بقلم: حبيب حيدر ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك. ومرة أخرى نرى بطلنا عبدعلي عائدا لطبيبه محمد مبارك في دوره الثاني وقد راح هذا الطبيب يناقش عبدعلي حول تحولاته النفسية والفكرية، ويحلل ما طرأ على شخصيته من تعولم، في صيغة وصفية لا تخلو من نبرة عاتبة لتخليّه عن حماسته لفلسطين وثوريته ضد المحتلين وأمريكا، وحتى صغار المفسدين في وطنه، ومرة نراه باحثاً بين الجمهور عن أمه متخذا إحداهن أما له كاسرا حاجز التمثيل بينه وبين جمهوره فيشرع في محادثة هذه الأم المدعاة في شأن أبيه الذي لا يكف عن ضربها وتعذيبها، طالباً منها مغادرة المنزل معه وترك الأب يواجه مصيره لوحده، ومرة نراه باحثاً بين الجمهور عن عاشق الأم الذي كاد بطلنا أن ينال منه لولا التّحوّل الذي حدث لشخصيته فيعفو عنه انتصارا لمبدأ الحب في الخاتمة ولما أصبحت عليه شخصيته من تسامح وسعة أفق وتفهّم للآخر إلى حد الصفح الكريم، مرددا عبارة خلاصية كتنوير للمشهد »الإنسان انخلق علشان ايحب« وفي كل المواقف السابقة نرى البطل يقف محاورا أو ساردا بتقنيات مسرحية بالغة التأثير لمأساة هذه الأسرة مع الأب وما تعانيه من ضرب وقسوة تنصب على أمه وعلى أخته وعليه. التداخل شكل للحكاية واللعبة: تساءلت وأنا أشاهد المسرحية ما معنى المتروشكا ولماذا اختارها السعداوي عنوانا لمسرحيته وفي غمرة البحث عثرت على وصلة مقتبسة من برامج الجزيرة تعّرف بالمتروشكا وقصّتها، فلقد عرضت قناة الجزيرة مرة تقريرا عن اللعبة الروسية المتروشكا، وبعد هذا التقرير صرت أدعي أن ثمة خيطاً رفيعاً يتسع ليتصل مع متروشكا السعداوي التي نسجها من ثلاث حكايات مختلفة ومتشابكة في الآن نفسه، ولعل هذا الخيط هو نفسه الخيط الذي حبك به السعداوي بين شخوصه و»حدوثتهم« المسرحية، ففي التقرير أن أصل هذه اللعبة المتروشكا هي حكاية حب بين شاب وفتاة ريفية، رغب هذا الشاب أن يعبّر عن حبه لفتاته فصنع لها هذه الدمية ولأخوتها السبعة دمى أصغر فأصغر تتداخل في بعضها البعض، وكذلك هي حكايات السعداوي الثلاث التي دَاخل بينها وأعاد ترتيبها بشكل مشتت مفكّك فأنت مرة تشاهد حكاية أب مع ابنه في حالة صراع ومناكفة، ثم تشاهد حكاية مريض مع طبيبه يتحاوران حل العولمة والسلام وأمريكا وإسرائيل.. ثم تشاهد حكاية شاب يبحث عن أمه، ومرة عن عاشق مدعيا أن أحد الجمهور هو العاشق أو هي الأم، حتى أنك لتحس أن لا واصل بين هذه المشاهد سوى أن حكاية المريض مع الطبيب على - طريقة التحليل النفسي- في داخلها حكاية أب مع ابنه، وهذه الحكاية في داخلها كخلفية على طريقة »الباك رواندس حكاية الأم« المعشوقة والعاشق كما يرويها البطل، وفيها حكايات أصغر فأصغر، في داخلها حكاية شروع بانتقام، في داخلها حكاية عذاب، في داخلها في النهاية حكاية عفو وتسامح ومحبة، ولعل السعداوي اتخذ من شكل اللعبة المتروشكا المتداخلة في بعضها البعض تقنية وشكلا لتداخل حكاياته في هذه المسرحية. في رثاء الإنسان الحديث: وهكذا يذهب الطبيب في توصيف حالة بطلنا وتأويل مسألة موته بقوله إنك بتموت غير إنك ميت، إنت اتشكلت واتجانست، صرت تقرأ الأكاذيب الجديدة من غير ما تحرّك عندك أي شيء، من غير ما اتفكر في أي شيء صرت اتصدق العولمة وتعتقد إنك وجدت أمنك واستقرارك، ويخلص الدكتور إلى تأكيد حالة الموت بقوله إنت جثة. - ما كنت أعرف إنك تتحدث بالمجاز والاستعارة - كلنه بنموت لكن الأسوأ عندما نستسلم .... وذاكرتك اتصير ورقة بيضة. وهنا يكون البطل ملقى على الطاولة وجسمه مغطى بقماشة بيضاء بما يؤكد هذه الحالة التي أرادها الحوار وهذه الصورة التي أدارها السعداوي من خلال ممثليه مرشحا الاستعارة ومؤكدا على البياض الناصع مرة بصريا من خلال الصورة وللون المشاهد في القماشة البيضاء، ومرة سمعيا من خلال الصوت في جملة الحوار في العبارة الوصفية ذاكرة بيضاء يكتبون فيها ما يريدون. وفي نبرة رجاء يبادر حسين طبيبه: - بس أنا أحس روحي أحسن الحين. فيؤكد الدكتور رثاءه مستغلا حالة الضعف والتهاوي الذي ظهر في نبرة الرجاء: إنت مسكين كنت صوتا والحين صرت صدى صوت، كنت فعلا والحين صرت ردة فعل. ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك. مَشاهد: ( ١ ) وها هو يقف متصفّحاً الجريدة متسائلاً - قرأت الخبر؟ فيسرد حكاية ما، واختياره يعكس شخصيته، ها هو يختار ضحاياه من بين المتفرجين، يهذي كمن يحكي حكاية، ويصرخ بأحدهم محادثا أبوي .. أبوي...أبوي ـ مرة اثنتين ثلاثاً حتى أجهر صوت وأجهش نبرة في حلقه ـ ويكمل: لا يرجع إلى البيت حتى يكون قد فقد وعيه.. كلامه كله ...صراخ في صراخ في صراخ مركزاً على التصويت في الصاد والاحتكاك في الخاء في نبرة متهالكة حد الإعياء والتعب دامجا العبارة في صوت واحد حتى ينقطع نفسه: صراخ في صراخ في صراخ وهكذا هو كلما أراد أن يؤكد عمق السرد في قيامه بدور الراوي. ثم ها هو الدكتور يرتدي الياقة البيضاء وحسين يعوده في حديث أشبه بحوار الصديق لصديقه، مرة مستلقيا للكشف الطبي، ومرة محملقا في الدكتور وجها لوجه. حسين: ما أذكر يوما كنت ابصحة أكثر من اليوم.. الدكتور: وين جنونك هوسك. - كذبة كبرى ماسكة بخناق الناس. - الانتفاضة... - خارطة الطريق، مركز التجارة الدولي، البنتاكون.. - الدولة السلام ... - المظاهرات ضد أمريكا ومع الشعوب... - استوعب الواقع والعالم. - جيفارا. - الوزير. - أساس الفساد من كبار الموظفين. ويختم هذا الحوار - بعبارة كنت غبي. - المليشيات التي أفكر فيها كانت الحماقة كنت مهبول. - مهبول جميل ورائع. بحسبنا أن نرصد هنا تداعي الأفكار في الحوار كمن يقدّم لنا شخصية الشاب حسين، هذا المتعولم، وأهم التحولات الفكرية التي طرأت عليه بعد تلاشي ألقه وذهاب حماسته كما يرى الدكتور، فهذا الحوار تتداعى فيه الأفكار مشكلة الخارطة الذهنية الجديدة لبطلنا بعد إعادة إنتاج شخصية الشاب وقد تعولم وتغيّرت مفاهيمه للحياة، وقد أصبح أكثر تفهما لما حوله، ومن حوله. ( ٢ ) ثمة إحساس بأن هذا المكان غرفة حسين حيث علاقة الملابس تتخذ جانبا، بينما حسين يضم ملابسه في الحقيبة كيفما شاء ويهم بالخروج والأب ينظر إليه من الأعلى في حوار: تتداعى في العبارات التالية: - صراع الطبقات.. - اطلع منها أنت بعدك في البيضة. - تتصارع مع..من؟ »أبوك«! - اتردد فضائل النظام .. - لأنك مواطن حر .. ومرتاح. - لأنك مستشار. - الطبقة الارستقراطية - اللي إذا قال كلمة على الكل ايردد كلامه. - تعارضونه أو نعفو عنكم - تعارضونه أو نعفو عنكم نعفو عنكم لأنه تنقصكم المعرفة في هذا الحوار ثمة ما يمازج بين سلطة الأب وسلطة النظام بما يشي بالمعارضة حيث إن السلطة في أهم صيغها العربية ترجع إلى استعارة واحدة هي السلطة الأبوية فالأب حاكم والحاكم أب، وهكذا يتم استخدام السياق الأبوي للتعبير عن التسلّط السياسي، فثمة نقد للتسلط السياسي من خلال هذه الاستعارة، وثمة نقد للتسلط الأسري والأبوي من خلال الحكاية نفسها، وثمة نقد للتسلط الديني إشارة حسين لجده رجل الدين وصراع أبيه معه، وثمة نقد للتسلط الأيدلوجي من خلال الإشارة للأب وخلفيته الأيدلوجية وانقلابه على الشيوعيين بعد ارتقائه في المنصب الوظيفي، وثمة نقد للتسلط الفكري من خلال الإشارة لفكرة العولمة ومقاومتها وتقولب شخصية البطل بها. ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك. في المسرحية الكثير مما يقال ولكني أميل الآن لأن أنهي المقالة بهذا التبريق السريع، فقد طال المقام بين الكتابة والعرض ومن أهم بقي في الذاكرة تلك الأصوات التي يقف فيها حسين مجهدا وكأنه يأكل في ذاته باذلا أقصى ما في جسده وطاقته من صوت مرة مقلدا صوت المطر وهو يتساقط على ذلك البيت الفقير متأرقا به مؤرقا سامعيه فإذا كان المطر خصبا وفرحا للبعض فإنه للفقير فضيحة ومأساة ويكاد صوت كل قطرة يصب وقعه كمصيبة في صدر الفقير تماما كما تمثّلها حسين بصوته، أما الصوت الآخر الذي يجعلك تقف بين الإعجاب بهذا الممثل وبين التماهي مع هذا السرد المصوت فهو تمثيله صوت البعوض واليد التي تلاحقه في الهواء وصوت الضرب المبرح وصوت التهاوي والسقوط النفسي الذي يصدمك كثيرا ويحملك على التعاطف معه حد الإعجاب. ولعل الأمر الآخر الذي به تكون المسرحية إضافة على مستوى التجريب هو حجم الجرأة التي اقترفها السعداوي في كسر الحاجز التمثيلي بين الممثل وجمهوره، ففي حالة بحث البطل بين الجمهور عن ممثلين يشاركونه في المسرحية لم يعد الجمهور مجرد مشاهد ليس له أي دخل في الحكاية، كمن يتلصص ويهرب بعيدا بل أصبح الجمهور متورطا في المشهد، إلى الحد الذي جعل بطلنا يختص أحدهم بالحكاية ويقف أمامه محملقا في عينيه ملقيا بأسئلته في شكل صرخات لا مفر منها، وليس أمام المشاهد في تلك اللحظة الحرجة سوى أن يلوذ أن بالصمت فلا يدري أيجيب على أسئلة الممثل أم يتجاهلها أيسكت أم يتحدث أم ماذا يفعل، فما هذه الورطة غير المحسوبة، فهو قد حضر مشاهدا وليس ممثلا، ولعل من الطريف الإشارة إلى ردود الفعل التي حدثت جرّاء ذلك المستوى من كسر حاجز الإيهام وتبديد البعد الرابع فقد هم أحدهم بالضحك والهروب كردة فعل، أما الآخر فقد اغرورقت عيونه بالدموع من شدة التّأثر وكاد أن يشارك البطل في مناحته، أما أطرف ردة فعل فتك المشاهدة التي ادعى حسين أنها أمه وطلب منها مغادرة المنزل معه، وترك الأب القاسي يواجه مصيره مكررا جملة يترجاها فيها »أقول لك قومي، أقول لك قومي« فقد تراوحت ردة فعلها بين التّأثر الشديد حد البكاء وبين تصفح الوجوه باحثة عن السعداوي المخرج متسائلة هل أقوم معه؟ هل أبقى مكاني كمشاهدة أم أستجيب لندائه، وكأنها تقول ما الذي عليّ فعله يا ترى، هل أكون أماً أم أبقى مشاهدة صماء، ماذا أفعل ياربي؟ وهنا لم يتملك الجمهور نفسه من التصفيق لتلقائيتها في المواجهة واللواذ بالجمهور أو المخرج وكم حصد الممثل من الإعجاب بقدرته على انتزاع شهادة بخلق ممثلين آخرين تصنعهم تلقائية اللحظة وطزاجة الحركة مملثين يشاركونه صناعة المسرح.
ولعل الخيط الآخر هو خيط التعولم المحموم فهذه اللعبة الروسية المترشكا كما يروي التقرير قد أتت عليها موضة التعولم فراحت المخيلة تصنع منها دمية كبيرة في شكل بوش في داخلها دمية أصغر على هيئة بوتين، في داخلها دمية أصغر على هيئة بلير، وهكذا حتى أصغر رئيس خاضع لفيروس العولمة، وكذلك هو بطل السعداوي ذو الحكايات المتداخلة عبر المشاهد التي عرضها السعداوي متنقلا من حكاية إلى أخرى، ففي مشهد الطبيب مع المريض يقف الطبيب محللا داء بطلنا المشدوه بأنه مصاب بداء التعولم، فقد نسي ماضيه، نسي قضاياه تبعثر قلقه، وتلاشت حماسته، وتاه في حضارة غيره، بَهَرَته الصورة، أخذته الشعارات الحديثة، وإن كان ثمة من فرق بين تعولم الدمية وتعولم بطلنا »حسين عبدعلي« ففرق في الجوهر فتك الدُمية حينما تعولمت أخذت طابعا نقدياً، أما صاحبنا فقد تاه وذاب في الآخر القادم وضيّع البوصلة وهنا يأتي السعداوي ليحمل عبر شخصية الطبيب شحنة نقدية جهورة شفافة ليوصّف أدواء هذه الحالة الشرقية من هجران الذات والتوهان والارتهان للآخر في صيغة مجازية على رغم حماسة الطبيب وشدة نقده »أنا لم أقل أنك بتموت، أنا قلت أنك ميت فعلا، ميت - فيرد عليه بطلنا - أنا ما دريت إنك تتحدث بالمجاز يا دكتور« لعل حكاية هذا البطل بكل بساطة أنه استجاب لفيروس التّعولم ولفيروس السوق الذي بكل بساطة يتم فيه إعادة تصنيع الإنسان وجعله صفحة بيضاء تماما متقبلة كل ما يكتب فيها، والذي بكل بساطة أيضا يتم تفريغه وإعادة برمجته ثم شحنه من جديد بما يقدمه نسخة جديدة مستجيبة لمتطلبات السوق الاستهلاكية.
ها هو الشاب ينظم ملابسه بينما الممثل الثاني يستقر على الطاولة وقد تحلّق الجمهور حولهما في دائرة مفتوحة والعزف يتردد ترن ترن تررن أعمق أعمق ثم يعود خالقا نوعاً من القلق من السطح إلى العمق، ومن العمق إلى السطح، وفجاة يتسارع الإيقاع تماما كما هو وقع المشهد بين الأب وابنه، ولقد استطاع النقر على أوتار العود وشيء من دندنة العازف فيصل الكوهجي التأكيد على الإيقاع في كل مشهد بحسب الحالة النفسية التي تتصاعد مرة وتتراخى مرة أخرى لتسمح للمشهد بالراحة بعد الشد الذي يصنعه حسين عبدعلي وهو يحاور أو وهو يروي كمن يأكل في نفسه.
يحتد الصراع أكثر:
- لما أعطيك الفرصة حق تصرخ ساعتها قول جب.
واقفا على الطاولة مرددا عبارة:
الاربعاء, 27 اغسطس, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








