فرغوا السعداوي
أما آن لهذا الرجل أن يستريح

:: "ريح العتمة" جديد السعداوي وجناحي

 

يبدأ خلال هذا الشهر المخرج محمد جناحى تصوير فيلم قصير جديد بعنوان »ريح العتمة« قصة وسيناريو وحوار الفنان الكبير عبدالله السعداوي ومن إنتاج الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي ويناقش الفيلم مشكلة التطور العمرانى الذى بدأ بالزحف على الأبنية التراثية الأمر الذى سيفقد البلد هويتها.

وصرحت نيكول مقصود مديرة الإنتاج في الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي  عن تقديم جائزة بعنوان »تطويرالمشروع« ستطرح فى سوق الإنتاج المشترك الذى أطلقه مهرجان دبي السينمائي العام الفائت ، ويرتكز على تبادل الثقافات عن طريق إشراك سينمائيين خليجيين وعرب وأجانب ليعملوا سوياً على تنفيذ 15 مشروعاً يتم أنتقاؤها من قبل »دبي فيلم كونكشن«، طلقه مهرجان دبى السينمائى تحت مسمى وهي عبارة عن 10000 دولار ستقدم للفائز بأفضل مشروع سينمائي وذلك لمساعدة الرابح على تطوير السيناريوالخاص به، وهدف الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي من دعمه هو المساعدة في تسليط الضوء على السينمائين الخليجيين وتشجيع نمو المواهب فى الخليج.

(0) تعليقات

:: المطر يحمل السعداوي إلى القاهرة التجريبي

 

خاص- مدونة فرغوا السعداوي

يشارك الأستاذ عبدالله السعداوي في الدورة العشرين لمهرجان القاهرة التجريبي والذي تنطلق فعالياته الجمعة 10-20 اكتوبر 2008، وذلك مؤلفاً لمسرحية "فجأة لم يهطل المطر" والتي تصدى لإخراجها الفنان إبراهيم خلفان ومن تمثيل كل من محمد الصفار وحسن منصور.. المسرحية هي من إنتاج مسرح الصواري، وقد حصدت جائزة الإخراج والتمثيل في مسابقة العروض المسرحية التي يقيمها قطاع الثقافة والتراث بوزارة الإعلام..

الجدير بالذكر أن السعداوي قد نال جائزة أفضل إخراج في مهرجان القاهرة التجريبي 1994م وذلك عن مسرحية "الكمامة"، ولا يقاسمه عربي في نيل مثل هذه الجائزة سوى المسرحي العراقي جواد الأسدي..

 

(0) تعليقات

:: الخنجي يقرأ عيون فانغا السعداوي

 

إشكالية الاغتراب المعاصر

بقلم: عبدالحميد خنجي

تمحورت حياة الإنسان في الأزمنة الحديثة في محاولاته المضنية، غير المجدية، للخروج من حالة الاستلاب والاغتراب الاجتماعيين/الاقتصاديين الذي يعانيه من جراء سرعة وتسارع نمط الحياة العصرية وضغطه المستمر على كاهله من جهة، والتركيز الشديد للأسلوب الإنتاجي النفعيّ، الذي يحوم كالأفعى حول رقبته وهو يعيش بالضرورة، في مجتمع بشري تسود فيه المنظومة الاقتصادية/الاجتماعية الرأسمالية المعاصرة من جهة أخرى.

الأمر الذي بدا فيه وكأنه مصاب بحالة من الانفصام المرضيّ المزمن العصيّ على العلاج، لدرجة بات فيه أكثر تعاسة من السابق رغم منجزات العلم والترفيه المتوافرة، حيث أضحت السعادة المرجوة بعيدة المنال! بل أخذ يتوجس ويشعر أن متوسط عمره اقصر، مقارنة بالأزمنة الأقدم رغم الحقيقة العكسية. صار يحنّ إلى الماضي كحنين الكبير العاجز إلى طفولته الأولى! ومرد ذلك أن الفرد أصبح مرهوناً وسجيناً - أكثر من أي وقت مضى- لأمانيه وطموحاته الحياتية، الضرورية وغير الضرورية.

هذه كانت جوهر الهواجس والأفكار التي تجسّدت في مقارعات محتوى الكتيب - غير المطبوع - الموزع سلفاً، بين المهتمين فقط، للمسرحي البحريني الكبير عبدالله السعداوي، المهموم حتى النخاع، بالدور المزدوج الاجتماعي/ الجمالي للفن وحسّه الفطري والإنساني العميق بضرورة إحقاق الحق والإنصاف لبني البشر قاطبة. تجلّت الأمور تلك في المنتدى المفتوح الذي أقامته أسرة الأدباء والكتاب في البحرين حديثاً، لمناقشة الجزء الأول من الثلاثي الذي سيصدر في المستقبل القريب.

إسهامات عبدالله السعداوي هذه، المسمى 'عيون فانغا العمياء (زرقاء اليمامة)'، المستوحاة من مسرحية 'السراب' لسعدالله ونوس، تنطلق أساساً من رمزية عودة 'عبود الغاوي' (لاحظوا رمزية كلمة الغاوي) من المهجر إلى قريته على هيئة مخَلِّص، ممثلاً لرجال الأعمال الجدد للشروع لتنفيذ الخطط الاقتصادية الجديدة للغرب لتطبيقها على منطقتنا في سياق المشروعات الغربية التي نسمع عنها كثيراً! تركزت المقاربة على الآلة الجهنمية التي تطحن المواطن، المسمى 'السوق' حيث يصبح كل شيء معرضا للبيع والشراع (سوق نخاسة معاصرة) ولا يستثنى شيء حتى الآدمي نفسه وأفكاره وعوالمه الروحية والمعنوية وجهوده الفنية والإبداعية، المرتكزة على هجمة 'العولمة' الملتبسة!

معرجاَ في شرحه (السعداوي) على تشخيص الاقتصادي المصري محمود عبدالفضيل، من حيث مصاحبة ذلك لتسويق نمطٍ جديدٍ لثقافةٍ استهلاكيةٍ سماها عبدالفضيل 'ثقافة الفساد'، التي تطبّل لها نخبٌ فنية وثقافية جديدة/قديمة، في خدمة أسيادها، الطبقة الرأسمالية الطفيلية المصرية الجديدة، كأنموذج بات يحتذى به في المنطقة العربية. على أن ما يهمنا في هذا الصدد مقاربة السعداوي نفسه، وتخوفه الشديد من نشر نمط الحياة الغربية الاستهلاكية الشّرهة وخصوصاً الأنموذج الأميركي ضمن هذه الهجمة على شتى مجالات حياتنا، بواسطة قاطرة 'الديمقراطية'!

تبحر السعداوي قليلا في المسألة من وجهة نظره وبدا كأنه يدعو لنظرية 'العودة إلى الطبيعة'، المجلوبة من فكر 'الشَّعْبويين' الرافضين - رفضاً عبثياً - للمدنية الحديثة! ومن الجدير في هذا السياق ملاحظة أن هذا اللون من الفكر يعاد إنتاجه على الدوام، منذ أن شهر 'سيرفانتس' سيفه لمحاربة طواحين الهواء في نهايات القرون الوسطى للوقوف بوجه المد الرأسمالي الجارف القادم من شمال قارة أوروبا إلى جنوبها. كما ترفع اليوم الرجعيات 'العروبوية' و'الاسلاموية' السائدة سيوفها الخشبية 'البتّارة' لمحاربة الحداثة الغربية و'الامبريالية'.

وبالطبع لا نستطيع في هذه العجالة الشروع في مقارعة نقدية شاملة للأفكار المهمة التي أوجزها 'السعداوي'، سواء فيما يتعلق بعدم تماسك منهجيته التحليليّ أو تحديده للعوامل الخمسة الضرورية لتواجد أية حضارة (الفن/الدين /العلم/المال/العمل). على أن ما يمكن الاستناد إليه كمنطلق مبدئي لحوارٍ منهجيٍّ ومتابعته من قبل بقية الأخوة المعنيّين هو ضرورة اتفاقنا على أن جوهر المسالة المطروحة كان موضوع 'الاغتراب'، الذي غاب عن الأذهان في حينه تماما.

على أن محاولة شرح إشكالية مصطلح'الاغتراب' وتطوره عبر القرون تتطلب مجالٍ ووقتٍ آخرين بجانب أن إيجازه سيفقده الكثير من معانيه الجوهرية. ولكن لابد من إلقاء ضوءٍ خافتٍ وسريعٍ على ما استقرت عليها موضوعة 'الاغتراب' الإشكاليّ في الوقت الحاضر ابتداءً من فكرة الاغتراب القديمة (الوجود الفردي) وتجلياتها في العصر الحديث (الوجودية والنفسية) وانتهاء بما وصل إليه فلاسفة القرن العشرين والقرن الجاري.

لعل أهمهم اليوم، على الإطلاق، الفيلسوف المَجَري المعاصر إستيفان ميجاروس (تلميذ جورج لوكاش) الذي كرّس أكثر من مؤلَّف لنظرية 'ماركس' في الاغتراب، المستندة على قمة الفكر الفلسفي الكلاسيكي الألماني وقطبيه البارزين 'هيغل' و'فيورباخ'.
لعل أكثر المعاني وأقربها إلى الإقناع لمسألة 'الاغتراب' هو ما جاء على يد 'هيغل'، الذي عزاه إلى الفرق والصراع بين الفرد (الذات) والآخرين (المجتمع)، واضعاً الظاهرةَ هذه في إطاره التاريخي الصحيح، الأمر الذي وافقه 'ماركس' ضمن التحليل الهيغلي الجدلي للمسالة. لكنه نقضه، انطلاقا من مادية 'فيورباخ' (المادي الميتافيزيقي) على عكس هيغل (المثالي الموضوعي) من منطلق تأويله وتركيزه على عامل 'الوعي' الإنساني الحاسم للمسألة وذلك لسببين أساسين (حسب ماركس).

أولهما أن هذا التحليل ينطلق من الذات الإنسانية وكأن الاغتراب ذاتي المنشأ، بينما هو في الواقع نتيجة للعامل المادي الموضوعي للوجود. وثانيا أن هيغل يعتبر الفرد (الذات) مسؤولا عن تحرر نفسه من الاغتراب متكئاً على الإرادة الفردية. بينما ماركس يرى أن الحل موجود في العلاقات الإنتاجية للخيرات المادية، حيث أن العملية تأخذ لها مجرى تاريخياً طويلاً في خضم النضال بُغية التخلص من منظومة قهرية مسؤولة عن الاغتراب واستبداله بمنظومة إنتاجية أخرى ستكون طاردة للاغتراب.

هذا التفسير الجدلي لموضوعنا الشائك 'الاغتراب' خضع لتطورات شتى على يد مختلف المدارس الحديثة، العلمية منها وشبه العلمية، متخذا أحيانا منحى فوضوياً وعدمياً على الصعيد الفلسفي، نذكر منها: اتجاهي الوجودية والتفكيكية وغيرهما. إلا أن الألمعيّ المَججَري المشار إليه، إستبفان ميجيروس استطاع تلمّس الدرب الشاق لبحث المسالة بروح الباحث النزيه، مكرساً جُلّ وقته الأكاديمي والحياتي لتوضيح هذه المسالة الإشكالية الملتبسة عند خيرة المفكرين، في أكثر من مؤلَّف لعل أهمها 'مسالة الاغتراب عند ماركس'.

ومن المفيد ذكر معلومة مهمة للباحث المهتم للأمر، هو قرب إصدار كتاب 'ميجيروس' الجديد في الشهر المقبل الموسوم بـ 'التحدي التاريخي لزماننا وعبئه المثقل' (الترجمة من عندنا)، بالتعاون مع المفكر البريطاني المعاصر 'جون بيلامي فوستر'.

(0) تعليقات

:: متروشكا السعداوي.. وتفكيك الإنسان المعولم

 

بقلم: حبيب حيدر

ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك.

ومرة أخرى نرى بطلنا عبدعلي عائدا لطبيبه محمد مبارك في دوره الثاني وقد راح هذا الطبيب يناقش عبدعلي حول تحولاته النفسية والفكرية، ويحلل ما طرأ على شخصيته من تعولم،  في صيغة وصفية لا تخلو من نبرة عاتبة لتخليّه عن حماسته لفلسطين وثوريته ضد المحتلين وأمريكا، وحتى صغار المفسدين في وطنه، ومرة نراه باحثاً بين الجمهور عن أمه متخذا إحداهن أما له كاسرا حاجز التمثيل بينه وبين جمهوره فيشرع في محادثة هذه الأم المدعاة في شأن أبيه الذي لا يكف عن ضربها وتعذيبها، طالباً منها مغادرة المنزل معه وترك الأب يواجه مصيره لوحده، ومرة نراه باحثاً بين الجمهور عن عاشق الأم الذي كاد بطلنا أن ينال منه لولا التّحوّل الذي حدث لشخصيته فيعفو عنه انتصارا لمبدأ الحب في الخاتمة ولما أصبحت عليه شخصيته من تسامح وسعة أفق وتفهّم للآخر إلى حد الصفح الكريم، مرددا عبارة خلاصية كتنوير للمشهد »الإنسان انخلق علشان ايحب« وفي كل المواقف السابقة نرى البطل يقف محاورا أو ساردا بتقنيات مسرحية بالغة التأثير لمأساة هذه الأسرة مع الأب وما تعانيه من ضرب وقسوة تنصب على أمه وعلى أخته وعليه.

التداخل شكل للحكاية واللعبة:

تساءلت وأنا أشاهد المسرحية ما معنى المتروشكا ولماذا اختارها السعداوي عنوانا لمسرحيته وفي غمرة البحث عثرت على وصلة مقتبسة من برامج الجزيرة تعّرف بالمتروشكا وقصّتها، فلقد عرضت قناة الجزيرة مرة تقريرا عن اللعبة الروسية المتروشكا، وبعد هذا التقرير صرت أدعي أن ثمة خيطاً رفيعاً يتسع ليتصل مع متروشكا السعداوي التي نسجها من ثلاث حكايات مختلفة ومتشابكة في الآن نفسه، ولعل هذا الخيط هو نفسه الخيط الذي حبك به السعداوي بين شخوصه و»حدوثتهم« المسرحية، ففي التقرير أن أصل هذه اللعبة المتروشكا هي حكاية حب بين شاب وفتاة ريفية، رغب هذا الشاب أن يعبّر عن حبه لفتاته فصنع لها هذه الدمية ولأخوتها السبعة دمى أصغر فأصغر تتداخل في بعضها البعض، وكذلك هي حكايات السعداوي الثلاث التي دَاخل بينها وأعاد ترتيبها بشكل مشتت مفكّك فأنت مرة تشاهد حكاية أب مع ابنه في حالة صراع ومناكفة، ثم تشاهد حكاية مريض مع طبيبه يتحاوران حل العولمة والسلام وأمريكا وإسرائيل.. ثم تشاهد حكاية شاب يبحث عن أمه، ومرة عن عاشق مدعيا أن أحد الجمهور هو العاشق أو هي الأم، حتى أنك لتحس أن لا واصل بين هذه المشاهد سوى أن حكاية المريض مع الطبيب على - طريقة التحليل النفسي- في داخلها حكاية أب مع ابنه، وهذه الحكاية في داخلها كخلفية على طريقة »الباك رواندس حكاية الأم« المعشوقة والعاشق كما يرويها البطل، وفيها حكايات أصغر فأصغر، في داخلها حكاية شروع بانتقام، في داخلها حكاية عذاب، في داخلها في النهاية حكاية عفو وتسامح ومحبة، ولعل السعداوي اتخذ من شكل اللعبة المتروشكا المتداخلة في بعضها البعض تقنية وشكلا لتداخل حكاياته في هذه المسرحية.
ولعل الخيط الآخر هو خيط التعولم المحموم فهذه اللعبة الروسية المترشكا كما يروي التقرير قد أتت عليها موضة التعولم فراحت المخيلة تصنع منها دمية كبيرة في شكل بوش في داخلها دمية أصغر على هيئة بوتين، في داخلها دمية أصغر على هيئة بلير، وهكذا حتى أصغر رئيس خاضع لفيروس العولمة، وكذلك هو بطل السعداوي ذو الحكايات المتداخلة عبر المشاهد التي عرضها السعداوي متنقلا من حكاية إلى أخرى، ففي مشهد الطبيب مع المريض يقف الطبيب محللا داء بطلنا المشدوه بأنه مصاب بداء التعولم، فقد نسي ماضيه، نسي قضاياه تبعثر قلقه، وتلاشت حماسته، وتاه في حضارة غيره، بَهَرَته الصورة، أخذته الشعارات الحديثة، وإن كان ثمة من فرق بين تعولم الدمية وتعولم بطلنا »حسين عبدعلي« ففرق في الجوهر فتك الدُمية حينما تعولمت أخذت طابعا نقدياً، أما صاحبنا فقد تاه وذاب في الآخر القادم وضيّع البوصلة وهنا يأتي السعداوي ليحمل عبر شخصية الطبيب شحنة نقدية جهورة شفافة ليوصّف أدواء هذه الحالة الشرقية من هجران الذات والتوهان والارتهان للآخر في صيغة مجازية على رغم حماسة الطبيب وشدة نقده »أنا لم أقل أنك بتموت، أنا قلت أنك ميت فعلا، ميت - فيرد عليه بطلنا - أنا ما دريت إنك تتحدث بالمجاز يا دكتور« لعل حكاية هذا البطل بكل بساطة أنه استجاب لفيروس التّعولم ولفيروس السوق الذي بكل بساطة يتم فيه إعادة تصنيع الإنسان وجعله صفحة بيضاء تماما متقبلة كل ما يكتب فيها، والذي بكل بساطة أيضا يتم تفريغه وإعادة برمجته ثم شحنه من جديد بما يقدمه نسخة جديدة مستجيبة لمتطلبات السوق الاستهلاكية.

في رثاء الإنسان الحديث:

وهكذا يذهب الطبيب في توصيف حالة بطلنا وتأويل مسألة موته بقوله إنك بتموت غير إنك ميت، إنت اتشكلت واتجانست، صرت تقرأ الأكاذيب الجديدة من غير ما تحرّك عندك أي شيء، من غير ما اتفكر في أي شيء صرت اتصدق العولمة وتعتقد إنك وجدت أمنك واستقرارك، ويخلص الدكتور إلى تأكيد حالة الموت بقوله إنت جثة.

-  ما كنت أعرف إنك تتحدث بالمجاز والاستعارة

-  كلنه بنموت لكن الأسوأ عندما نستسلم .... وذاكرتك اتصير ورقة بيضة.

وهنا يكون البطل ملقى على الطاولة وجسمه مغطى بقماشة بيضاء بما يؤكد هذه الحالة التي أرادها الحوار وهذه الصورة التي أدارها السعداوي من خلال ممثليه مرشحا الاستعارة ومؤكدا على البياض الناصع مرة بصريا من خلال الصورة وللون المشاهد في القماشة البيضاء، ومرة سمعيا من خلال الصوت في جملة الحوار في العبارة الوصفية ذاكرة بيضاء يكتبون فيها ما يريدون.

وفي نبرة رجاء يبادر حسين طبيبه:

- بس أنا أحس روحي أحسن الحين.

فيؤكد الدكتور رثاءه مستغلا حالة الضعف والتهاوي الذي ظهر في نبرة الرجاء:

إنت مسكين كنت صوتا والحين صرت صدى صوت، كنت فعلا والحين صرت ردة فعل.

ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك.

مَشاهد:

( ١ )


ها هو الشاب ينظم ملابسه بينما الممثل الثاني يستقر على الطاولة وقد تحلّق الجمهور حولهما في دائرة مفتوحة والعزف يتردد ترن ترن تررن أعمق أعمق ثم يعود خالقا نوعاً من القلق من السطح إلى العمق، ومن العمق إلى السطح، وفجاة يتسارع الإيقاع تماما كما هو وقع المشهد بين الأب وابنه، ولقد استطاع النقر على أوتار العود وشيء من دندنة العازف فيصل الكوهجي التأكيد على الإيقاع في كل مشهد بحسب الحالة النفسية التي تتصاعد مرة وتتراخى مرة أخرى لتسمح للمشهد بالراحة بعد الشد الذي يصنعه حسين عبدعلي وهو يحاور أو وهو يروي كمن يأكل في نفسه.

 وها هو يقف متصفّحاً الجريدة متسائلاً - قرأت الخبر؟ فيسرد حكاية ما، واختياره يعكس شخصيته، ها هو يختار ضحاياه من بين المتفرجين، يهذي كمن يحكي حكاية، ويصرخ بأحدهم محادثا أبوي .. أبوي...أبوي ـ مرة اثنتين ثلاثاً حتى أجهر صوت وأجهش نبرة في حلقه ـ ويكمل: لا يرجع إلى البيت حتى يكون قد فقد وعيه.. كلامه كله ...صراخ في صراخ في صراخ مركزاً على التصويت في الصاد والاحتكاك في الخاء في نبرة متهالكة حد الإعياء والتعب دامجا العبارة في صوت واحد حتى ينقطع نفسه: صراخ في صراخ في صراخ وهكذا هو كلما أراد أن يؤكد عمق السرد في قيامه بدور الراوي.

 ثم ها هو الدكتور يرتدي الياقة البيضاء وحسين يعوده في حديث أشبه بحوار الصديق لصديقه، مرة مستلقيا للكشف الطبي، ومرة محملقا في الدكتور وجها لوجه.

حسين: ما أذكر يوما كنت ابصحة أكثر من اليوم..

الدكتور: وين جنونك هوسك.

-  كذبة كبرى ماسكة بخناق الناس.

-  الانتفاضة...

 -  خارطة الطريق، مركز التجارة الدولي، البنتاكون..

-  الدولة السلام ...

-  المظاهرات ضد أمريكا ومع الشعوب...

-  استوعب الواقع والعالم.

-  جيفارا.

 -  الوزير.

 -  أساس الفساد من كبار الموظفين.

ويختم هذا الحوار

-  بعبارة كنت غبي.

-  المليشيات التي أفكر فيها كانت الحماقة كنت مهبول.

-  مهبول جميل ورائع.

بحسبنا أن نرصد هنا تداعي الأفكار في الحوار كمن يقدّم لنا شخصية الشاب حسين، هذا المتعولم، وأهم التحولات الفكرية التي طرأت عليه بعد تلاشي ألقه وذهاب حماسته كما يرى الدكتور، فهذا الحوار تتداعى فيه الأفكار مشكلة الخارطة الذهنية الجديدة لبطلنا بعد إعادة إنتاج شخصية الشاب وقد تعولم وتغيّرت مفاهيمه للحياة، وقد أصبح أكثر تفهما لما حوله، ومن حوله.

( ٢ )

 

ثمة إحساس بأن هذا المكان غرفة حسين حيث علاقة الملابس تتخذ جانبا، بينما حسين يضم ملابسه في الحقيبة كيفما شاء ويهم بالخروج والأب ينظر إليه من الأعلى في حوار: تتداعى في العبارات التالية:

- صراع الطبقات..

 - اطلع منها أنت بعدك في البيضة.

- تتصارع مع..من؟ »أبوك«!

- اتردد فضائل النظام ..

- لأنك مواطن حر .. ومرتاح.

- لأنك مستشار.

- الطبقة الارستقراطية

- اللي إذا قال كلمة على الكل ايردد كلامه.


يحتد الصراع أكثر:


- لما أعطيك الفرصة حق تصرخ ساعتها قول جب.


 واقفا على الطاولة مرددا عبارة:

 - تعارضونه أو نعفو عنكم

- تعارضونه أو نعفو عنكم

نعفو عنكم لأنه تنقصكم المعرفة

في هذا الحوار ثمة ما يمازج بين سلطة الأب وسلطة النظام بما يشي بالمعارضة حيث إن السلطة في أهم صيغها العربية ترجع إلى استعارة واحدة هي السلطة الأبوية فالأب حاكم والحاكم أب، وهكذا يتم استخدام السياق الأبوي للتعبير عن التسلّط السياسي، فثمة نقد للتسلط السياسي من خلال هذه الاستعارة، وثمة نقد للتسلط الأسري والأبوي من خلال الحكاية نفسها، وثمة نقد للتسلط الديني إشارة حسين لجده رجل الدين وصراع أبيه معه، وثمة نقد للتسلط الأيدلوجي من خلال الإشارة للأب وخلفيته الأيدلوجية وانقلابه على الشيوعيين بعد ارتقائه في المنصب الوظيفي، وثمة نقد للتسلط الفكري من خلال الإشارة لفكرة العولمة ومقاومتها وتقولب شخصية البطل بها.

ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك.

في المسرحية الكثير مما يقال ولكني أميل الآن لأن أنهي المقالة بهذا التبريق السريع، فقد طال المقام بين الكتابة والعرض ومن أهم بقي في الذاكرة تلك الأصوات التي يقف فيها حسين مجهدا وكأنه يأكل في ذاته باذلا أقصى ما في جسده وطاقته من صوت مرة مقلدا صوت المطر وهو يتساقط على ذلك البيت الفقير متأرقا به مؤرقا سامعيه فإذا كان المطر خصبا وفرحا للبعض فإنه للفقير فضيحة ومأساة ويكاد صوت كل قطرة يصب وقعه كمصيبة في صدر الفقير تماما كما تمثّلها حسين بصوته، أما الصوت الآخر الذي يجعلك تقف بين الإعجاب بهذا الممثل وبين التماهي مع هذا السرد المصوت فهو تمثيله صوت البعوض واليد التي تلاحقه في الهواء وصوت الضرب المبرح وصوت التهاوي والسقوط النفسي الذي يصدمك كثيرا ويحملك على التعاطف معه حد الإعجاب.

ولعل الأمر الآخر الذي به تكون المسرحية إضافة على مستوى التجريب هو حجم الجرأة التي اقترفها السعداوي في كسر الحاجز التمثيلي بين الممثل وجمهوره، ففي حالة بحث البطل بين الجمهور عن ممثلين يشاركونه في المسرحية لم يعد الجمهور مجرد مشاهد ليس له أي دخل في الحكاية، كمن يتلصص ويهرب بعيدا بل أصبح الجمهور متورطا في المشهد، إلى الحد الذي جعل بطلنا يختص أحدهم بالحكاية ويقف أمامه محملقا في عينيه ملقيا بأسئلته في شكل صرخات لا مفر منها، وليس أمام المشاهد في تلك اللحظة الحرجة سوى أن يلوذ أن بالصمت فلا يدري أيجيب على أسئلة الممثل أم يتجاهلها أيسكت أم يتحدث أم ماذا يفعل، فما هذه الورطة غير المحسوبة، فهو قد حضر مشاهدا وليس ممثلا، ولعل من الطريف الإشارة إلى ردود الفعل التي حدثت جرّاء ذلك المستوى من كسر حاجز الإيهام وتبديد البعد الرابع فقد هم أحدهم بالضحك والهروب كردة فعل، أما الآخر فقد اغرورقت عيونه بالدموع من شدة التّأثر وكاد أن يشارك البطل في مناحته، أما أطرف ردة فعل فتك المشاهدة التي ادعى حسين أنها أمه وطلب منها مغادرة المنزل معه، وترك الأب القاسي يواجه مصيره مكررا جملة يترجاها فيها »أقول لك قومي، أقول لك قومي« فقد تراوحت ردة فعلها بين التّأثر الشديد حد البكاء وبين تصفح الوجوه باحثة عن السعداوي المخرج متسائلة هل أقوم معه؟ هل أبقى مكاني كمشاهدة أم أستجيب لندائه، وكأنها تقول ما الذي عليّ فعله يا ترى، هل أكون أماً أم أبقى مشاهدة صماء، ماذا أفعل ياربي؟ وهنا لم يتملك الجمهور نفسه من التصفيق لتلقائيتها في المواجهة واللواذ بالجمهور أو المخرج وكم حصد الممثل من الإعجاب بقدرته على انتزاع شهادة بخلق ممثلين آخرين تصنعهم تلقائية اللحظة وطزاجة الحركة مملثين يشاركونه صناعة المسرح.

(0) تعليقات

:: السعداوي واشكال مفهوم المشاركة

 

بقلم: حسام أبوأصبع

 

عندما بدأ عبدالله السعداوي تقديم مسرحياته حار الكثيرون في تقييم عمله. ومن هؤلاء من انتظر حتى يظفر الرجل بجائزة لها ثقلها ووزنها. فشرعوا، من ثم، يسجلون إعجابهم بالتجربة بعد سنوات التمنع والمراقبة التي لم تخل من توجس وريبة بل ومن حسد وسخرية أيضاً.


ما جاء به السعداوي كان تحولاً دراماتيكياً قلب بموجبه المفهوم السائد للمسرح كما استقر في أذهان العاملين والمتلقين عندنا سواء بسواء. لقد جاء بسلة من المفاهيم والممارسات المغايرة والمختلفة. كان من أبرزها تشتيت البعد الواحد، ومن أهمها الحالة المسرحية قبل العرض المسرحي وأثناءه وبعده.


ومنذ العام 1987 أو ربما قبل ذلك بقليل حتى العرض الأخير ‘’ متروشكا ‘’ الذي قدم في أبريل/ نيسان الجاري، والسعداوي يواصل الحفر والبحث في هذا المسرح الذي نذر له حياته. وبحسب قائمة العروض التي حقهها، فإن مناطق الحفر والبحث كانت تختلف من تجربة إلى أخرى، لكن إيلاء الجمهور أهمية خاصة يكاد يكون ملمحاً مشتركاً في جميع أعماله تقريباً.


ومن المؤكد القول إن هذا الفنان المسرحي يكاد يكون وحيداً في اهتمامه المتواتر الذي لا ينقطع بجمهوره. حيث إن الجمهور يبقى هاجساً رئيساً لديه في أثناء تحضيراته لأي عمل مسرحي، وكذلك في أثناء الاشتغال على تحقيق مسرحية ما. ففي مرات لا حصر لها وقت انعقاد البروفات كان السعداوي ينبه ممثليه ويذكرهم بهذا الجمهور وعدم تقبله كذا، أو رضاه عن كذا، مطالباً إياهم باحترامه وعدم التقليل من ذكائه.


وإجمالاً فإن مخرجنا دائماً ما يحاول ألا يرضي الجمهور ويشبع رغباته في مشاهدة جهد حقيقي فحسب، بل يسعى بأكثر من طريقة ووسيلة إلى إشراكه في العرض، وتحويل أدوراه من مجرد الفرجة واستلام الإشارات والعلامات والأصوات والحركات والكلمات، إلى حقل الإنتاج الدلالي، والمشاركة الفعلية في العرض.


لقد قاده هذا الأمر - مثلاً - إلى زرع ممثليه وسط الجمهور، وجعلهم على مقربة فيزيائية منهم إلى الدرجات القصوى. وفي مناسبات أخرى كان الممثلون يسيــرون بين الجمهور، ويزعقون ويصرخون بين أيديهم، أو يقفز أحدهم من بين الجمهور ويتوجه إلى فضاء العرض، أو يتخذ أحدهم موقعاً بين الجمهور، ويلقي من ثم حواراته بينهم.

 

هذا وغيره، كان بهدف إلغاء العلاقة التقليدية التي تفصل بشكل جدي بين الممثل من جهة والمتلقي من جهة أخرى. وفي مرات عديدة مارس ألعاباً كان يهدف من ورائها إلى رصد أنماط تلقي هذا الجمهور، كاسراً من ناحية أفق توقعه، وتاركاً إياه في مواجهة لعبة جديدة على مستوى تجربته الشخصية، مثلما حدث في مسرحية ‘’الحياة ليست جادة ‘’ ,2003 وهي مأخوذة عن قصة قصيرة لخوان رولفو، حيث ألغى السعداوي كل شيء تقريباً بدءاً من الديكورات وصولاً إلى الممثل، مبقياً على صوت يسرد ويسرد ويسرد. السعداوي إذاً يولي المتفرج/ المتلقي عناية واهتماماً. وبطبيعة الحال تختلف هذه العناية من محاولة الإيقاع به في قلب الحدث، إلى محاولة صدمه وقلب قناعاته، إلى إشراكه في العرض، إلى تعريضه لشيء من الأجواء غير المريحة والمربكة، بل يصل أحياناً الأمر إلى ممارسة القسوة ضد هذا الجمهور أو أفراد منه، وغير ذلك من اقتراحات. مسترشداً أو ربما متأثراً بالعديد من المسرحيين العالميين الذين بحثوا تنظيراً وممارسة في ماهية الجمهور الذي يحضر عروضهم، وفي سبل وطرائق إشراكهم في العرض. هذا بوجه عام، ولكن ينتصب أمام ناظرينا عرض هذا المخرج الأخير ‘’متروشكا’’، الذي حاول فيه اللعب على ثيمة إشراك الجمهور في العرض، ونقل دوره - كما افترض - من حيز الفرجة إلى مجال المشاركة الفعلية. لكن هذه المحاولة بحسب ما أفترض لم تكن تملك مسوغات فنية تستدعي الفهم الذي تجسد لمفهوم المشاركة كما يقترحه هذا العرض، بل إن الأمر ينضوي على إشكال يحتاج إلى نقاش مستفيض. خصوصاً أن أية تبريرات يمكن أن تساق هاهنا مردودة عليها، لا سيما محاولة الإشراك حينما تبلغ سقف الغلو، والقسوة المفرطة كهدف. وتكون النتيجة استجلاب الضحك، في مفارقة غير محسوبة على الإطلاق. هذا في الوقت الذي يسرد فيه بطل العرض قصة من المفترض أن تتمزق نياط القلب بعد سماعها!. ففي عرض ‘’ متروشكا ‘’ الذي قدم في ليلتين منفصلتين بدار البارح - ومن المفترض أن يعرض في أماكن أخرى عديدة لاحقاً - حاول السعداوي بمعية الممثل حسين عبدعلي تحديداً الذي قام في خمس مناسبات باختيار أحد أفراد الجمهور ليحكي له قصته المأساوية التي تتلخص فصولها في أب قاس باطش، سرعان ما يتحول إلى ضحية، ثم لا يلبث أن يصبح وحشاً كاسراً. وهو ما استدعى في منعطف من المنعطفات إشهار سكين في وجه أحد أفراد الجمهور. إن الإشكال الذي أعنيه، هو مفهوم المشاركة نفسه الذي عمل الرجل عليه. فمن ناحية مبدئية تؤمن لنا بعض الأدبيات شيئاً عن محاولات طليعية أساسية قفزت بمفهوم الجمهور من مجرد الكائن المستقل إلى مفهوم المشارك، فــ ‘’جان لوي بارو’’ تحدث وعمل في إطار ما أسماه بالتآلف بين الممثلين والجمهور أو فعل الحب بينهما. واشتغل ‘’ آرتو’’ على ما أطلق عليه المشاركة المقدسة والتوريط الجسدي والانفعالي. و’’بيتر بروك’’ من جانبه مارس ما أسماه تبادل الأماكن، و’’جروتوفسكي’’ هو الوحيد الذي كان يطلب جمهوراً بمواصفات معينة - حفر في مسألة المشاركة الحية والمباشرة. هؤلاء وسواهم عملوا في هذا الإطار، ولكل منهم فلسفته وتبريراته وبحثه وأسبابه. ولكن في هذا العرض الذي تتقاسمه شخصيتان مرئيتان حسين عبدعلي ومحمد مبارك، وثالثة تحضر بالصوت محمود الصفار في العرض الأول والمخرج في العرض الثاني، يختار عبدعلي أحد أفراد الجمهور عشوائياً ويجلس قبالته، معتبراً إياه عشيق الأم، ويحكي له القصة المأساوية التي يعانيها، وتعانيها عائلته من قسوة الأب. ثم ينتقل إلى غيره بعد أن تدور بينه وبين الشخص الآخر ‘’ محمد مبارك ‘’ الذي يلعب دور الطبيب المعالج في جزء من المسرحية، ثم يتحول إلى دور الأب القاسي. ومرة ثانية وثالثة ورابعة يختار الممثل أحد الجمهور مواصلاً سرد حكاية عائلته المبتلاة. لكن عبدعلي لا يخص هذا الفرد المختار بحديث خاص يدور بينهما بل يُسمع للجمهور كافة، فما يقوم به في الواقع لا يعدو أن يكون إضاءة مساحة معينة من مجمل مساحة العرض المحدودة أساساً، والمكشوفة في الوقت نفسه. فالعرض لم يشهد أية إضاءات مخصوصة أو إظلام. وهذا السرد أو الحديث يأتي مصحوباً في العادة بحركات وإيماءات متشنجة متكررة تجعل من هذا الممثل البارع ضئيل الحجم، وكأنه ديناصور يشهر أسنانه الحادة في وجه هذا الفرد أو ذاك.

 

ويسجل لنا حسين عبدعلي في مدونته توثيقياً ليوميات وبروفات هذه المسرحية تتضمن بعض التفاصيل والتمارين والانطباعات حول العمل، ومما جاء في هذا التسجيل حول دوره كممثل، ومما يصب في موضوعنا قوله:


" ونظراً لأني في المسرحية كنت أضع كرسيا أمام أحد المتفرجين، أختاره بشكل عشوائي مرتب، وأجلس عليه لأقابل المتفرج وجهاً لوجه.. عيناً بعين.. وأقوم بتمثيل شخصية الابن الذي ماتت والدته بسكين أبيه، وجاء يحكي القصة لعشيقها.. في هذه الأثناء، كنت أشعر بمدى تخوف البعض من أن يكون أحد ضحاياي.. كنت أشعر بدقات قلوبهم وهي تلهج بالدعاء (إن شاء الله ما يقعد قدامي).. كنت أشعر بالضحية عندما يعتريه الخجل، ويدعو الله أن تمر هذه الدقائق بلمح البصر، ولسان حاله يقول : "متى يقوم عني؟!.. متى يقوم ويفكني".


إذاً المشاركة المفترضة التي خصص لها السعداوي جزءاً من عرضه، لم تكن سوى عملية شكلانية للانتقال من نقطة إلى نقطة، ومن مساحة إلى مساحة، على رغم كون المساحة التي يقع فيها الحدث صغيرة ومحددة ومكشوفة ولا يوجد فيها ما تم إخفاؤه. كما أن مفهوم المشاركة المفترض، بما هو عملية متبادلة بين طرفين، الممثل والجمهور أو أحد أفراده أو مجموعة منهم، لم تخرج أبداً عن النمط التقليدي في العلاقة بين الطرفين، باستثناء المشهد الأخير من المسرحية. وعليه فإن الانطلاق من فرضية أو حتى من قناعة راسخة مسبقة من كون الجمهور كتلة صماء خاوية جامدة، تحتاج إلى هزة عنيفة فالأمر لا يعدو أن يكون تعالياً غير مبرر. ولو افتراضنا جدلاً السلبية المسبقة لدور الجمهور، والسعي بالمقابل إلى سحبه إلى قلب الحدث أو توريطه أو منحه فسحة حتى يتحول حضوره إلى نوع من أنواع الفاعلية تنأى به عن الاستجابة السالبة أو التلقي الأحادي، فإن مقابلة الممثل مع أحد الحاضرين، وسرد الأخير لاعترافاته وشكواه وتفصيل ما حدث لعائلته من نكبات لم تكن سوى تشويش فحسب.


وهذا، على العكس من المشهد الأخير، حيث تقوم الشخصية البطلة بتوزيع الأعواد النارية على الجمهور طالبة منهم إشعالها، وفي هذا السياق قال الممثل ‘’ باقي جملة وحدة وتنتهي المسرحية ‘’ وبعد إشعال الأعواد قال: ‘’ لما وصلت عند عتبة البيت طالعت السماء، كانت كلها ألوان أتاريها ألعاب نارية ‘’. خلا هذا المشهد فإن محاولة الإشراك لم تكن سوى عملية لا أريد أن أقول اعتباطية وإنما ضلت الطريق وأصبحت ضرباً من ضروب ممارسة القسوة ضد المشاهد.


وعلى ذلك، فهذا المشاهد أو ذاك هو مشارك حقيقي في العرض بدليل أنه قطع مسافة معينة من بيته إلى مكان العرض، ثم بعد ذلك اتخذ موقعاً معيناً لا يفصله عن الممثلين من أبعد نقطة سوى ثلاثة أمتار، وأن فضاء العرض المكشوف والمضاء إضاءة عامة، هي إضاءة الصالة نفسها كفيل بتكسير أية حواجز فاصلة. ولكن تفعيل المشاركة عملية لم تتم إلا في رسم المشهد الأخير، حيث تجسدت المشاركة المادية الملموسة، التي خلقت لحظات من الحميمية.


عبدالله السعداوي في النهاية فنان يحاول الاجتهاد، يلازمه هذه المرة في بحثه واجتهاده بشكل أساس حسين عبدعلي الذي كان يختار ضحاياه - على ما عبر هو نفسه - لجرجرتهم إلى العرض، ولكن العملية برمتها لم تكن تبادلية، من (أ) إلى (ب) والعكس بالعكس، بل انضوت في مربع التقليدية بالمعنى الذي كان يسعى السعداوي لاختراقه وتجاوزه. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يغرق البعض في ضحك متقطع، أو ترتفع دقات قلب البعض خشية ممارسة الممثل مزيداً من العنف ضدهم. فلم يكن مطلوباً من الطرف الآخر الذي يحاول الممثل بناء علاقة معه سوى الإصغاء والانتباه والاندماج، حاله في ذلك حال بقية الجمهور، بل كان مطلوباً منه فحسب أن يكون وجهاً لوجه أمام تحديق الممثل، وتشنجاته، وتقاسيم وجهه وانثناءاته. لذلك، كنا نأمل من السعداوي الحريص على أدق التفاصيل، أن يسمو طرحه الفني في هذا الجانب عن الصورة التي ظهرت، والتي لم تتجاوز بقصد أو بغير قصد، بحسن نية أو بسوء نية خلق أجواء متوترة وإرهاق هذا أو ذاك، خصوصاً أن العملية تكررت - كما أسلفنا- في خمسة مناسبات.


يشار إلى أن مسرحية ‘’ متروشكا ‘’ عرضت أول مرة في الثاني من الشهر الجاري، ضمن احتفاليات مسرح الصواري بيوم المسرح العالمي. وهي من إخراج السعداوي، وتمثيل كل من حسين عبدعلي، محمد مبارك، محمود الصفار. ونص المسرحية من إعداد كل من المخرج وإبراهيم خلفان، وقد شارك فريق العمل بالعزف الحي على العود فيصل الكوهجي.

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية