموعة كبيرة من الكتب في غرفة الإدارة، فأنا متيقنٌ أنه سيكون موجوداً في المسرح.. طبعاً يعود هذا التيقن لسببين لا ثالث لهما.. الأول أنه سمكة، والمسرح ماؤه.. والثاني لتواجد سيارته التي تشبهه كثيرا في مسألة الوقوف في مكان شبه محدد ومخصص له أمام البناية، كما هو الحال بالنسبة لأماكن تواجده داخلها..

 

يصفه المرحوم الدكتور عوني كرومي في إحدى رسائله بقوله: "أيها الصعلوك، المشرد، الجميل، المغامر، الصادق، المقدس، المجنون، الصابر، المتفاني، الثرثار، المتسائل، المتشكك، المشاكس، العنيد" (1)..

 

والمعادلة تقول عندما يغيب عن التلفاز، الذي كان ما يكون يشاهد، فلن يتعدَ القنوات الإخبارية أو روتانا زمان.. محمود المليجي، شادية، أنور وجدي، فريد شوقي والقائمة تطول.. فغيابه لن يأخذه بعيدا عن طاولة الإجتماعات في غرفة الإدارة، حيث تكومت عليها مجموعة من الكتب والأوراق.. وعليه،  توجهت إلى غرفة الإدارة..

 

لقطة مقربة (Extreme Close Up) لشفتيه وهي تنم عن ابتسامة طفولية، وهو الذي يستوحشني كثيراً بعدد الشعرات البيض الفارة من لحيته المجنونة.. وعلى الرغم من كل هذا المشيب الذي يغزو وجنتيه، إلا أنه لم يستطع أن يمحو ملامح البراءة على وجهه.. تتحركالكاميرا ببطء (Dolly out) لتتضح ملامحه شيئا فشيئا، فتظهر على الكادر صورة الأستاذ عبدالله السعداوي، فيبادر بالقول:

 

"هلا.. حبيبي حسين.. وينك؟!".. (cut)..

 

"ما الذي يدور في ذهنك؟!.. ما الذي تريد أن تفعله في المسرح؟!.. ما الشكوك التي تراود نفسك تجاه الوضع المسرحي؟!..

 

دائما ما يكون التساؤل هو الذي يعني لي شيئا، لكن الجائزة أو الفوز بشيء ما، أو حتى التكريم، كل هذا لا يؤثر فيّ.. في حين أن سؤال المسرح بحد ذاته هو صاحب التأثير الكلي عليّ، وهو سؤال لا ينتهي، ولا يمكن أن يبدأ، وكلما تقمصك هذا السؤال، تجد نفسك في منطقة ليس لها قاع" (2)..

 

أشبه بفلاش باك (Flash back) أتذكر يوم أنتهينا من أحد عروض مسرحية "متروشكا".. حيث جلست معه، أتبادل الحديث حول العرض والعمل بشكل عام.. يجرنا الحديث حول التجربة إلى التوجه العلمي السائد في العصر الحديث الذي يوازيه عودة إلى الأشكال الأولية، وهو ما يوحي إلى استبدال الأنماط الدرامية السائدة بأنماط أخرى يعاد بنائها من المبادئ الأولى.. وذلك من خلال البحث في أسئلة جوهرية من قبيل:  "ما المسرح؟.. ما المسرحية؟.. ما الممثل؟.. ما المتفرج؟.. ما العلاقة بين هؤلاء جميعا؟.. ما الشروط التي تخدم تلك العلاقة بأفضل صورة؟!" (3).. والإجابة على مثل هذه الأسئلة في أحسن الأحوال لا تقودك إلاّ إلى أسئلة أخرى لا تنتهي ولا يمكن أن تبدأ..

 

ومن الحديث حول الأنماط السائدة إلى مسألة الربوبية في العمل المسرح.. بدءً من استحواذ المؤلف/النص على قمة هرم العمل المسرحي، مروراً بإنتقال هذه السلطة إلى المخرج على يد أنطونين آرتو، وقوفا بظهور الممثل على ساحة تنازع الربوبية، الذي يعقبه تفرد المتفرج بها.. بالحديث عن السعداوي، وعن أعماله التي هي بشكل أو بآخر لا يمكن فصل إحداها عن الآخر، فهنا يأتي الذهاب إلى منطقة أخرى من تنازع الربوبية.. هنا يكمن كل الفعل المسرحي.. في تلاقح العلاقة بين الممثل وبين المتفرج.. هذه العلاقة المغطاة بشيء من القدسية هي مأوىى ربوبية أي عمل مسرحي..

 

هذه الرؤية لا تأتي وليدة ساعتها، ولا هي محض الصدفة.. بل هي نتاج 43 عاماً، "قضاها السعداوي متسكعا على أزقة شعبنا، على فرق الهواة، وشرب القهوة المرة في القرى، وجلد الممثلين بسياط التدريب الطويل الشاق" (4)..

 

كما الكتف التي لا تؤكل هكذا.. لا يمكن الولوج إلى السعداوي من كل ما سبق كتابته وذكره.. فكما أنا مؤمن تمام الإيمان أن العرض السينمائي لا يمكن سرده لأنه مخلوق يرى بالعين لا بالأذن.. فإن السعداوي أشبه بالمسرح الذي يرفض أن يكون هناك وسائط متعددة (ملتيميديا) تساهم في عملية نقله.. أؤمن بذلك لأني أعي جيداً أن إنسانية السعداوي، وأنسنته للخطاب المسرحي لا يمكن أن يوصف بكلمات، ولو جمعت لوصفه كل حروف لغات العالم..

 

إن كانت هناك ثمة مطالبة بتفريغ هذه القامة المسرحية من عمله، ليصب كل اهتماماته وجهده في المنطقة الصحيحة وحيث يحب ونحب، فإن هذه المطالبة التي مرّ عليها ما لا يقل عن أربعة وزراء لا تأتي بنفعها إلاّ على هذه البلاد قبل أن تكون ذات نفع على شخص السعداوي نفسه.. نحن أبناء هذه المملكة، والمهتمين بالمسرح وبالثقافة في مملكة البحرين من يريد أن نتملئ بالحياة من خلال تفريغ الأستاذ عبدالله السعداوي..

 

الغريب ان ثقافتنا والتي لم ترَ (الفزعة) إلا في مهرجان ربيع الثقافة الفائت، حين تشدق فيه المتشدقون باسم الثقافة والحرية رافعين رايات الثقافة خط أحمر، لا يبدو أن حامل راية التجديد في المسرح البحريني، والحاصل على جائزة أفضل مخرج في مهرجان القاهرة التجريبي، يشكل قضية ثقافية شائكة ومقلقة لحد النخاع بالنسبة لهم، ولا تأخذ مسألة عدم تفريغ السعداوي على الرغم من شبه الإجماع بأحقيته لهذا التفريغ على أنها قضية مبدأ.. في الوقت الذي كان دفاعهم عن الربيع مبنيا على أساس الدفاع عن المبادئ الثقافية، حسب ما يدعون!!..

 

لكنهم رفضوا أن يمنحوه التفريغ ليعيش ونعيش.. ولم يجانب حسين مرهون الصواب حين قال في عموده في صحيفة الوقت المعنون بـ (اقتلوا عبدالله السعداوي): "هم لا يريدون قتله.. يريدون له موتا باردا".. فلو قتلوه، لأضحى شبيها بسقراط الذي كان بمثابة الذبابة التي تحاول إيقاظ الحصان الكسول وإبقاء أثينا حية.. لو قتلوه، لبات أشبه بالمسيح يحمل صليبه بين أروقة المسارح ليصلب عليها.. لو قتلوه لخلقوا حلاجا آخر.. لكنهم لا يريدون قتله..

 

 

لربما من الأفضل أن أعد مع مرهون: سنة، سنتان، ثلاث.. عشر.. وفي نهاية كل سنة نتقدم جميعا نحو النافذة، ونفتحها بهدوء.. ونطلق (في المشمش) صرخة، يهتز لها المبنى الذي يضم مسرحي الصواري وأوال. هذه الصرخة المشمشية هي التي تحدث عنها حسام في عموده بعنوان (السعداوي في زمن المشمش) كإحدى طرائق تعبير السعداوي عن امتعاضه أو استيائه من أي شيء..

 

 

الهوامش:

(1)                 من كتاب "الزمن، النحت، السرد- قراءات في تجربة عبدالله السعداوي المسرحية" إعداد: حسام توفيق أبو اصبع.. الطبعة الأولى 2006- ص155..

(2)                 من مقابلة أجراها حسام أبو أصبع مع الأستاذ عبدالله السعداوي في جريدة أخبار الخليج 12 نوفمبر 1995م.. مقتبس النص من كتاب "الزمن، النحت، السرد- قراءات في تجربة عبدالله السعداوي المسرحية" إعداد: حسام توفيق أبو اصبع.. الطبعة الأولى 2006..

(3)                 من كتاب "المسرح الطليعي" تأليف: كريستوفر اينز.. ترجمة: سامح فكري..

(4)                 مقال لـ عبدالله خليفة في أخبار الخليج 16 أكتوبر 1994م.

 

(0) تعليقات

:: متروشكا السعداوي.. وتفكيك الإنسان المعولم

 

بقلم: حبيب حيدر

ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك.

ومرة أخرى نرى بطلنا عبدعلي عائدا لطبيبه محمد مبارك في دوره الثاني وقد راح هذا الطبيب يناقش عبدعلي حول تحولاته النفسية والفكرية، ويحلل ما طرأ على شخصيته من تعولم،  في صيغة وصفية لا تخلو من نبرة عاتبة لتخليّه عن حماسته لفلسطين وثوريته ضد المحتلين وأمريكا، وحتى صغار المفسدين في وطنه، ومرة نراه باحثاً بين الجمهور عن أمه متخذا إحداهن أما له كاسرا حاجز التمثيل بينه وبين جمهوره فيشرع في محادثة هذه الأم المدعاة في شأن أبيه الذي لا يكف عن ضربها وتعذيبها، طالباً منها مغادرة المنزل معه وترك الأب يواجه مصيره لوحده، ومرة نراه باحثاً بين الجمهور عن عاشق الأم الذي كاد بطلنا أن ينال منه لولا التّحوّل الذي حدث لشخصيته فيعفو عنه انتصارا لمبدأ الحب في الخاتمة ولما أصبحت عليه شخصيته من تسامح وسعة أفق وتفهّم للآخر إلى حد الصفح الكريم، مرددا عبارة خلاصية كتنوير للمشهد »الإنسان انخلق علشان ايحب« وفي كل المواقف السابقة نرى البطل يقف محاورا أو ساردا بتقنيات مسرحية بالغة التأثير لمأساة هذه الأسرة مع الأب وما تعانيه من ضرب وقسوة تنصب على أمه وعلى أخته وعليه.

التداخل شكل للحكاية واللعبة:

تساءلت وأنا أشاهد المسرحية ما معنى المتروشكا ولماذا اختارها السعداوي عنوانا لمسرحيته وفي غمرة البحث عثرت على وصلة مقتبسة من برامج الجزيرة تعّرف بالمتروشكا وقصّتها، فلقد عرضت قناة الجزيرة مرة تقريرا عن اللعبة الروسية المتروشكا، وبعد هذا التقرير صرت أدعي أن ثمة خيطاً رفيعاً يتسع ليتصل مع متروشكا السعداوي التي نسجها من ثلاث حكايات مختلفة ومتشابكة في الآن نفسه، ولعل هذا الخيط هو نفسه الخيط الذي حبك به السعداوي بين شخوصه و»حدوثتهم« المسرحية، ففي التقرير أن أصل هذه اللعبة المتروشكا هي حكاية حب بين شاب وفتاة ريفية، رغب هذا الشاب أن يعبّر عن حبه لفتاته فصنع لها هذه الدمية ولأخوتها السبعة دمى أصغر فأصغر تتداخل في بعضها البعض، وكذلك هي حكايات السعداوي الثلاث التي دَاخل بينها وأعاد ترتيبها بشكل مشتت مفكّك فأنت مرة تشاهد حكاية أب مع ابنه في حالة صراع ومناكفة، ثم تشاهد حكاية مريض مع طبيبه يتحاوران حل العولمة والسلام وأمريكا وإسرائيل.. ثم تشاهد حكاية شاب يبحث عن أمه، ومرة عن عاشق مدعيا أن أحد الجمهور هو العاشق أو هي الأم، حتى أنك لتحس أن لا واصل بين هذه المشاهد سوى أن حكاية المريض مع الطبيب على - طريقة التحليل النفسي- في داخلها حكاية أب مع ابنه، وهذه الحكاية في داخلها كخلفية على طريقة »الباك رواندس حكاية الأم« المعشوقة والعاشق كما يرويها البطل، وفيها حكايات أصغر فأصغر، في داخلها حكاية شروع بانتقام، في داخلها حكاية عذاب، في داخلها في النهاية حكاية عفو وتسامح ومحبة، ولعل السعداوي اتخذ من شكل اللعبة المتروشكا المتداخلة في بعضها البعض تقنية وشكلا لتداخل حكاياته في هذه المسرحية.
ولعل الخيط الآخر هو خيط التعولم المحموم فهذه اللعبة الروسية المترشكا كما يروي التقرير قد أتت عليها موضة التعولم فراحت المخيلة تصنع منها دمية كبيرة في شكل بوش في داخلها دمية أصغر على هيئة بوتين، في داخلها دمية أصغر على هيئة بلير، وهكذا حتى أصغر رئيس خاضع لفيروس العولمة، وكذلك هو بطل السعداوي ذو الحكايات المتداخلة عبر المشاهد التي عرضها السعداوي متنقلا من حكاية إلى أخرى، ففي مشهد الطبيب مع المريض يقف الطبيب محللا داء بطلنا المشدوه بأنه مصاب بداء التعولم، فقد نسي ماضيه، نسي قضاياه تبعثر قلقه، وتلاشت حماسته، وتاه في حضارة غيره، بَهَرَته الصورة، أخذته الشعارات الحديثة، وإن كان ثمة من فرق بين تعولم الدمية وتعولم بطلنا »حسين عبدعلي« ففرق في الجوهر فتك الدُمية حينما تعولمت أخذت طابعا نقدياً، أما صاحبنا فقد تاه وذاب في الآخر القادم وضيّع البوصلة وهنا يأتي السعداوي ليحمل عبر شخصية الطبيب شحنة نقدية جهورة شفافة ليوصّف أدواء هذه الحالة الشرقية من هجران الذات والتوهان والارتهان للآخر في صيغة مجازية على رغم حماسة الطبيب وشدة نقده »أنا لم أقل أنك بتموت، أنا قلت أنك ميت فعلا، ميت - فيرد عليه بطلنا - أنا ما دريت إنك تتحدث بالمجاز يا دكتور« لعل حكاية هذا البطل بكل بساطة أنه استجاب لفيروس التّعولم ولفيروس السوق الذي بكل بساطة يتم فيه إعادة تصنيع الإنسان وجعله صفحة بيضاء تماما متقبلة كل ما يكتب فيها، والذي بكل بساطة أيضا يتم تفريغه وإعادة برمجته ثم شحنه من جديد بما يقدمه نسخة جديدة مستجيبة لمتطلبات السوق الاستهلاكية.

في رثاء الإنسان الحديث:

وهكذا يذهب الطبيب في توصيف حالة بطلنا وتأويل مسألة موته بقوله إنك بتموت غير إنك ميت، إنت اتشكلت واتجانست، صرت تقرأ الأكاذيب الجديدة من غير ما تحرّك عندك أي شيء، من غير ما اتفكر في أي شيء صرت اتصدق العولمة وتعتقد إنك وجدت أمنك واستقرارك، ويخلص الدكتور إلى تأكيد حالة الموت بقوله إنت جثة.

-  ما كنت أعرف إنك تتحدث بالمجاز والاستعارة

-  كلنه بنموت لكن الأسوأ عندما نستسلم .... وذاكرتك اتصير ورقة بيضة.

وهنا يكون البطل ملقى على الطاولة وجسمه مغطى بقماشة بيضاء بما يؤكد هذه الحالة التي أرادها الحوار وهذه الصورة التي أدارها السعداوي من خلال ممثليه مرشحا الاستعارة ومؤكدا على البياض الناصع مرة بصريا من خلال الصورة وللون المشاهد في القماشة البيضاء، ومرة سمعيا من خلال الصوت في جملة الحوار في العبارة الوصفية ذاكرة بيضاء يكتبون فيها ما يريدون.

وفي نبرة رجاء يبادر حسين طبيبه:

- بس أنا أحس روحي أحسن الحين.

فيؤكد الدكتور رثاءه مستغلا حالة الضعف والتهاوي الذي ظهر في نبرة الرجاء:

إنت مسكين كنت صوتا والحين صرت صدى صوت، كنت فعلا والحين صرت ردة فعل.

ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك.

مَشاهد:

( ١ )


ها هو الشاب ينظم ملابسه بينما الممثل الثاني يستقر على الطاولة وقد تحلّق الجمهور حولهما في دائرة مفتوحة والعزف يتردد ترن ترن تررن أعمق أعمق ثم يعود خالقا نوعاً من القلق من السطح إلى العمق، ومن العمق إلى السطح، وفجاة يتسارع الإيقاع تماما كما هو وقع المشهد بين الأب وابنه، ولقد استطاع النقر على أوتار العود وشيء من دندنة العازف فيصل الكوهجي التأكيد على الإيقاع في كل مشهد بحسب الحالة النفسية التي تتصاعد مرة وتتراخى مرة أخرى لتسمح للمشهد بالراحة بعد الشد الذي يصنعه حسين عبدعلي وهو يحاور أو وهو يروي كمن يأكل في نفسه.

 وها هو يقف متصفّحاً الجريدة متسائلاً - قرأت الخبر؟ فيسرد حكاية ما، واختياره يعكس شخصيته، ها هو يختار ضحاياه من بين المتفرجين، يهذي كمن يحكي حكاية، ويصرخ بأحدهم محادثا أبوي .. أبوي...أبوي ـ مرة اثنتين ثلاثاً حتى أجهر صوت وأجهش نبرة في حلقه ـ ويكمل: لا يرجع إلى البيت حتى يكون قد فقد وعيه.. كلامه كله ...صراخ في صراخ في صراخ مركزاً على التصويت في الصاد والاحتكاك في الخاء في نبرة متهالكة حد الإعياء والتعب دامجا العبارة في صوت واحد حتى ينقطع نفسه: صراخ في صراخ في صراخ وهكذا هو كلما أراد أن يؤكد عمق السرد في قيامه بدور الراوي.

 ثم ها هو الدكتور يرتدي الياقة البيضاء وحسين يعوده في حديث أشبه بحوار الصديق لصديقه، مرة مستلقيا للكشف الطبي، ومرة محملقا في الدكتور وجها لوجه.

حسين: ما أذكر يوما كنت ابصحة أكثر من اليوم..

الدكتور: وين جنونك هوسك.

-  كذبة كبرى ماسكة بخناق الناس.

-  الانتفاضة...

 -  خارطة الطريق، مركز التجارة الدولي، البنتاكون..

-  الدولة السلام ...

-  المظاهرات ضد أمريكا ومع الشعوب...

-  استوعب الواقع والعالم.

-  جيفارا.

 -  الوزير.

 -  أساس الفساد من كبار الموظفين.

ويختم هذا الحوار

-  بعبارة كنت غبي.

-  المليشيات التي أفكر فيها كانت الحماقة كنت مهبول.

-  مهبول جميل ورائع.

بحسبنا أن نرصد هنا تداعي الأفكار في الحوار كمن يقدّم لنا شخصية الشاب حسين، هذا المتعولم، وأهم التحولات الفكرية التي طرأت عليه بعد تلاشي ألقه وذهاب حماسته كما يرى الدكتور، فهذا الحوار تتداعى فيه الأفكار مشكلة الخارطة الذهنية الجديدة لبطلنا بعد إعادة إنتاج شخصية الشاب وقد تعولم وتغيّرت مفاهيمه للحياة، وقد أصبح أكثر تفهما لما حوله، ومن حوله.

( ٢ )

 

ثمة إحساس بأن هذا المكان غرفة حسين حيث علاقة الملابس تتخذ جانبا، بينما حسين يضم ملابسه في الحقيبة كيفما شاء ويهم بالخروج والأب ينظر إليه من الأعلى في حوار: تتداعى في العبارات التالية:

- صراع الطبقات..

 - اطلع منها أنت بعدك في البيضة.

- تتصارع مع..من؟ »أبوك«!

- اتردد فضائل النظام ..

- لأنك مواطن حر .. ومرتاح.

- لأنك مستشار.

- الطبقة الارستقراطية

- اللي إذا قال كلمة على الكل ايردد كلامه.


يحتد الصراع أكثر:


- لما أعطيك الفرصة حق تصرخ ساعتها قول جب.


 واقفا على الطاولة مرددا عبارة:

 - تعارضونه أو نعفو عنكم

- تعارضونه أو نعفو عنكم

نعفو عنكم لأنه تنقصكم المعرفة

في هذا الحوار ثمة ما يمازج بين سلطة الأب وسلطة النظام بما يشي بالمعارضة حيث إن السلطة في أهم صيغها العربية ترجع إلى استعارة واحدة هي السلطة الأبوية فالأب حاكم والحاكم أب، وهكذا يتم استخدام السياق الأبوي للتعبير عن التسلّط السياسي، فثمة نقد للتسلط السياسي من خلال هذه الاستعارة، وثمة نقد للتسلط الأسري والأبوي من خلال الحكاية نفسها، وثمة نقد للتسلط الديني إشارة حسين لجده رجل الدين وصراع أبيه معه، وثمة نقد للتسلط الأيدلوجي من خلال الإشارة للأب وخلفيته الأيدلوجية وانقلابه على الشيوعيين بعد ارتقائه في المنصب الوظيفي، وثمة نقد للتسلط الفكري من خلال الإشارة لفكرة العولمة ومقاومتها وتقولب شخصية البطل بها.

ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك.

في المسرحية الكثير مما يقال ولكني أميل الآن لأن أنهي المقالة بهذا التبريق السريع، فقد طال المقام بين الكتابة والعرض ومن أهم بقي في الذاكرة تلك الأصوات التي يقف فيها حسين مجهدا وكأنه يأكل في ذاته باذلا أقصى ما في جسده وطاقته من صوت مرة مقلدا صوت المطر وهو يتساقط على ذلك البيت الفقير متأرقا به مؤرقا سامعيه فإذا كان المطر خصبا وفرحا للبعض فإنه للفقير فضيحة ومأساة ويكاد صوت كل قطرة يصب وقعه كمصيبة في صدر الفقير تماما كما تمثّلها حسين بصوته، أما الصوت الآخر الذي يجعلك تقف بين الإعجاب بهذا الممثل وبين التماهي مع هذا السرد المصوت فهو تمثيله صوت البعوض واليد التي تلاحقه في الهواء وصوت الضرب المبرح وصوت التهاوي والسقوط النفسي الذي يصدمك كثيرا ويحملك على التعاطف معه حد الإعجاب.

ولعل الأمر الآخر الذي به تكون المسرحية إضافة على مستوى التجريب هو حجم الجرأة التي اقترفها السعداوي في كسر الحاجز التمثيلي بين الممثل وجمهوره، ففي حالة بحث البطل بين الجمهور عن ممثلين يشاركونه في المسرحية لم يعد الجمهور مجرد مشاهد ليس له أي دخل في الحكاية، كمن يتلصص ويهرب بعيدا بل أصبح الجمهور متورطا في المشهد، إلى الحد الذي جعل بطلنا يختص أحدهم بالحكاية ويقف أمامه محملقا في عينيه ملقيا بأسئلته في شكل صرخات لا مفر منها، وليس أمام المشاهد في تلك اللحظة الحرجة سوى أن يلوذ أن بالصمت فلا يدري أيجيب على أسئلة الممثل أم يتجاهلها أيسكت أم يتحدث أم ماذا يفعل، فما هذه الورطة غير المحسوبة، فهو قد حضر مشاهدا وليس ممثلا، ولعل من الطريف الإشارة إلى ردود الفعل التي حدثت جرّاء ذلك المستوى من كسر حاجز الإيهام وتبديد البعد الرابع فقد هم أحدهم بالضحك والهروب كردة فعل، أما الآخر فقد اغرورقت عيونه بالدموع من شدة التّأثر وكاد أن يشارك البطل في مناحته، أما أطرف ردة فعل فتك المشاهدة التي ادعى حسين أنها أمه وطلب منها مغادرة المنزل معه، وترك الأب القاسي يواجه مصيره مكررا جملة يترجاها فيها »أقول لك قومي، أقول لك قومي« فقد تراوحت ردة فعلها بين التّأثر الشديد حد البكاء وبين تصفح الوجوه باحثة عن السعداوي المخرج متسائلة هل أقوم معه؟ هل أبقى مكاني كمشاهدة أم أستجيب لندائه، وكأنها تقول ما الذي عليّ فعله يا ترى، هل أكون أماً أم أبقى مشاهدة صماء، ماذا أفعل ياربي؟ وهنا لم يتملك الجمهور نفسه من التصفيق لتلقائيتها في المواجهة واللواذ بالجمهور أو المخرج وكم حصد الممثل من الإعجاب بقدرته على انتزاع شهادة بخلق ممثلين آخرين تصنعهم تلقائية اللحظة وطزاجة الحركة مملثين يشاركونه صناعة المسرح.

