بقلم: حسام أبوأصبع قبل فترة، أعد عبدالله السعداوي كتاباً سماه‘’المُغتَصِب’’. وكان الكتاب عبارة عن ‘’ألبوم’’ جمع فيه معده قصاصات وصورفوتوغرافية هائلة، تتمحور جميعها حول القضية الفلسطينية. السعداوي لم يكتب مقدمة، ولم يكتب تمهيداً أومدخلاً تعريفياً لهذا الألبوم/ الكتاب، وإنما اكتفى بجعل هذه النصوص/ القصاصات إلى جوار بعضها بعضا، من دون أي فصل بينها في فصول أو أبواب أو ماشابه. وإجمالاً، اشتمل هذا الألبوم على مقاطع متواترة من مسرحية الاغتصاب لـ‘’سعدالله ونوس’’. وعلى مقالات صحافية، ومقاطع من قصائد شعرية، ونصوص اتفاقات مثل خارطة الطريق، وجداول تواريخ مهمة، وأخبار صحافية، وصور فوتوغرافية، ومستلات من مقابلات مع أطفال وكبار سواء بسواء، ومقولات من هنا وهناك، وما إلى ذلك. وعلى كل، قام السعداوي بطباعة عدد من النسخ بطريقة الـ’’فوتوكوبي’’ ووزعها على المقربين منه أو على من صادفهم كما هي عادته. ثم قرر أن يفتش عن ناشر لهذا الكتاب، وبالطبع، لم يجد سوى قطاع الثقافة كجهة من الممكن أن تتكفل بطباعته. إلا أن القطاع رفض طباعته، بحجة أن الكتاب لا يمكن تجنيسه في جنس بعينه، وهم محقون في ذلك. والسعداوي من جانبه محق، في محاولته طباعة الكتاب، وهو محق كذلك في قناعته الشخصية بأن هذا الكتاب/ الألبوم - مرة أخرى - يستحق أن يكون في متناول يد مجموعة أكبر من 5 أو 10 أشخاص. ولكن، أين هي المشكلة؟ إلا أنني أتساءل، هل فعل التأليف يختلف كثيراً عما قام به السعداوي من توضيب وترتيب واختيار وانتقاء وتجميع، وما حجم هذا الاختلاف إن وجد؟ وهل فكرة التجنيس والتصنيف والأنواع لاتزال سارية المفعول إلى عصرنا هذا؟
إذا قلنا بحق القطاع، فهذا صحيح، وفقاً لمعيارهم الذي وجدوا فيه مبرراً لرفض النشر، أي التجنيس، فالكتاب لا جنس له ولا هوية كذلك، بحسب الأدبيات الكلاسيكية جداً. وللسعداوي بدوره الحق في رؤية جهده الكبير في تجميع كل هذه المواد مطبوعة في كتاب.
عادل مرزوق- صحيفة الوسط البحرينية رجل كلما أعطيناه، بقي يحمل سمة الفضل علينا، كلما جمعنا حقائبنا لنرحل فيه ازداد ألقاً بالماء والتراب، مخرج/ كاتب/ ممثل... الأهم من كل هذا، رجل «إنسان». يقول السعداوي انه ينسى نفسه، ونمسك أقلامنا عن مؤسسات نَسَتْه. "الوسط" تحاور «السعداوي» في حديث خاص: - إنني في إحدى زوايا العالم الضيقة، حيث ليس بإمكان العين أن تراني من ذلك الثقب، لم أكن أبحث عن نفسي كي أفقدها، ومن حق أي إنسان أن يراني كما يشاء، لست مشغولاً برؤية الآخرين. ذاكرة العالم بأسره أصيبت بالضعف وليست ذاكرتي فقط، لقد تغيرت حياة الإنسان، التطور الذي نعيشه ويعيشه العالم، يدفع بنا باتجاه محو الإنسان من خلال محو ذاكرته. المبادرة أصبحت في يد وسائل الإعلام من خلال 24 ساعة، فالذين يملكون المبادرة يسعون إلى تعميم شاشات العرض التلفزيوني وتوسيع مهماتها كي تغدو هي الحياة الفعلية على رأي سعدالله ونوس، فوسائل الاتصال أصبحت الصانع الفعلي للحوادث، قادرة على إيهام الناس والمتفرج بأنه في قلب الحدث، وبأن ما ينقله إليه التلفزيون هي حاجاته الثقافية والفكرية والترفيهية وهو في حال استرخاء، لم يعد الإنسان قادراً على الاحتفاظ بالذاكرة، كل شيء يمحو ويعاد رسمه بشكل آخر ليس له ذاكرة. عصرنا هو عصر النسيان ضد الذاكرة على رأي كونديرا، كل ما أحمله في ذاكرتي أنني هنا والآن أمسك بالقلم كي أجيب على مجموعة من أسئلة تسميها سخيفة، على رغم أن لي رأياً آخر ليس بالضرورة مطابقاً لما تراه فيها. أنا لا أتذكر ما لا أريد ولا أنسى ما أريد أكثر لأنني لا أريد، كل ما أريده هو أن أصبح ما لا أريد. - العروض الرسمية والعرض الدائم أفسد كل شيء، لم يترك طفلاً ولا براءة إلا وأفسدها، خروج السمكة من الماء يعني فسادها، بقاؤها في الماء يعني شفطها، وإزالة الماء لبناء ربما فندق أو مركز تجاري أو بناية على آخر موديل لكنها بلا روح. الملل هو الطريق الوحيد لمن يملك رأساً صغيرة على كتفه إن لم يكن الانتحار السبيل الوحيد لحياة أفضل، ربما صدقني يا صديقي إن اشتقت لي وأحببت أن تراني، ستراني فعلاً في جنتي حيث أعبث بلحيتي التي أوشكت على السقوط كما الثلج الأبيض في عز الصيف. * لماذا تسرقني إلى الحديث عن التجريب ونحن نتحدث عن المسرح... كأنك تتحكم بما أود أن أسألك فيه... ألست بهذا رجلاً حقيقته «سلطة»؟ - أعدك بأنني لن أسرقك إلى الحديث عن التجريب ولا عن المسرح، لن أتحكم بما تودّ أن تسألني إياه، أعاذنا الله من التحكم والسُّلطة وأهدانا إلى السَلطة. * مازلنا في هوس التعريف... ماذا تفعل أيها الرجل...؟ يقال إن بداخلك صبية تريد أن تشرب الماء... مُمَسرَحاً؟ - أصدقك القول "بداخلي منزب صغير يوسوس لي كلما قمت للصلاة فأوسوس له بماء المسرح فيدخل الغواية ولا يخرج حتى أتمَّ الصلاة والتسبيح". * نكاد نصل حد التخمة في الكلام... متى نسكت جميعاً لنمثل فقط مسرحيات أطول مدة لا يكرهها الجمهور الثرثار؟ - الجمهور وصل إلى حد التخمة فأصبح يكره نفسه، فهو يسير الآن إلى طريق السكوت، ويوم أن يتحقق ذلك سنرى مسرحيات أطول وربما أجمل. - أنا اللاأحد أقع دائماً في منطقة الصفر، وهم أرقام تتضاعف في البورصة، وجودي في منطقة الصفر يعني قدرتي على التحول في الوجود والعدم. - الحضارة الحالية منذ أن أطلقت الرصاصة في صدر أصحاب الحضارات الأخرى وسرقت المدن وقتلت الأطفال لم تكن تهدي الإنسان سوى النعش، منذ أول طلقة كان صدري عارياً وقبضتي مرفوعة، سقطت واقفاً، منذ أول الحضارة كان موتي الأخير. * من أعطاك حق تجاوز اللعنات التاريخية (التأصيل، التأسيس، العلاقة بالآخر والهوية)؟ ولماذا أحس أنك تكره هذا «السؤال»؟ - لم يعط أحد تجاوز اللعنات التاريخية، منذ أن أصبحتُ داخل المسرح طاردتني اللعنات ومازالت تنتظر خروجي من الكهف، فالثقب ضيق والكهف مظلم واللعنات كالدبابير، وإذا ما فكرت في دخول الكهف فأنتظر حتى أستيقظ من نومي لعلّي أكون معك في زمان آخر بعد الزمان الذي دخلت، وطوبى للنائمين. * متى تصير قضية التجريب في المسرح موضوعاً للنقد... كأنكم آلة إنتاج في الهواء؟ متى تأتيك العاصفة التي يقال إنك مازلت ترتقب أوانها، متى تكتب ما أجّلته منذ مدة يا رجل؟ - متى تصير قضية التجريب موضوعاً للنقد، فتش عن النقاد واطرح عليهم هذا السؤال ربما تجد الإجابة، أما أنا لست مشغولاً بالإجابات، كل ما أملك العمل في المسرح في حدود المتاح. أعتقد أن الكتابة عندي مؤجلة دائماً قد يأتي أوانها بعد استعادة ذاكرتي، وأخرج من غرفة الإنعاش بعد سن التسعين وستكون كتابة مخلوطة بمجموعة من خرافات كتابة تحتاج من القارئ أن يلاحق فيها هوس العجائز وثرثرتهم. * ما جديدك الذي لا تودّ أن تراه؟ -كل ما أفعله أود أن تراه، فأنت صديق وناقد، وكم أحتاج أن تكون بقربي، فكلما كنت بقربي تنطفئ نيران قلبي خصوصاً وقت الأزمات..
"أنا لا أتذكر ما لا أريد، ولا أنسى ما أريد أكثر لأنني لا أريد، كل ما أريده هو أن أصبح ما لا أريد"، رجل يبحث في الذاكرة، مشغول بالذاكرة، ترعبه عقارب الساعة.
* أين أنت الآن... هناك من يرى أنك فقدت منذ مدة نفسك؟ ذاكرتك أصبحت ضعيفة... تتذكر ما لا تريد وتنسى ما تريده أكثر؟
* مسرحك الموغل في الرمزية بدأ يكبر... بدأ يفقد طفولته البريئة... النظام والمواعيد والعروض الرسمية تكاد تفسده، ولعلها فعلت، أين سأراك إن بدأت فعلاً تحس بالملل؟
* يقال إنك رجل تضيق بالثنائيات المقارنة... ما تجريبهم وما تجريبك... من أنت بالنسبة إليهم، ومن هم بالنسبة إليك؟
* هل تساعدك هذه الحضارة على استكمال موتك الأخير... هل تعتقد أن اللغة حان أوان قتلها...؟
منذ آخر الحضارة كان ميلادي الأول والبحث الأبدي، يكفينا سيدي قتلاً ودماراً لنترك اللغة حيّة.
كرهي لهذا السؤال يجعلني أحب سائله، كنا دائماً عرضة للزكام وعرضة للهواء البارد الحار.
<<الصفحة الرئيسية