(0) تعليقات

:: أنطونيوني:خلخلتُ السرد الفيلمي

 

 

بقلم:عبدالله السعداوي

خلخلت الرواية الحديثة منذ مطلع القرن العشرين الأنظمة التقليدية للسرد مما فتح الآفاق على انجازات تيار الوعي لدى جويس وبروست وروب غرييهوفرجينا وولف ونتالي ساروت، حيث نقضت تلك الانظمة السردية التقليدية وحلت العلاقات السرية بين الحوادث والشخصيات محل العلاقات السببية والمنطقية وبدأت الرواية تبتدع ضروباً كثيرة من العلاقات السردية بين العناصر الفنية، بل ظهرت بنظرية ضد الرواية وتوارى ذلك المفهوم الذي أرساه ‘’اميل زولا’’. وخلخل التشكيليون المستقبليون مفهوم الفن التشكيلي وخلخل مسرح العبث تقاليد المسرح كتابة وإخراجا كذلك خلخل انطونيوني تقاليد السرد السينمائي.

العزلة والقلق

استقبل الجمهور فيلم ‘’المغامرة’’ للمخرج انطونيوني بالصفير والاستهجان أثناء عرضه في مهرجان ‘’كان’’. رغم انه طورلغة السينما الحديثة وأدخل الفيلم ضمن الأعمال العظيمة في تاريخ السينما مخلخلاً ومحطماً الحبكة التقليدية التي اعتاد الجمهور عليها، فالبطلة تختفي من بداية الفيلم، ليعرض ويؤكد الحياة العقيمة للأفراد الفارغين مصوراً الرتابة التي تبتلع الشخصيات، ومركزاً على لحظات الصمت الطويلة المتكررة، كما يحدث في الواقع، من خلال استشفافه لدلالات عدة تقود إلى انعدام الاتصال بين الأفراد والاستخدام الخارج عن المألوف للإثارة الجنسية من اجل تلطيف العزلة أو القلق، القيم البرجوازية المنهارة، ضجر ولا مبالاة الأثرياء المكان والديكور والتكوين والبيئة عناصر أساسية ومتممة للفعل الأخلاقي، الإدراك المعاصر للتفسخ كلها تتخلل هذا الفيلم (المغامرة) العمل المهم في السينما الحديثة متجاوزاً تبسيطات الواقعية، لكنه لم يكف عن الاهتمام والقلق بشأن الوضع الإنساني رغم ان الغموض والمجاز والتعقيد يغمرنا مما يجعل انطونيوني من ضمن قائمة السينما التدميرية لدى ‘’1 فوغل’’ الكتاب الذي ترجمه أمين صالح.

مساهمة فعالة

لأنطونيوني مساهمة فعالة في حركة الواقعية الجديدة في الأربعينات ناقداً، وكاتب سيناريو ومخرج أفلام تسجيلية. لفيلمه ‘’الانفجار’’ أو‘’تكبير صورة’’ أهميته خصوصاً في أي محاولة للتعريف بمعنى الحداثة السينمائية، وإذاكان ‘’روبر توروسليني’’ الذي يعد النقاد من الذين ساروا في الدرب نفسه في فيلم‘’رحلة إلى ايطاليا’’ التي كانت الإرهاصات الأولى، حيث كانت بنية الفيلم قائمة على رحلة مع العرض ‘’الصراع’’ الذي يدور داخل النفس البشرية عبر التفاعل بين الإنسان ومناظر الطبيعية، في محاولة ربط بطرق جديدة بين الشيء محل المشاهدة والعين التي تشاهده والتي لها صلة ببعض أفلام السرد الروائي كفيلم ‘’الهند’’ لروسليني العام1958 أو ‘’وصف الكفاح’’ 1960 لكرس ماركر وكذلك طريقة تقطيع السرد السينمائية وتحريك مجموعة من الشخصيات في حيز ضيق من المكان كما نراه في فيلم ‘’الصديقات’’ لأنطونيوني.1955 ومثلما تتأصل جذور انطونيوني في الواقعية الجديدة، تتأصل ايضاً في شكل آخر من أشكال السينما يعنى بشخصيات ذات وضع اجتماعي محدد وفي هذا الشكل السينمائي توضع الشخصيات مع الملاحظة وهي في ظروف الحرب وما يتخللها من عنف وفي ظروف ما بعد الحرب مباشرة، وكانت الملاحظات التي تتناول هذه الشخصيات تجرى من الخارج، أي من خلال علاقاتها الشخصية والاقتصادية كما طرحها النقاد، فالواقعية الجديدة كانت تقيم جمالياتها على أساس إعادة بناء الحياة مستخدمة في ذلك كل ما لدى سينما الاحتراف التقليدية من معدات، كما يمكن ان نراها في عمل ‘’شيزاري زفاتيني’’ في اعداد سيناريو‘’امبرتو’’ وأعمال ‘’فيتوريودي سيكا’’ مع الممثلين الهواة لذا جاء فيلم ‘’امبرتو’’ على منوال أفلام هوليود من حيث البنية المعدة سلفاً ومن حيث التمثيل وإن اختلف في الاسلوب.

أما اعمال انطونيوني المبكرة، فقد كانت تحمل طابع التشاؤم كما كانت أفلام الواقعية في الأربعينات، فالحبكة في هذه الأفلام دائرية البنية تعود الشخصيات إلى نقطة البداية، بعد أن تتعرض إلى إغراء زائل وخاوٍ كوسيلة لاختبار الحرية كما في فيلم ‘’قصة حب’’ ,1950 حيث تكون حادثة الوفاة وقعت منذ سبع سنوات سبباً في احياءعلاقة بين اثنين كانا ذات يوم حبيبين، لكن هذه العلاقة لا تؤدي في نهاية الامر إلاإلى وقوع مصيبة تنجم عنها الإصابة بالشلل.

في فيلم الصديقات لا تنجح ‘’روزيتا’’ في محاولة الانتحار لا تبرهن إلا العودة للمحاولة مرة أخرى.

في فيلم ‘’الصرخة’’ 1957 يقوم البطل برحلته الطويلة، لكن تلك الرحلة تعود به إلى مشهد البداية، حيث السعادة المفقودة لينتهي الى الموت.

لكن ما أدهش النقاد في أفلام انطونيوني هواستطاعته أن يقلب العنف الذي ورثه عن الواقعية الجديدة - ليكون مداره على الدوام روح الانسان، كما انهم يدهشون لتعدد الوفيات وما يكتنفها من غموض كما انها تكشف عن تباشير التطور الذي سيواصل سيره في أفلام انطونيوني. فالشخصيات لها بعد سيكولوجي أكثر منه بعد اجتماعي، ولم يعد التركيز على الحوادث في حد ذاتها، بل تعدى ذلك الى بيان تأثير هذه الحوادث على الشخصيات ولم يعد التحري أو التحقيق أو النموذج السينمائي المطروح يقوم به رجال الشرطة، حيث يطرحون الفروض او حتى الأدلة الدافعة على عمل ما. بل أصبح تحرياً تنهض به إحدى الشخصيات لتزداد تنوراً وبصيرة، ولكن من دون ان تلوح لها بادرة امل كما في فيلم ‘’الصرخة’’ ويلعب الديكور دوراً مهماً في الفيلم الصرخة ليعكس هذا التحول في الاهتمام لدى انطونيوني، فبعد ان كان الديكورعنصراً يحدد الهوية الاجتماعية التي تفصل بين العاشقين في فيلم ‘’قصة حب’’ نجده في فيلم ‘’الصرخة’’ أصبح مع المطر ومناظر الدمار تعبيراً عن الحالة النفسية للبطل.

استعادة الموقف النيتشوى

إذا كان الفعل يعوم داخل الموقف أكثر مما ينجزه كما هو لدى ‘’فيسكونتي’’ في رؤيته المعقمة للإنسان والطبيعة لتوحدهما المحسوس والجسدي أكثر مما يتعلق بالصراع ضد الطبيعة او فيما بين البشر انفسهم في نبع جمالي فني فإن فن انطونيوني يسير في منحنيين استثمار مدهش للأزمنة الميتة التي تستغرقها اليوميات المبتذلة والتعامل مع المواقف الحدية، حيث تدفع هذه المواقف لتمثيل مشاهد فاقدة للملامح الإنسانية، وفضاءات خاوية تمتص الشخصيات وأفعالها فلا تحتفظ فيما سوى بوصف جيوفيزيائي، بجرد إحصائي.

انطونيوني حسب جيل دولوز اقرب إلى نيتشه منه إلى ماركس، فهو المخرج المؤلف الوحيد الذي استعاد المشروع النيتشوى في نقد حقيقي للأخلاق بمنهجية (السيميتو ما تولوجي) الباحث في الأعراض المرضية.

في فيلم المغامرة توجد لقطة عامة طويلة لجماعة من الناس يبحثون عن سيدة مفقودة فوق جزيرة، وهذه اللقطة أطول بكثير من سائر اللقطات المأخوذة من أوضاع الكاميرا، فهي تعرض وبتركيز شديد صورة محكمة للإحباط الجماعي، وعزلة الباحثين، الجميع يبدون من ظهورهم والجميع يتجهون اتجاهات مختلفة إلى حد ما وهم يشخصون عبر منطقة الجزيرة بحثاً عن إشارة ترشدهم إالى المرأة، ومرة أخرى يستحوذ طول هذه اللقطة بالنسبة إلى قصر غيرها من اللقطات على انتباه المتفرج، وحينما يكون تسارع اللقطات العامة والمتوسطة والقريبة متساوي الطول تقريباً، فمن الطبيعي ان ينظر لمحتوى هذه اللقطات على انه بالأهمية نفسها والأشياء الأخرى المتساوية كافة. رغم أن التصوير في موقع خارجي يضفي مصداقية على المنظور المصور إلا انه مع ذلك يقتضي تناولها بالتغيير للحصول على الضوء اللازم.

أو إظهارها من صور أكثر واقعية أو جاذبية مما يفرض وضع عواكس ضوئية لكي تغير من الضوء المتاح بديكور طبيعي، كذلك يتم تلوين وتغيير ألوان الأشياءبقصد إضافة مؤثرات معينة، وهذا ما نراه لدى انطونيوني في فيلم ‘’تكبير صورة’’ 1967الذي جرى تصويره في متنزه وقعت فيه جريمة قتل كانت حشائش المتنزه يانعة الخضرة،فضاعف اخضرارها بالطلاء ليؤكد التناقض بين المنظر وبشاعة الجريمة التي حدثت فيه. فإذا كانت الأجسام في فيلم معركة الجزائر لا تظهر أي جسم ابيض جلياً بشكل كلي، فإن في فيلم ‘’تكبير صورة’’ تكون مزركشة بالألوان الحمراء، والخضراء، والزرقاء من خلال استخدام الضوء منفصلاً عن اللون، فالجسم المضاء بنور ساطع سوف يبرز للعيان في تناسب مباشر على عتمة الإضاءة التكميلية. فكلما اقتربت شدة الضوء التكميلي من شدة الضوءالأساسي قل وضوح الجسم. وهكذا يتطلب تقدير الضوء في المقام الأول تحليلاً للعلاقةبين الضوأين الأساسي والتكميلي.

 

في ثلاثية انطونيوني المكونة من ‘’المغامرة’’ 1960و’’الليل’’ 1961 و’’الكسوف’’ 1962 بدأ يختفي العنف الجسدي ويبقى الشك وعدم اليقين، وأخذت تتلاشى عناصر التوتر أو الميلودارما مثل عملية البحث عن الفتاة المفقودة آنا في فيلم المغامرة، وبالنسبة الى فيلم الصرخة ممكن ان تعزو مشكلات ‘’الدو’’ الىالفقر من ناحية وإلى عدم قدرته على الإفصاح عن نفسه من ناحية أخرى. المشكلات الاجتماعية هنا تتوارى في الخلف، ويصبح الاهتمام منصباً على استبار الباطن أو الكشف عن خفايا النفس، رغم ان انطونيوني يرفض كشف أي نوع من الإيضاح والشرح من تحليله للعواطف. ففيلم ‘’الكسوف’’ لا ينتهي بمشهد تجريدي يستغرق عرض سبع دقائق قوامه صورعدة غير مترابطة في الظاهر، وهو مشهد يعبر عن الألم والوحشة من دون كلمة أو عبارة  تقال.

ونهايات في ثلاثية انطونيوني دائماً مفتوحة وسببها هو التحول من التركيز في العمل السينمائي من المجتمع الى التركيز على العلاقة التي تربط الشخصيات بعضها ببعض بكل تعقيداتها، وهي شخصيات لا تتصرف وفق النموذج الدرامي؛ لأن المخرج انطونيوني يمقت الخط الدرامي التقليدي، ويأبى التسليم بأن قوانين الدراما القديمة مازالت سارية المفعول بل ظهرت لنا هذه الشخصيات بكل تناقضاتها وتقلباتها العاطفية الفجائية. فلم يستعن في تقديم هذه العواطف بحوار لتحديدها، كما انه لم يلجأ الى تنظيمها من خلال سيناريو دقيق معد سلفاً، بل التقطها تلقائياً وقت حدوث المواجهة بين شخصية وأخرى وسط مناظر تكتسب قيمة تعبيرية وبصرية جديدة بفضل الشاشة العريضة. للسينما خواص التعبير المباشر؛ لأنها واحدة من أهم خصائص الصورة الفيلمية، هذا الشكل المطبوع الذي سرعان ما يتيح تعبيراً واقعياً مباشراً. فأنت إذ تستخدم آلة التصوير الفوتوغرافية فإنك تلتقط واقعاً عيانياً مباشراً معروفاً ومألوفاً في أدنى درجاته، لكن توظيف المرشحات والعدسات والإضاءة ورؤية المصور الخلاقة ستقدم شكلاً صورياً مختلفاً عما هو عياني ومباشر. وشكلاً يحتمل كثيراً من التأويل، ويمكن فرز مستويات عدة للتعبير والتخلخل في ثنايا ما هو بصري الى الوسائل والأدوات التي وظفت للتعبير، ولا تخلو هذه الخاصية في اشكال التعبير من حشد للمعطيات الجمالية القادرة على الارتقاء بالصورة وجعلها رسالة غزيرة بالإحالات.

هل نحن نرى أو لانرى؟

التحري عن حقيقة الواقع

في فيلم ‘’تكبير صورة’’ أو ‘’الانفجار’’ يقوم انطونيوني فيه بنظرة فحص واختبار للون من الحياة، وضرباً من المعاني هما بعيدان عن  متناول أيدينا، وقد عبر هو نفسه عن ذلك قائلاً ‘’إني أود أن أعيد خلق الواقع في صورة مجردة وحقيقة الأمر إني أتحرى عن طبيعة الواقع’’. وهذه لقطة جوهرية لابد من تذكرها عندما نتناول الصورة في الفيلم وأبعادها، ذلك ان احد الموضوعات الرئيسة التي يتناولها الفيلم تكمن في هذه الفكرة. هل نحن نرى أو لا نرى القيم الحقيقية للأشياء بالطريقة الصحيحة والملائمة.

ومن هنا يكون أي تفسير نقدمه عن الفيلم كمشاهدين يتوقف على ما إذا كنا نتبنى وجهة نظر البطل ام لا.

إن توماس يرى نفسه باحثاً عن قصة حب رومانسية، فإذا به يكتشف على حين غرة وقوع جريمة، وتحولت خضرة المتنزه الى صور من الأبيض والأسود. وغدت هذه الصور محل بحث واستقصاء وتعرضت للتكبير، وخضعت للتحري والتحقيق وظهرت للوجود قصة، نابعة من هذه الصور، وكأنها تستجيب لرغبات توماس المصدر. فهي تتشكل وتلتوي ثم تحتفي باختفاء الأدلة الموجودة في الصور بعد ان سرقت وبعد أن اختفت الجثة بكل ما لها من وجود ملموس ومحسوس. فالتصوير الفوتوغرافي ما هوإلا وسيلة لاستنطاق الواقع ودفعه للتخلي عن أسراره والكشف عنها، وهي أن الجريمة قد وقعت وأنها سبق صحفي أو نبأ مثير يحلم به المصور الفوتوغرافي والفضل للكاميرا في الكشف عنها. لكن بمجرد أن نلقي نظرة على الحوادث من الخارج، حتى يتضح لنا ما ينطوي عليه هذا التفسير من تناقضات، ونصدم بالأسئلة التي وضعها الناقد. لماذا تم التصويرهناك في العراء.

لماذا قام شريك المرأة بتنفيذ عملية القتل بعد ان اكتشف توماس امرهما؟ لماذا لم يحاول قتل توماس؟ هل هناك احتمال ان يكون قد ترك المرأة تطارد توماس على مسؤوليتها؟ لكي يتمكن من ترك الجثة مكشوفة للجميع؟ ألم يكن خليقاً بأحد العثور عليها في فترة بعد الظهر؟ فالحوادث ابعد من ان تكون حدثت في عالم الواقع . ولا يمكن لها أن تحدث إلا في داخل رأس المصور توماس. هذا المشهد نفسه يقتبس في فيلم الحاجز لبسام الذوادي من سيناريو لأمين صالح، حيث يصور البطل مشهد جريمة قتل، لكن امرأة يقومها أو كما تصورها في رأسه، فالجريمة ‘’القتل’’ مختلفة في الفيلمين الأصلي‘’تكبير صورة’’ أو ‘’الانفجار’’ او فيلم الحاجز، ما ظهور الجريمة وارتكبها إلا مناجل إثبات وجهة نظر البطل بأنه يستطيع ان يطبع عالم الواقع بخياله.

ومن هنا يكمن الغموض واللبس. وفي مقدورنا أن نقدم تفسيراً للفيلم أما من داخل الشخصية أو من خارجها. فعالم الواقع بأبعاده المتعددة والكاملة يظل يراوغ ويتملص من توماس المصور. ففيلم ‘’تكبير الصورة’’ أو ‘’الانفجار’’ فيدور حول عملية التصوير الفوتوغرافي ذاتها من مختلف أبعادها وأشكالها من اللقطة السريعة إلى تركيب الصور على طريقة السينما الحقيقة او تصوير الموديلات من ناحية، ومن ناحية أخرى يدور حول الجانب التقني من التصوير مثل التحميض والطبع والتكبير، وكيفية ظهور صورة ما على ورق حساس وكيفية تفسيرها.

فتوماس يحاول الإمساك بعالم الواقع من خلال التصوير. لكن كلما اقترب من الصور التي التقطها في المتنزه التي يعتقد انها تنطوي على تسجيل جريمة وقعت هناك، كلما جمع الأدلة، وهي لا تعدو أن تكون مجرد بقعة من حبيبات رمادية أشبه بما نراه في لوحات زيتية فهي لا تبرهن على وجود شيء، بل قطعة من الفن التجريدي فحسب. مثلما أدركنا في نهاية فيلم ‘’المغامرة’’ أن البحث والتحري عن حادث اختفاء ‘’آنا’’ ما هو إلا رحلة داخل النفس والكشف عنها. يشارك في هذه الركلة كل من حبيبها (جابرييل فيرزتي) وصديقتها المفضلة (مونيكافيتي). ويظل لغز ‘’آنا’’ من دون حل، حيث يضعنا انطونيوني في حالة من التخبط والتشويش لكي نشارك شخصياته مشاركة كاملة. في الجزءالاخير من ثلاثية والتي عالج من خلالها انسلاخ وعزلة الفرد في المجتمع المعاصر. وهذا ما يتجسد في رؤيته بوضوح في المشاهد الاخيرة من فيلم الخسوف، وهي من اروع المشاهد في تاريخ السينما على حد قول النقاد، وقد استأصل هذه المشاهد بعض الموزعين على اعتبارها زائدة وغير مهمة.

وهذا الجزء عبارة عن رجل وأمراة يعجزان عن الاتصال ولا يظهران في المكان الذي حدداه للقاء. تظل الكاميرا وحدها تلتقط 58 لقطة تستمر لمدة سبع دقائق في تتابع مذهل، حيث نشاهد شوارع خالية لا أحد فيها تعبرهاالكاميرا، مشيرة إلى الأماكن التي مر بها البطلان في لقائمها الأول لافتات، أرصفة، ظلال، إشارات المرور الضوئية، سماء معتمة ثم يهبط الليل انها استعارة بصرية لخسوف الإنسان، وقد تقدمت سينما التحليل النفسي بهذه الثلاثية الفيلمية المهمة إلى الأمام خطوات كبيرة، فحافظت على غموض الإيماءة، أو الاستجابة، اذ صورت من شخصية أو أخرى. وما يشهد على تأثير الثلاثية ما حدث لفيلم ‘’المغامرة’’ فبعد أن مضى على عرضه عشر سنوات بات يبدو في عين المشاهد فيلماً تقليدياً بسيطاً في سرد قصته. فطريقة السرد التي كان يجعل منها المشاهد ويقابلها بالاستهجان والصغير يوماً ويراها خارجة عن المألوف قد عدت الآن في نظره طريقة عادية ومقبولة.

ما قاله أنطونيوني

انمشكلة المخرج تنحصر في انه يتعين عليه أن يمسك بالواقع - للحظة - قبل ان يتجلى ويكتشف في نفسه، ثم تقدم هذه الحركة، وهذا المظهر، وهذا الحدث بوصفه إدراكا جديداً لهذا الواقع، فهذا الذي يقدمه المخرج ليس صوتاً - سواء أكان هذا الصوت متمثلاً في كلمات أو ضوضاء او موسيقى، وهو ليس ضرورة سواء أكانت هذه الصورة متمثلة في منظر أوتعبيراً أو حركة، بل هو كل متكامل لا يقبل التجزئة.

»ما قاله برجمان عن أنطونيوني في إحدى لقاءاته«

في إحدى لقاءاته مع الناقد الأميركي جون سيمون قالبرغمان:

لعل الشيء الغريب هو أنني أعجب له الآن أكثر مما كنت في وقت سابق، ويعود ذلك لأفلامه ؟ لأنني فهمت فجأة ماذا يفعل. لقد أدركت ان كل شيء في عقله من وجهة نظره ؟ في سلوكه الذاتي يقف ضد أفلامه، ومع ذلك فما زال يصنع أفلامه.

*  أي افلام انطونيوني تحب أكثر؟

- برغمان: أحب ‘’الليل’’ كثيراً لأن ممثلة عظيمة عملت فيه.

* جان مورو ولكنه لم يعمل كثيراً معها.

- برغمان: لا.. انه لم يعاود الكرّة. انه لا يتصل بممثليه انهم لا يعرفون ما الذي يريده، هو لا يعرف كيف يتخاطب معهم.

* لكنه عرف كيف يتحدث مع مونيكافيتي؟

- برغمان: اعتقد ذلك، ولكن هل تعلم، إنني أحب الناس الذين يقف كل شيء آخر ضدهم، وأحب إصرارهم على المواصلة ؟أحبهم وأعجب بهم. وأعتقد انه شيء رائع ان هذا الرجل ؟ هذا الرجل الذي لا ينام،المعذب، المروع، الخائف. قد ذهب إلى أميركا لكي يخرج فيلماً عن الأميركيين - انه دون كيشوت، ولقد قلت له أنني لن امتلك قط شجاعة شبيهة بما يملك؛ لأنني لم اذهب إلى أميركا بعد.. اعتقد أنني لن أفكر بالذهاب إلى أميركا إلا بيدي بطاقة عودة. ان عكس ذلك يفزعني كيف توفرت لديه الشجاعة للذهاب إلى أميركا. أن يختفي في الصحراء مع فريق فني وأن يبقى هناك. انه رجل غريب، أحبه رجل رائع، وأنا أعجب به إلى حد مذهل.

* ربما أحببت الرجل أكثر من أفلامه؟

- برغمان: نعم بشكل او بآخر؛ لأن أفلامه بدت بالنسبة لي مملة إلى حد ما.. ولكننا يجب أن ندرك.. أن الملل في الفن شيء طيب على نحو ما، ولكنه يزيدها قليلاً. ولكن بعد لقائي معه اختفت تحفظاتي على أفلامه..

(0) تعليقات

:: الجسد الذي يعبر.. والفم الـذي يصمت

مارسيل مارسو ..من الكولومبي العجوز إلى بيب

الجسد الذي يعبر.. والفم الـــذي يصمت

عبدالله السعداوي:

يعتبر المايم والبانتوميام فنا قديما وعريقا فقد تم الاستغناء عن اللغة منذ أيام الرومان، حيث تم استخدام أقنعة الحيوانات، وسمي ذلك بانتومايم، وبعد سنوات طويلة انقسم هذا الفن إلى بانتومايم كما يطلق عليه في أوروبا الشرقية وإلى المايم كما يسمى في الولايات المتحدة وبريطانيا ومعظم أوروبا. وقد اتخذ المايم اتجاهات إنسانية عدة وتصدى للموضوعات الأدبية العميقة.

بطاقات مارسو

مارسيل مارسو الذي ولد في العام1923 في مدينة ستراسبورغ في فرنسا، من أشهر الإيمائيين العالميين وكان أبوه لحاما ذا نزعات اشتراكية، وقد شجعت الأسرة مارسيل منذ طفولته على أداء قطع هزلية، في بيت عمته وفي المدرسة، وفي العام ,1939 حين نشبت الحرب العالمية ونجا من استطاع في المنطقة أمام الغزو والنازي. كان مارسيل واحداً من الفارين، وانضم أخوه إلى صفوف المقاومة في ليموج، بينما اشتغل مارسيل في تزوير هويات الشباب الفرنسيين، وتصغير أعمارهم كي لا يساقوا إلى معسكر الاعتقال، ثم ساعد على تهريبهم عبر الحدود إلى سويسرا، وفي العام 1944 سيق والده إلى وشفيتز حيث اعدم كيهودي، بينما نجت الأم، وظهر اسم الأخ على قائمة المطلوبين من قبل الجستابو، وبالتالي اضطر مارسيل للهرب إلى باريس، حيث غير كنيته من مانجيل إلى مارسو وبما انه قد درس في السباق في الديكور اتجه لدراسة المسرح في باريس، حيث تعلم الإيماء على يدي اتيان ديكرو ثم أدى خدمته الإلزامية ثم عاد ليدرس من جديد على يدي جان لوي بارو وقد قاسمه بطولة فيلم''أطفال الجنة'' بينما لعب بارو دور ''ديبورو'' ولعب ''يكرو'' دور والد ديبورو لحب مارسودور بايتست، وسرعان ما ابتدع مارسيل مارسو شخصيته الخاصة ''بيب'' وجال بها الدول الأوروبية، وبعدها احيا مسرحية قديمة لديبورو بعنوان ''موت قبل الفجر'' وبعدأن راق له هذا أنتج 25 مسرحية إيمائية منها ''هاملت'' و''المعطف'' و''المحاكمة''،''خلق العالم'' و''الشجرة'' و''الإعصار'' و''القفص''.

متزوج وله ابنان، وقد ظهر معه ايمائيون مساعدون أمثال الفين اييستيين وشقيقه مارك، ويانس ثم اشتغلوا وأصبحوامن المشهورين في الإخراج والأداء الإيمائي.

ومارسو يعتبر أشهر إيمائي تجاري استقطب جمهوراً واسعاً.

ذروة نجاح مارسيل مارسو كانت في نيويورك، فقد استمرت عروضه في شخصية ''بيب'' ذات مرة لمدة ستة شهور متواصلة، وقد استضافته محطات التلفزيون الأميركية مع أشهر النجوم وكبار المذيعين أمثال فريد استير، ريد سكيلتون، جوني كارسون، واحتفى به الممثل الكبير تشارلز لوتون، والتقى بكبار ممثلي الكوميديا مثل ستان لوريل، وأعجب بمسرح النور والكابوكي واختار موسيقى موتزارت وفيفا لدي وباح لمصاحبة عروضه وأسس مدرسة لتعليم فن الإيماء للأجيال الجديدة. فأصبح للجسد أهمية كبرى فصار هو جوهر التمثيل والممثل بدلاً من أطرافه، ومن هنا كانت ولادة المايم الحديث، وبين النموذج الذي عرفه القرن التاسع عشر لفن المايم، حيث كان التركيز في أعمال ''جان  حاسبار دبرو'' وتايمية''. مستقراً على الوجه واليدين، حيث كانت اليدان والوجه يبذلان جهداً مضاعفاً كي يعوضا اللغة المنطوقة التي جرى حظرها،ومارسو رغم أنه من أبرز ممثلي المايم في عصرنا إلا أن فنه لم يكن منبثقا من الجذورالحديثة للمايم.

مارسو سجين الصمت

أشعر بأنني سجين داخل فني، فالجمهور لايحب مني أن أتكلم أو أكشف عن ملكاتي الخاصة أو اتقمص شخصية أخرى خلاف شخصية ''بيب'' أو أتجاوز نطاق المايم المتميز الذي ابتدعته، والجمهور لا يستشعر ارتياحاً لأي مارسو آخر سوى ذاك الذي تعود عليه وصار مألوفا لديه.

مارسيل مارسو

لقد أدخل كوبو إحدى الطفرات المهمة على تدريب الممثل حين غطى وجهه بالقناع كي يدفع الجسد إلى الارتقاء والانطلاق في الأفق الأوسع للقدرة على التعبير الجسدي، فأصبح للجسد أهمية كبرى صار هو جوهر التمثيل والممثل بدلاً من أطرافه، ومن هنا كانت ولادة المايم الحديث، ليصبح الفرق كبيراً بين المايم الحديث وبين النموذج الذي عرفه القرن التاسع عشر لفن المايم.
اشتق مارسو اسم بيب Bip من شخصية بيب التي وردت في ثنايا رواية''آمال'' للروائي الإنجليزي الشهير ''تاشرلز دينكنز'' وهي رواية قرأها مارسو في صباه وفي صباه شاهد فيلم ''السيرك'' لشابلن وقد كتب لاحقاً يقول: بدا شابلن لنا إلها. كنت اجلس مفتونا في دور عرض الصور المتحركة كي أشاهد تلك الصور البراقة التي تترى أمامي، وكان أن صممت عندئذ أن أصير ممثل بانتومايم.. هنا التقى الصامتان شابلن ومارسو وكان الصمت هو الجسر الذي ربطهما معاً، إلا أن شابلن كان صامتاً بالضرورة، أما مارسو فكان صامتا باختيار، فحين بدأ مارسو أولى خطواته حياته الفنية كانت لديه قدوة كبيرة تتمثل في استاذة ''كرو'' الذي اتجه إلى قضاء بقية حياته الفنية المديدة في سراديب البحث والتطوير، كما كانت لديه قدوة اخرى تتمثل في ''بارو'' الذي انخرط في العالم الطليعي ب حول ام تحتصر'' ثم انتقل إلى عالم الأفلام والمسرحيات، وخلال كل ذلك ظل يحافظ باستمرار على قدراته ومهاراته الفطرية العالية في مجال الحركة.

وإذا كان مارسوقد عزف عن اقتفاء أثر ''دكرو'' في الاعتكاف في سراديب البحث في أصول وفروع مهنته، إلا أنه لم يرد ولم تكن قدراته لتؤازره في أن يحذو حذو''بارو'' في الدخول إلى عالم المسرح الناطق. فقد رأى مارسو قوة ونفاذا في الهجين الفني الذي أداه بارو في أطفال الفردوس، وحقق من ورائه حياة فنية مزدهرة، إذ دمج كثيراً من دعائم القوية الجسدية التي اكتشفها في دراسته مع ''دكرو''، وأضاف إلى هذا الأساس تلك الملاحظات الحاذقة التي وضعها على أعمال شابلن دكيتون، وضفر كل ذلك مع الماكياج الأبيض (بصورة تدريجية) الأزياء الساحرة والصور التي تتلاشى الظلال خلفها بصورة تدريجية، ويستطيع الخاص خلالها من توصيل العام في غالب الأحيان إلى المتلقي، وإذا كان تدريب مارسو قد انصب في المايم الحديث، فإن جوهر رومانسية القرن التاسع عشر كان ساريا في نسخ أعماله، وكان كوبو قد استنحى بالتعاون مع جوفية، عن أضواء مقدمة المسرح وابتكر الأضواء - الكشافات التي تستطيع في يسر أن تسقط ضوءها على أي جسم يقف في أي بقعة على وجهه. التقريب على خشبة المسرح، لقد غير هذا التجديد نمط التمثيل أكثر كما نظن. فصار طبيعيا أن تصبح مشية مؤدي المايم الحديث والممثلين المحدثين أكثر اعتدالاً واجسامهم اكثر اتزاناً على أقدامهم من نظائرهم في القرن التاسع عشر، وكان الممثل القائم المعتدل القئمة في العصور الذهبية للمسرح يؤدي في الهواء تحت صور الشمس، ويستطيع المرء أن يحتج بأن أعمال مارسو تقع بعيداً خارج نطاق الجماليات الحداثية، قصص موجزة صامتة فيما عدا مصاحبة الموسيقى التي تستخدم أيضا في القرن التاسع عشر، وكانت تتكون بشكل واضح من بداية ووسط ونهاية وهي خصائص يتميز بها الكثير من أعمال مارسو، وهي ابداعات الهمها زمن غابر أقل تشرذما واقل تعقيدا، والأعين التي اعتادت على الانفصال ثم التجاور المفاجئ مما تقوم عليه التكعيبية أوالطبيعية الخاصة للمقابلات الحادة في ''أوبو الملك'' قد تجد في الصورة/ النقشة التي قدمها مارسو جمالاً وسحراً لائقين، وهما صفتان لا نستطيع إطلاقهما بصفة مستمرة على الفن الحديث الذي أعاد اكتشاف البدائي واللاواعي وغير العقلاني وأهمية السطح المشروخ والحافة المتآكلة والخط الجسور الذي يسقط نقطة اثر نقطة، ويبدو معقداً بلانهاية وما وراء الطبيعي، وحتى عندما يتناول ''مارسو'' الحرب والظلم الاجتماعي كان الشكل الذي يلجأ إليه في الغالب الأعم مركبا بطريقة تنم عن ذوق رفيع ومتوازن وراق وحتى مهندم، والموسيقى التي كانت تصاحبه كلاسيكية خفيفة الوقع على الأذن وتخلو من النشاز والمفاجآت التي ترتبط بالموسيقى الحديثة.

ممثل المايم يهتز مثل أوتار''الهارب'' ويشيبه قصيدة غنائية وتلوح ايماءاته وكأنها محاطة من الشعر، هكذا يصف مارسو أعماله، فهي تبدو الغنائية والهالة الشعرية وكأنها اطلال حقبة الرومانسية وزيادة على ذلك عناصر غير ضرورية في حقبة الحداثة، ازياؤه أو ماكياجه أو الوضع الأساسي للجسم الانساني وصمته وسخر الحكاوي الشيقة التي تنطوي عليها الصور التي قدمها أكثر قرباً من القرن التاسع عشر.

نقد أعمال مارسو

هـــــــــــــــــيز

وقد وصف عدد من النقاد أعمال مارسو بأنها تفتقد الضرورة القابضة وعلى المنوال نفسه وجد هامولد كليرمان أن مسرحيات البانتو مايم التي قدمها مارسو عبارة عن تصريحات لملاحظات ذكية، يستطيع المرء أن يستمتع بها لبساطتها ورقتها، ولكنها تفتقر إلى أي معنى خلاق ذي بال ويستشعر ''ريتشارد جيلمان'' ان مارسو يمط في الغالب الأعم الأشياء إلى أبعد مما تحتمل قيمتها الداخلية الجوهرية أو يقدم لنا ما نعرفه جيداً أو ما لا تحدونا رغبة ملحة في معرفته.


أنصارمارسو

رد أنصار مارسيل مارسو على ما يوجه إليه من نقد على أن الدافع وراء هذا النقد انما يكمن في الغيرة المهنية، غيرة أولاد الكار لواحد من أعظم المؤدين المتفردين اللذين يشكلون في حد ذاتهم ظاهرة خارقة لقرننا العشرين، ومع ذلك ينسب البعض إلى عدد من أنصاره عدم ارتياحهم لأن مارسو قدم أعمالاً قليلة العدد على امتداد أربعين عاماً، وقد يجد المرء ما يغريه بالرد على هذه النقطة، بأن الفنان إذا بدأ حياته الفنية من ذلك المستوى العالي الذي بدأ منه مارسو فلا يبقى أمامه - مهما امتد به العمر - إلا مشوار قصير كي يقطعه، بحسب توماس ليبهارت مؤلف كتاب فن المايم والبانتو مايم.

وقد كتب عن مارسيل مارسو المزح والممثل والمؤلف رياض عصمت في عدد من الدوريات وفي كتاب ''شيطان المسرح''.

القواميس

ما زالت القواميس تعرف كلمة''بانتومايم'' بطرق شتى ومتنوعة، فالبانتويم شكل من أشكال التسلية المسرحية دأب على التغيير باستمرار عبر السفيين، وقد كان للبانتومايم حالات مختلفة في فترات زمنية مختلفة، وكان له معان مختلفة عبر عصور التاريخ حتى عصرنا الحالي وبانتومايم القرن العشرين يدين بأسسه إلى ''الكوميديا دي لارتى وفرقها''.

اشهر بفناني المايموفرقه

1-      الفين ايسيتيين وشقيقه مارك


2- ديانس ليونارد بيت الأميركي
3- هنريك توماشيفكسي البولندي الذي يمزج بين المايماء والباليه على مستوى مشهد ضخم وباهر يحمل تأثير المسرح الياباني.
4- فيالكا التشيكي توفي في 1995
5- ديمترى السويسري
6- ديفيد غلاس البريطاني
7- دزموند جونز البريطاني
8- ر. جديفيز
9- وهيبستر
10-  بوليفكا
11-  كليفور وليامز البريطاني وهو من أشهر مخرجي شكسبير
12- هكتور مالمود الأرجنتيني
13- ماماكو يونياماالياباني
14 جيوف هويل
15- بن بنسون
16- سارة فان بير
17- جيفر يباكني
18- فرقة انتر بيليكيت
19- فرقة الصورة المتحركة
وبعض نجوم السينما الكبار كانو ايمائيين أمثال:
20- جاك تاتي الفرنسي
21-  ديك فان دايكالأميركي
22- المسرحي الشهير داريوفو
23- آدم داريوس الإيمائيالتعبيري
24- اينيان ديكرور استاذ مارسو
25- جان لوي بارو
26- جاك كوبواستاذ مؤسس الكولومبي العجوز
27-  مو منشانتس فرقة تعمل على طريقة جاك يكوك باعتباره المرجـــع الأساسي للفرقــة
28- جاك ليكوك
29- جون ريتش الذي برعت قدرته على استخدام يديه وملامحه.
30- ديرو
31- جاك ليكوك الذي يقول ''ليس هناك شكل آخر للمايم، فالمايم هو كل شيء والمايم قبل كل شيء في المسرح.
وانتهت القصة غير المعروفة.

(0) تعليقات

:: اختر الموضوع ودع الشخصيات تتحرك لوحدها

 

نصوص مسابقة التأليف تتسم بالضعف.. ولكن

اختر الموضوع ودع الشخصيات تتحركلوحدها

عبدالله السعداوي:

شاءت الصدفة أن أكون ضمن لجنة تحكيم النصوص المسرحية التي تقيمها وزارة الإعلام في مسابقتها السنوية للنصوص المسرحية، وأنا الذي دائماً ما أرفض أن اكون ضمن لجنة التحكيم، وأكلف غيري في ذلك، حتى لا أقحم ذوقي وأظلم أحداً ما، فالبدوي يحب الربابة ولا يعير اهتماماً لبتهوفن. ففي احدى المرات أحرجني أستاذي هاني صنوبرالمخرج المسرحي رحمه الله بأن كلفني أن أكون عضوا في لجنة تحكيم مسرحي في الأردن كان هو المكلف برئاسة اللجنة وقد حاولت التهرب من استاذي حتى لا يفرض علي مكانا للجلوس في مقدمة الصفوف وحتى لا أشعر بأنني مقيد الحرية.

ولم أجد إلا صديقي الفنان الناقد يوسف حمدان لتلك المهمة لما يمتلك من ذوق وفهم ودراية أكثر مما أملك. واعتذرت لأستاذي هاني واقترحت اسم الأخ يوسف.

وهو معروف بالنسبة للأستاذ هاني صنوبر، فعذرني وقال لو أنك لم تقترح اسم الاستاذ يوسف لما اعتقتك من تلك المهمة، واستطعت أن أورط صديقي يوسف انتقاما منه من توريطاته لي. أما مشاركتي هذه المرة فجاءت بعد أن أقنعني الاستاذ يعقوب المحرقي ويوسف بهلول الشخصان اللذان أكن لهما كل الاحترام والتقدير ولا أقوى على رد طلبهما.

ومن خلال مشاركتي وقراءتي للنصوص لمست أنها تتسم بالضعف الشديد وعدم المعرفة بالكتابة المسرحية، والتي هي كتابة معقدة ومركبة غاية في التركيب ولها أصول وضعها القدماء. ففي اليونان مثلا وضعوا لها سبع قيم دراماتيكية الفكرة، الشخصيات، الفعل، الحوار، الحدث، الجو العام والذروة.

وأحياناً تكون السيادة للفكرة وتأتي بقية المكونات الستة ضمنا وأحياناً تكون السيادة للشخصيات وأحياناً للحوار وأحياناً للحدث وأحيانا للجو العام وهكذا وبدأت الكتابة تتطور لاحقاً وتأخذ سمات جديدة ليس المجال هنا لسردها.

فالكاتب المسرحي عليه أن يختار الموضوع (الفكرة) ويترك الشخصيات تعبر عن نفسها، لأن الكاتب المسرحي يكتب نصه لا لكي يقرأ فقط، وانما لكي يعرض أيضاً، فإنه يستحضر أثناء عملية الكتابة مجموعة من المكونات الأساسية لجدلية النص/ العرض، فالمسرحية تكتب من خلال فضاءين الفضاء الدرامي وهو فضاء النص، والفضاء المسرحي والذي يختص بفضاء العرض في جدلية غاية في التركيب. لأنه يستحضر قارئاً/ جمهوراً متلقياً ورؤية اخراجية معينة أحياناً يسطرها في ''ميتا نص'' ''النص الشارح'' والكاتب المسرحي يكون غائباً عن الدراما بمعنى أنه لا يتكلم وانما يدير النقاش، وكل العبارات المنطوقة في المسرحية شفاهة، وهي تنطق في السياق وتظل هناك، ولا ينبغي النظر إليها من حيث هي صادرة من المؤلف، فالدراما تفصح عن انتمائها إلى المؤلف باعتبارها كلا فقط وليس هذا الارتباط سوى مظهر صدفوي لحقيقتها بما هي نص تتميز عن باقي الأجناس الأدبية تحديداً في تشديدها على الكتابة العرض. وكما هو واضح في نزوع متنام في النقد الأدبي الذي يؤكد أن الدراما تتوافر على مجموعة من السمات التي تميز بينها وبين الأجناس الأدبية الأخرى تلزم دراستها في سياق العرض، هذا يعني أن النص الدرامي يظل في حاجة إلى بعد سياقي بواسطة عرض مفترض، كي يدرك وفق طريقة فاحصة تتولد من هذه النظرية نظرية أخرى داخل تخوم حقل العمل نفسه، وتقترح هذه الأخيرة، أنه إذا كان النص يخضع للبعد السياقي من خلال العرض المفترض فإنه ينتج من ذلك ان العرض يخضع بدورة لطابع النص، وذلك مقارنة بنص المؤلف، ينبني على ما سبق ذكره انه في كلتا النظريتين يدخل النص والعرض في علاقة تناص جدلية، ومن هذه الجهة تستلزم القراءة الدينامية للنص المسرحي، ان يتخذ القارئ قرارات معينة، حيث يلزمه في البدء أن يتعرض ثم ينظم بعد ذلك هذا التنوع الكبير من الرموز اللغوية والبصرية التي توجد في حالة اشتغال مكثف داخل النص، وهي تحدث من ثم في مخيلة القارئ عرضاً متخيلاً، فإنه من المستحيل قراءة نص مسرحي بمعزل عن اعادة إبداع الحدث المسرحي في مخيلة القارئ، فإن الدراما باعتبارها ادبا تحول بطريقة تخيلية إلى حدث مسرحي كما يذهب لذلك ''بيتر روندي''.

فالقيام بأعباء الفنون المسرحية وممارستها يتطلب مهارات متنوعة، وهذه المهارات تتطلب المقدرة والخبرة، والتي تأتي عبر الثقافة والوعي في القراءة المكثفة في شؤون المسرح نصا وعرضا ونقدا وتحليلاً، فاساتذة الدراما كتبوا وصاغوا تجاربهم النصوصية من خلال مادة وجدانهم وذهنهم المنفتح على عوالم الحياة الإنسانية.

وهناك الكثير من الكتب  التي يمكن أن تكون ذات فائدة ويمكن الرجوع إليها.


1- المسرح في مفترق الطرق (جونمانستر).

2- مساحات الصمت، غواية الماجينية في المتخيل المسرحي (خالدأمين).

3- ما بعد بريشت ''خالد أمين".

4- فكرة المسرح (فرجسون).

5- العرض المسرحي (جوليان هاملتون).

6- المسرحية من ابن إلى اليوت ''ريموندوليمز".

7- حركة التأليف المسرحي في سوريا (أحمد زياد محبك).

8- المسرح والتراث ''محمد الكنعان".

9- الفن المسرحي وأسطورة الأصل (خالد أمين).

10- مسرح قرن العشرين في جزئين ''عصام محفوظ".

11- المسرح الفرنسي المعاصر.

12- أقواس أيامي ''محمد يتهد".

13- تشريح الدراما ''مارتن أسلن".

وغيرها من الكتب الصادرة للنقاد والعرب والأجانب مثل الاستاذ عواد علي وغيره. يمكن لمن يشاء ويحب المسرح ويحاول الكتابة فيه أن يطلع على هذه الكتب وغيرها كلها تكون ذات فائدة وتساعد في معرفة المسرح، وهناك كتب حديثة ومواقع في الإنترنت.

وقد اقترحنا منضمن الرسالة التي أعلنا فيها أسماء الفائزين ان تقوم الوزارة بعمل ورش للكتابة المسرحية بذوي الاختصاص في هذا الشأن عربيا وعالمياً. لعلها تكون ذات فعالية في الاقتراب من النص المسرحي، كما انني اضيف إلى ذلك الاقتراح اقتراح آخر وهو أن تفتح المسابقة لعموم الوطن العربي بجوائز مغرية حتى يتم الاحتكاك ونشر تلك النصوص في كتب مطبوعة لعل الطرق المسرحية يمكنها قراءة نصوص من بلدان عدة ومحاولة اخراجها على خشبة المسرح، وهذه الفعالية قد تزيد من فائدة المسابقة وتذهب بها إلى أفق أبعد مماهي عليه وتدخلها من القطرية الضيقة.

(0) تعليقات

:: حصرياً.. باب الله لـ عبدالله السعداوي

 

" لا شك أن عالمنا اليوم قد صار ليلاً مزعجاً مليئاً بالآلام و المخاوف و الإضطرابات – بل أصبح ليلاً طويلاً لا نستطيع أن نتغلب عليه، ما لم نصرفه في الصلوات الروحية و الشراكة العميقة مع الله سبحانه و تعالى عن طريق القلب السليم، فالقلب هو مركز الحياة – لذلك يطلبه الله عز وجل لكي يعطيك كل الحياة – إنه يعلم أن إعتلال القلب معناه اعتلال الحياة كلها – لذلك هو يريد أن يصلح القلب لكي تصلح الحياة – لأن الله سبحانه يعلم بأن القلب يميل إلى الشر – لذلك يطلبه لكي يطهره."

من كتاب "باب الله"

(باب الله) ادعس هنا
(2) تعليقات

:: تغطية "الوقت" لوصول مطالبات تفريغ السعداوي إلى "الشرق الأوسط"

 

مطالبات تفريغ السعداوي تصل إلى الشرق الأوسط

بحر يشن هجوماً على المشتغلين بالمسرح ويصفهم بالمقلدين بعشوائية

الوقت- المحررالثقافي:

نشرت صحيفة ''الشرق الأوسط'' فيعددها الخميس الماضي، ملفاً حول المسرح البحريني، تضمن مقالاً كتبه أثير السادةشاطر فيه رغبة عدد ليس بهين من فناني ومثقفي البحرين بتفريغ الفنان والمخرج المسرحي عبدالله السعداوي من عمله.

وكتب السادة في العدد رقم (54801) في صفحة المنتدى الثقافي بالصحيفة المذكورة مقالاً عنونه بـ ''ما يشعله السعداوي.. وما يطفئها التفريغ''، جاء فيه ''يقف السعداوي اليوم بما تبقى من شعره الأبيض ولحيته الكثة على منصة أحلامه التي أزهرت باكراً لكنها لا تزال على حافة الارتواء، يستيقظ كل صباح دون أن يهتف باسم أحد، وهو يقطع الطريق إلى التقاعد ليطوي سنوات العمل التي بدأت منذ الطفولة، فيما يصعد الأصدقاء والمريدون من أصواتهم باتجاه طلب التفريغ الذي حين استطال وأصبح أشبه بالمحال أفرغ من قيمته ومعناه، وأصبح ربما جزءاً من سيرة الوجعالتي يحيا مبدع بقامة مبدع كالسعداوي، مبدع يملك الأفق غير أنه لا يملك حظاً يصافحه ليخرج من متاهة الإلحاح على التفريغ''.

وصال أثير السادة طي مقاله المشار إليه بعدد من المحطات الإبداعية الأساسية في رحلة السعداوي، والتي أمنت للأخير كما قال الكاتب ''موقعاً بارزاً على خارطة الإبداع المسرحي عربياً، باعتباره واحداً من أبرزالمشتغلين على تطوير الخطاب المسرحي في المنطقة''. ومما مر عليه التذكير بكثرة المطالبات بالتفريغ كماً، وبامتدادها على مدى السنوات، من دون أي استجابة.

وقال في السياق نفسه ''كل الذي أرادوه من كتاباتهم وعرائضهم أن يعبر هذا الرجل بأسئلته إلى جهة المسرح بكثير من الحرية، قبل أن يصير الركض اليومي باتجاه لقمة العيش أفكاره وأحلامه رماداً، أن يتمدد كمبدع حر، لا تخنقه الحاجة على خارطة المسرح التي تآكلت هي الأخرى من جراء شيخوخة المسرحيين المبكرة، وتساقطهم أمام مغريات التلفزيون، وهم في كل ذلك يدركون الحضور النوعي لتجربة السعداوي ضمن أفق العمل المسرحي العربي''.

إلى ذلك، نشرت الصحيفة في عددها المذكور بتاريخ 7 أغسطس/ آب2008 ملفاً حول المسرح البحريني تتضمن مقدمة ضافية كتبها ميرزا الخويلدي حول تاريخ هذا المسرح وأسئلته، ومما ورد فيها ''ويرى مسرحيون بحرينيون، أن تجربتهم بحاجة إلى تجديد شبابها، وإعادة إنتاج طاقاتها الإبداعية، خاصة فيما يتعلق بالخامات الفنية التي تحفل بها، وبالتراث الثقافي التي تتكئ عليه، وبالصناعة المسرحية التي توطنت فيها''.

وحمل الملف أيضاً مقابلة مطولة مع نائب رئيس اتحاد المسرحيين الفنان إبراهيم بحر أجراها معد الملف، وفيها تم التطرق إلى موضوعات شتى مثل وضع المسرح البحريني الآن، وأعمال الاتحاد، والنقد المسرحي وسوى ذلك. وكانت من إجابات بحر في تقييمه للراهن المسرحي قوله ''إن التوجه للأعمال التجريبية أثر تأثيراً مباشراً في ابتعاد الجمهور المسرحي، لأن المتفرج يبحث عن المتعة البصرية''.

وذكر في سياق الإجابة على سؤال يتعلق بالوعي المسرحي ''هناك فجوة كبيرة بين الفنان المسرحي والجمهور، والمسؤول عنها هو الفنان نفسه. وهذه الفجوة بدأت في الظهور مع بداية المهرجانات المسرحية التجريبية، حيث إن الفنان يعمل لكي يشارك في تلك المهرجانات''.

وفي شأن المنهجية في المسرح على مستويي المستجدات الفكرية والتقنية، قال إبراهيم بحر ''ليست هناك منهجية واضحة لدى أغلب المشتغلين في المسرح البحريني، فهم غالباً مقلدون تقليداً عشوائياً لبعض رموز المسرح البحريني، خصوصاً التجريبين، وهذا ما يشكل كارثة مسرحية يجب الالتفات لها لأنها بالفعل قداستفحلت''.

(0) تعليقات

:: ما يشعله السعداوي.. وما يطفئه التفريغ

 
السادة في (الشرق الأوسط): ما يشعله السعداوي.. وما يطفئه التفريغ

شيخ المسرحيين الخليجيين يتوكأ على عكاز الزمن


بقلم: أثير السادة*

 يحتل المخرج المسرحي البحريني عبد الله السعداوي موقعاً بارزاً على خارطة الابداع المسرحي عربياً، باعتباره واحداً من ابرز المشتغلين على تطوير الخطاب المسرحي في المنطقة، عبر أعماله الكثيرة التي حازت تقديراً واهتماماً داخل البحرين وخارجها، كما نالت نصيباً من الجوائز في المهرجانات والملتقيات المسرحية.

وكان المثقفون البحرينيون قد قادوا في السنوات الأخيرة حملة يطالبون فيها بـ(تفريغ) السعداوي ابداعياً، قدمت فيها عرائض وطلبات، ونشرت لأجلها مقالات وملفات صحافية، غير أن شيئا من ذلك لم يحصل، رغم تعاقب عدد من وزراء الاعلام في البحرين خلال هذه المدة.

والذين سطروا مقالاتهم في الدفاع عن حق عبد الله السعداوي في التفرغ رسمياً للإبداع، كانوا ينتظرون قراراً يحفظ لقلب هذا الرجل بعض احلامه التي فاضت بها تجاربه المسرحية الخارجة عن خطوط المسرح المستقيمة، بحثا عن سعة التعرجات التي تعرفها مديات التجريب. فكان أن عانقت خيوط الضوء مرات ومرات وهي تنتهك الساكن والجامد في لغة المسرح وأدواته، لتصبح الممارسة بحد ذاتها فعل هدم وبناء وثيق الصلة بهذه المواجهة المستمرة بين ذاته كمخرج وبين سؤال المسرح الذي لا يستقر على رصيف!.

كل الذي أرادوه من كتاباتهم وعرائضهم أن يعبر هذا الرجل بأسئلته إلى جهة المسرح بكثير من الحرية، قبل أن يصير هذا الركض اليومي باتجاه لقمة العيش أفكاره وأحلامه رمادا، أن يتمدد كمبدع حر، لا تخنقه الحاجة على خارطة المسرح التي تآكلت هي الأخرى من جراء شيخوخة المسرحيين المبكرة، وتساقطهم أمام مغريات التلفزيون، وهم في كل ذلك يدركون الحضور النوعي لتجربة السعداوي ضمن أفق العمل المسرحي العربي.

محطات عدة مر بها السعداوي في مسيرته المسرحية، وفي مقدمتها الامارات التي تنحاز لها ذاكرته الممتلئة بالتحولات، وذلك منذ أن وصلها شاباً في نهاية السبعينات. التقى السعداوي هناك بالفنان العراقي الراحل ابراهيم جلال، واستمر في ملازمته طيلة مدة اقامته التي بلغت ست سنوات، ملازمة فتحت آفاق المسرح عند السعداوي على مدى اوسع فأنتجت معرفة جديدة ومغايرة للمسرح، اسست لكل ملامح المرحلة التي تبعت هذه التجربة كما أعانت في خروج السعداوي من تصوراته وصورته القديمة.

لم تكن «الكمامة» التي نال عنها جائزة افضل اخراج في مهرجان القاهرة التجربيي 1994 بداية الحكاية، فقد سبقتها عروض أخرى، غير أنها التي اخرجته من دائرة النسيان، ودفعت بمزيد من الضوء ناحية الصواري، المختبر المسرحي الجديد الذي جمع تلك الوجوه البحرينية الشابة ممن تفتحت عيونها على معطيات التجريب، وسعت إلى إيقاظ الرغبة في البحث عن الأشكال المغايرة للمسرح.. في هذا المفصل التاريخي تحديدا ارتفعت في المشهد المسرحي صارية المشغولين بصناعة الأسئلة وباتت الصواري مظلة لأولئك الساعين إلى خلخلة الصور المألوفة عن البناء المسرحي.

تُحدثنا ذاكرة المسرح في البحرين بكثير من الاحتفاء عن عروضه الأهم مع الصواري: سكوريال، الكمامة، والقربان، قبل أن نطالعه في تجاربه الأخيرة : الكارثة، ابني المتعصب ومتروشكا، عروض كانت تمضي بنا إلى طقوس السعداوي المفتوحة على شهية التجريب، في لعبة مسرحية لا يرتخي فيها جفن المشاهد وهو يحمل حيرته بين كفيه حين يبصر المسرح خارج صورته النمطية، وقريباً من حده الأدنى، فلا شيء عند السعداوي يعادل في تعقيداته سؤال المسرح الذي يدعي ذات حوار بأنه لا يعرف ما المسرح لذلك «يجرب ويخون المسرح» كسبيل لاعادة بعثه من جديد!. يقف السعداوي اليوم بما تبقى من شعره الابيض ولحيته الكثة على منصة أحلامه التي أزهرت باكرا لكنها لا تزال على حافة الارتواء، يستيقظ كل صباح دون أن يهتف باسم احد، وهو يقطع الطريق إلى التقاعد ليطوي سنوات العمل التي بدأت منذ الطفولة، فيما يصّعد الأصدقاء والمريدون من أصواتهم باتجاه طلب التفريغ الذي حين استطال وأصبح أشبه بالمحال أُفرغ من قيمته ومعناه، وأصبح ربما جزءا من سيرة الوجع التي يحياها مبدع بقامة قديس كالسعداوي، مبدع يملك الأفق غير أنه لا يملك حظاً يصافحه ليخرج من متاهة الإلحاح على التفريغ.

*ناقد مسرحي سعودي

 

(0) تعليقات

:: تغطية اليوم الإلكتروني لتدشين مدونة "فرغوا السعداوي"

 
مسرحي بحريني يطالب بتفريغ السعداوي على الانترنت

عباس الحايك – الدمام

بدأت قضية المطالبة بتفريغ المسرحي البحريني المعروف عبدالله السعداوي منذ مايزيد على 12 عاماً خاصة بعد فوزه بجائزة أفضل إخراج في مهرجان القاهرة للمسرحالتجريبي في العام 1994م عن مسرحيته (الكمامة)، هذه الجائزة العالمية التي لم يحظبها مسرحي خليجي قبله كانت الحافز للمطالبة بتفريغه لممارسة المسرح والإبداع في هذاالمجال.

في 22 من شهر يوليو الماضي دشن المسرحي والمدون البحريني حسين عبد عليمدونة على شبكة الانترنت تطالب بتفريغه، وكان اصدر بياناً عن المدونة جاء فيه « 4وزراء وأكثر، حملوا حقيبة الإعلام، جاؤوا محملين بالوعود ثم رحلوا، جاؤوا ثم رحلوا،والسعداوي هو السعداوي. ينهض في الصباح الباكر، يتدثر بشمس أغسطس التي تطارده في(جبايته) اليومية التي يتحصلها للأوقاف السنية من هذا التاجر ومن ذاك المتعب الذييضاعف جهد السعداوي كي يحظى بنار أخرى تجعله يتردد ألف مرة قبل أن يقصده في المرةالثانية، وفي كل الأحوال يأتي السعداوي إلى مقر مسرح الصواري منهكاً، يسرق قيلولةلراحة جسده يعاود بعدها الانصراف إلى كتبه وزهده الخاص دون أن يسأل ما الذي حدثبشأن تفريغه»، ويضيف عبد علي في بيانه « ثلاثة وكلاء مساعدين وأربعة مدراء ثقافةوأكثر، وقامة السعداوي لا تحتاج لشهادة أحد، ولا إلى كل هذا الوقت لإثبات أحقيته فيأن ينال ما نريد نحن له. عشرات الحفلات التكريمية، عشرات اللقاءات الصحفية، والعديدمن الجوائز.. وأكثر، جاءت تبين أهمية دوره المسرحي الفاعل والخلاق على الصعيدالمحلي والعربي والدولي وأهمية تفريغه، في حين أن المسئولين أذن من طين وأذن منعجين!!. لا نفهم الرياضيات ولا نفقه لغة الأرقام.. لكن ما نفهمه جيداً أن كل ماسبق.. وأكثر.. لا يترك ثمة ذريعة ولا أية حجة لتأخير حصول الفنان عبدالله السعداويللتفريغ!!».

وتأتي هذه المدونة المعنونة بـ «فرغوا السعداوي» لتجديد مطالباتالعشرات من المثقفين والفنانين والصحافيين بتفريغ الفنان المسرحي عبدالله السعداويلبحثه ومسرحياته، ولتكون الصوت العالي الذي يمكن أن يسمعه مسئول ليحظى بالتفريغالذي يطالب به المسرحيون، خاصة انه اقترب من سن التقاعد. والمدونة تزخر بمقالاتلمثقفين بحرينيين تطالب بتفريغ السعداوي منهم، حمد الشهابي، كلثوم امين، إبراهيمخلفان، سوسن دهنيم، علي نجيب وأمين صالح. وتأتي هذه المدونة متزامنة مع مجموعةدشنها عبد علي نفسه على موقع الفيس بوك حملت ذات الاسم وسعت لذات الغرض.

لمتابعة التغطية من اليوم الإلكتروني اضغط هنا

(0) تعليقات

:: السعداوي في منسك العشق

 

بقلم: عباس الحايك- السعودية*

 

إذا كان ثمة من يستحق التفريغ فلا أجد-شخصياً- أحق من عبد الله السعداوي في الترجل عن صهوة الوظيفة، وليس لأنه "ينهض في الصباح الباكر،  يتدثر بشمس أغسطس التي تطارده في (جبايته) اليومية التي يتحصلها للأوقاف السنية من هذا التاجر ومن ذاك المتعب الذي يضاعف جهد السعداوي كي يحظى بنار أخرى تجعله يتردد ألف مرة قبل أن يقصده في المرة الثانية" كما يقول حسين عبد علي، بل لأن هذا الناسك المعجون طينه بماء المسرح لم يأتي إلى هذا العالم إلا ليكون مسرحياً. ولأن النسّاك مهنتهم العبادة، فلا بد أن يمتهن هذا الناسك المسرح، هو الذي يؤسس لطقوس الحب في محراب عشقه في زمن بات هذا المسرح، وعلى الخصوص في منطقة الخليج، كائناً منبوذاً ومشوهاً، أو جسداً ذاوٍ وهو من ينفخ فيه الروح.

 

أنا لا أبالغ في أمر هذا الرجل، أنا أراه هكذا، لأني عرفته هكذا، وهكذا ارتسمت صورته الأولى في ذاكرة يافعٍ اكتشف المسرح وصار يلاحق أخباره المتناثرة هنا وهناك، وأكتشف أن ثمة رجل لازال وفياً للمسرح ولم يتعامل معه قط بمنطق الأرقام، وفياً للمسرح لدرجة أنه يقضي جل وقته المتبقي بعد ساعات الوظيفة في مقر مسرح (الصواري) مقيماً وليس عابراً، وفياً لدرجة أنه يحارب ويفني عمره لينتشل المسرح الحقيقي من مدار السوق ليبقى فناً اصيلاً بكراً يعلي من قيمة الجمال. عرفته أكثر وعن قرب منذ لقائنا الأول الذي لازال عالقاً في ذاكرتي،  وزادت معرفتي  به حين أسر لي برغبته الاشتغال على أحد نصوصي، كانت لحظة نشوى تلك التي أصابتني، لأني سأشاركه تنسكه، سأكتب له تراتيله التي يرددها، بدأت العمل على النص، لأنه لم يرغب في تحييدي، أنا صاحب النص والإعداد، عملنا لأشهر على التغييرات والتعديلات واللقاءات السريعة التي قربت صورته أكثر، تعرفت عليه وعلى أفكاره وعلى نظرته لهذا العالم، لذا كونت صورتي عنه، إنه ناسك من طراز فريد، إنه مسرحي لا مثيل له. لم ينفذ النص لكني ربحت معرفة جديدة.

 

السعداوي يستحق التفريغ، ربما كررت هذه العبارة حد الاستهلاك، وحد الخجل منه، نعم نحن نخجل منه، لأن هذا الرجل الذي قارب على سن التقاعد ما عادت تهمه الجمل المكرورة والعبارات والشعارات التي يرفعها مثقفو ومسرحيو البحرين والخليج، " فرغوا السعداوي" شعار يهمنا أكثر مما يهمه هو، فهمه أن يتناسى في حضرة المسرح قيد الوظيفة ويتناسى ساعاتها، لأنه لم ينشغل يوماً بأمره أو بمتابعة إلى أين وصلت قضيته، همه الأول مسرحه وكتبه وقلمه، وليت المسئولين عن الثقافة في البحرين يصابون بعدوى الخجل منه، 4 وزراء إعلام وأكثر، ولم يصابوا بعدوى الخجل، وثلاثة وكلاء مساعدين، ولم يصابوا بعدوى الخجل،  وأربعة مدراء ثقافة وأكثر، ولم يصابوا بعدوى الخجل، إذا لم يخجلوا من صاحب الجائزة المسرحية العالمية الأولى للمسرح الخليجي، وصاحب "الكمامة"، "وإسكوريال"، و" الكارثة"" و"القربان" التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ المسرح في منطقة الخليج، فممن سيخجلون؟!، نحن أنهكنا الخجل منه، وهم يدفنون رؤوسهم في الرمال متنصلين من قضية تفريغه وتخليصه من عبء الوظيفة ليبدع.

 

السعداوي يستحق التفريغ لأنه تحول إلى أيقونة للمسرح البحريني والخليجي الحديث، شئنا أم أبينا، فعلاقته بالمسرح ليست علاقة نفعية من طرف واحد، هو يحتاج للمسرح ليعيش ويحتاجه المسرح ليبقى في بيئة تحولت إلى تربة نبذ لهذا الفن، هو وتلامذته وحواريوه رهاننا على بقاء المسرح في زمن الاستهلاكية. هذا الأيقونة لا يجب أن يستهلك في روتين الوظيفة وبيروقراطيتها، وفي اللهاث اليومي انتظارا لراتب آخر الشهر، إنه يستحق منا ومنكم أيها المسئولون أن نكرمه لأجلنا ولأجل مسرحنا الخليجي وأن يتفرغ، ليكتب، ويقرأ، ويخرج، ويبدع.  

أرجوكم "فرغــــــــــــــــــــوا السعداوي"!!

 

* كاتب مسرحي

 

(1) تعليقات

:: معكم يا حسين عبدعلي

 

بقلم: حسام أبو أصبع

تفاعلاً مع ما قام ويقوم به الصديق حسين عبدعلي أكتبهذه المرة. حسين في اتصال معه الأسبوع الماضي، قال عن المدونة التي دشنها حديثاً''فرغوا السعداوي.. أما آن لهذا الرجل أن يستريح'' وكذلك صفحة في الفيس بوك حولالموضوع نفسه، إنها بهدف توثيق أعمال الرجل. والمطالبة بتفريغه. ومهما يكن، قالمضيفاً ''تم تفريغه أو لم يتم فأنا ماض في توثيق آثار الرجل وكتاباته وما كتب عنهوعن أعماله''.

هذه الحماسة والجهد الصادق تأتي من شاب لازم السعداوي فترة، وعملمعه أقل القليل من الأعمال، وهاهو عرفانا بالجميل - ربما - يخصص حيزاً من وقتهلعمله التوثيقي الكبير، وصف مرايا السعداوي إلى جوار بعضها في هذا الأفقالإلكتروني، لمن شاء الاطلاع على قدر وقيمة الرجل حتى من أولئك الذين اختلفوا فيتقييم عمله.

نأمل من المسؤولين في الإعلام أن يتفضلوا بزيارة المدونة مع أنها- كما أتوقع - ما تزال في بداياتها لجهة إدراج المواد، لأنه من الواضح أن كل إدارةتأتي تكون ذاكرتها قصيرة جداً، وتتناسى هذا السعداوي، وأنّا لهم أن ينسوه أويتناسوه، وهو من أجمع الجميع على أحقيته وأولويته بقضاء بعض الوقت مع مسرحه وكتبهونصوصه، إلى الدرجة التي جعلت السعداوي نفسه، لما رأى هذا التجاهل الغريب، يرفعالراية البيضاء، ويطلب من جميع محبيه الكف عن المطالبة بتفريغه في مادة منشورة له.
لكن حسين عرّف مدونته بهذه الجملة ''في انتظار (غودو).. في انتظار تفريغك''،ونأمل ألا يكون موضوع تفريغ السعداوي كانتظار غودو بيكيت الذي لن يأتي، ونأمل- مجدداً - من المسؤولين زيارة المدونة لشحذ ذاكرتهم من جديد.

(0) تعليقات

:: عيون فانغا العمياء/ زرقاء اليمامة

 

"عيون فانغا العمياء (زرقاء اليمامة)"، كتيب –غير مطبوع- موزع سلفاً، بين المهتمين فقط، للمسرحي البحريني الكبير عبدالله السعداوي، المهموم حتى النخاع، بالدور المزدوج الاجتماعي/ الجمالي للن وحسّه الفطري والإنساني العميق ضرورة إحقاق الحق والإنصاف لبني البشر قاطبة..

العنوان مستوحاة من مسرحية (السراب) لسعد لله ونوس، تنطلق أساساً من رمزية عودة "عبود الغاوي من المهجر إلى قريته على هيئة مخَلِّص، ممثلاً لرجال الأعمال الجدد للشروع لتنفيذ الخطط الاقتصادية الجديدة للغرب لتطبيقها على منطقتنا في سياق المشروعات الغربية التي نسمع عنها كثيراً! تركزت المقاربة على الآلة الجهنمية التي تطحن المواطن، المسمى (السوق) حيث يصبح كل شيء معرضا للبيع والشراع (سوق نخاسة معاصرة) ولا يستثنى شيء حتى الآدمي نفسه وأفكاره وعوالمه الروحية والمعنوية وجهوده الفنية والإبداعية، المرتكزة على هجمة 'العولمة' الملتبسة!

وهنا تنفرد مدونة (فرغوا السعداوي) بنشر الكتاب كاملا..

 

(عيون فانغا العمياء) ادعس هنا
(4) تعليقات

:: تغطية صحيفة "الوطن" لتدشين مدونة "فرغوا السعداوي"

عبدعلي: نأمل أن يسمعنا أحدهم!

محبو السعداوي يدشنون مدونة إلكترونية للطالبة بتفريغه

 

شيّد محبّو الفنان المسرحي الكبير عبدالله السعداوي أخيراً مدونة باسم ''مدونة وجروب فرّغوا السعداوي''، في مسعى منهم لتجديد مطالبات المثقفين والفنانين والصحافيين بتفريغ السعداوي لبحثه ومسرحياته. وفيما يلي تنشر ''الوطن'' ما كتبه المسرحي الزميل حسين عبدعلي في المدونة:

''12 عاماً وأكثر.. مرّت على التماس تفريغ عبدالله السعداوي.. لكن الحال هي الحال.. في البداية كان الأمر قريباً كلمح البصر أو هو أقرب من ذلك، لكن السعداوي قارب سن التقاعد والوعود أصبحت أوهاماً..

أربعة وزراء وأكثر.. حملوا حقيبة الإعلام.. جاؤوا محملين بالوعود ثم رحلوا.. جاؤوا ثم رحلوا.. والسعداوي هو السعداوي.. ينهض في الصباح الباكر،  يتدثر بشمس أغسطس التي تطارده في (جبايته) اليومية التي يحصل عليها من الأوقاف السنية ومن هذا التاجر ومن ذاك المتعب الذي يضاعف جهد السعداوي كي يحظى بنار أخرى تجعله يتردد ألف مرة قبل أن يقصده في المرة الثانية، وفي كل الأحوال يأتي السعداوي إلى مقر مسرح الصواري منهكاً، يسرق قيلولة لراحة جسده يعاود بعدها الانصراف إلى كتبه وزهده الخاص دون أن يسأل ما الذي حدث بشأن تفريغه..

ثلاثة وكلاء مساعدين وأربعة مديري ثقافة وأكثر.. وقامة السعداوي لا تحتاج شهادة أحد.. ولا كل هذا الوقت لإثبات أحقيته في أن ينال ما نريد نحن له..

عشرات الحفلات التكريمية، عشرات اللقاءات الصحفية، والكثير من الجوائز.. وأكثر.. جاءت تبين أهمية دوره المسرحي الفاعل والخلاّق على الصعيد المحلي والعربي والدولي وأهمية تفريغه.. بينما نجد المسئولين أذناً من طين وأذناً من عجين!!..
لا نفهم الرياضيات ولا نفقه لغة الأرقام.. لكن ما نفهمه جيداً أن كل ما سبق.. وأكثر.. لا يترك ثمة ذريعة ولا أية حجة لتأخير حصول الفنان عبدالله السعداوي على التفريغ!!..

وعليه... نزف لكم خبر تدشين مدونة إلكترونية جديدة تحت عنوان ''فرّغوا السعداوي'' نجدد فيها مطالبات العشرات من المثقفين والفنانين والصحافيين بتفريغ الفنان المسرحي عبدالله السعداوي لبحثه ومسرحياته.. وتأتي هذه المدونة الجديدة في سياق عدم تنويم وتعويم المطالبات بتفريغ السعداوي التي تم تجاهلها جميعاً في الفترات السابقة.. على أمل أن يسمعنا أحدهم، أو أن تكون ذكرى لمن له قلب..

وبالتالي.. نوّد أن نشعركم برغبتنا الجمة في أن تتشرف هذه المدونة بمقال من نتاج قلمكم يصب في قضية تفريغ الأستاذ الفنان عبدالله السعداوي، على أن يتم نشره في المدونة أو من خلال صحيفتكم الغرّاء، تاركين لكم حرية عدد الكلمات، ومقدرين حسن تعاونكم سلفاً وكثرة انشغالاتكم..''

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية