حسين عبدعلي
.

:: حميد مراد.. والله أراد

 

 

أذكرُ جيداً ..وأنت الذي ثقبتَ ذاكرتي سريعاً، بمقدارِ سرعةِ رحيلك.. أذكرُ يومَ تسلمتُ كلمةً المخرجِ التي ستدرج في كتيبِ عرض مسرحية متروشكا، حيثُ ذكرَ فيها السعداوي أنّ المسرحية مهداةٌ إلى حميد مراد.. وقتها توجهتُ بسؤالي إلى الأستاذ عبدالله:

 

لماذا حميد؟!..

 

فأجابَ ببساطةٍ ودونَ تكلّف: "لفترةٍ.. كان يزورني دائماً في الحلم.. فأحببتُ أنْ أهديه هذا العرض".. ولأن الكتيب خرج بصورة مختلفة، لم تدرج الكلمة فيه..

 

أذكرُ جيداً.. حينما وصلني خبر عودتك من مصر.. كنتَ جالساً في صالة مقر الصواري، حيث شاشة التلفاز.. سلّمت عليك، وحمدت الله على سلامتك.. وبعدها، عندما حان وقت بروفة مسرحية متروشكا، سحبت كرسيا وجلست تراقب..  

 

أذكر القهوة التي احتسيناها في المطبخ مع الصديق خليل الرميثي.. نبرة صوتك عندما كنت تسرد تفاصيل رحلتك إلى مصر.. تقاسيم وجهك.. وقتها، لم أكن أعرفك إلا منذ فترة بسيطة.. ولكن دفء حديثك/ دماثتك هي من أسقطت كل الحواجز.. حينها فقط شعرت أني أعرفك منذ زمن..

 

أذكر جيدا.. في أحد المرات التي كنا نصور فيها مشهدا من مشاهد مسلسل (عيون من زجاج) حين تلعثمت لأكثر من مرة.. فأرتبكت.. همست فأذني:

 

(خلك ريلكس وبتسوي زين.. أدري أنت أتسوي أحسن من جذي)..

 

أذكر كل ذلك وأكثر.. وذاكرتي مثقوبةٌ منذ أن جاءني خبر رحيلك.. كنت أقود سيارتي متجها إلى العمل.. وعندما وصلت اتصلت فيني الصحفية في صحيفة الوقت الأخت زينات دولاري تسألني عن وقع الخبر.. وقتها اكتشفت ثقب ذاكرتي، عندما نسيت كل الكلام..  

 

قالوا:

في لحظة.. يمر أمام عينيك شريط حياتك بأكمله.. وبعدها تسلم الأمانة..

 

وأقول:

في لحظة.. مرت أمام عيني كل ثانية جمعتني بك..

 

 

وفاة الفنان حميد مراد تلهب مشاعر زملائه في الوسط الفني- صحيفة الوقت إدعس هنا

قصتي مع الفنان المرحوم حميد مراد- فهد مندي إدعس هنا

 

(21) تعليقات

:: لا تقرأ هذا الموضوع!!

 

لا أنوي من خلال هذا العنوان أن أدغدغ تطفلك –عزيزي القارئ-، فأنا أعي جيداً الترسبات السلبية الناتجة من وراء قراءة هذا الموضوع.. وأعي جيدا أن استخدامي لهذا العنوان لا يأتي على طريقة عناويين الصحف الصفراء التي تحاول التلاعب بمشاعر القراء لتنتهي بعدد من القراء ما يفوق المتوقع.. فمن الأفضل لك يا سيدي أن تغلق هذا المتصفح، أو أن تنتقل إلى موضوع آخر في هذه المدونة لتقرأه بدلاً من هذا الموضوع..

 

وبما أنك ما زلت تقرأ، فهذا يعني أنك مازلت مصراً على قراءته.. وبما أني استنفدت كل الطرق لثنيك عن محاولة إتمام القراءة، وتجنبك ما لا يحمد عقباه ، فهذا يعني أن لي الحق في سرد الحكاية من أولها، وأحملك المسؤولية فيما تجنيه..

 

في حمام غرفتي –أكرمكم الله- تتكوّد مجموعة من المجلات والكتب القديمة، أتسلى بقراءتها من حين لآخر.. بالأمس، وقع في يدي عدد من أعداد مجلة (العربي) رقم 477 فبراير (شباط) 1996م.. ومع تقليبي لصفحاتها شدّني أحد موضوعاتها المعنون بـ "جيش المهمات القذرة" بقلم شوقي رافع.. أقتطع من هذا الموضوع الآتي:

 

"كم تبلغ نفقات (البنتاجون) في الثانية الواحدة؟.. السؤال طرحته صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية، وتولى (مركز المعلومات العسكرية) في واشنطن الإجابة، وجاء فيها: إن هذه النفقات تصل إلى مبلغ 8612 دولاراً في الثانية، وإلى 516 ألفا و720 دولاراً في الدقيقة، وإلى ما يزيد على 3 ملايين دولار في الساعة الواحدة.

 

وتعلق الصحيفة: إن ميزانية أسبوع فقط للبنتاجون قادرة على توفير ما يزيد على 400 مليون وجبة مجانية للشعوب الجائعة في إفريقيا"..

 

إلى حد الآن والموضوع يعبر عن نفسه بنفسه، وبشكل أو بآخر أجد نفسي مضطرا لربط هذه الفقرة من الموضوع بإعلان تليفزيوني لقناة دبي (أنت تختار) والتي قامت بعرضه مرات متكررة في شهر رمضان الماضي، وبصيغ مختلفة لهدف واحد وهو التبرع لتعليم أطفال وأبناء الدول الفقيرة..

 

وفي الوقت الذي أعترف بعدم استساغتي للمسلسلات والبرامج الرمضانية، أجد نفسي مضطرا للإعتراف بمدى حرفنة وإبداع فكرة هذا الإعلان، الذي يدفع بالمرء للمقارنة بين ما يمكن الإستغناء عنه لمرة واحدة بمقابل أن يضعه في مجال خيري يطول فيه زمن الإفادة منه.. مثل:

 

-         مساحيق تجميل بقيمة 500 درهم = بـ 500 درهم تعليم طفل في أحد البلدان الفقيرة..

-         1500 درهم قيمة جهاز جوال = 1500 درهم قيمة مصاريف مدرسية مع الكشف الطبي لخمسة طلاب لمدة عامين..

 

ولكن.. هذه الكلمة التي استخدمها كما عرّفها الممثل (إيدي مورفي) في أحد عروض المنولوجست بأنها تنفي كل القول الذي يسبقها، فأقول: ولكن.. أليس من الأجدر أن نحاول أن نكسب ميزانية أسبوع فقط للبنتاجون المقدرة بما يزيد على 400 مليون وجبة مجانية للشعوب الجائعة.. بدلا من إرسال البنتاجون 400 مليون صاروخ إلى هذه الشعوب؟!..

 

الجدير بالذكر أن نشير أو أن نسأل عن مصدر هذه الميزانية الخيالية التي تصرف للبنتاجون أسبوعيا.. تاركا لكم حرية ربط العلاقة على طريقة اسئلة صل بين الطرفين، بين الدول العربية -والخليجية بالتحديد- وبين خزينة البنتاجون..

 

 

 

أما زلت تقرأ؟!.. لم أكن أنوي سرد موضوع إعلان (أنت تختار) إلا لكي أهون مصيبتك؟!.. مازالت الفرصة أمامك متاحة لغلق المتصفح.. (براحتك!!!)..

 

يكاد (لارك إيريك نلسون) يخرج من جلده وهو يكتب في صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية، حين يقول:

 

"الشيزوفرانيا –أي إنفصام الشخصية- هي السائدة هنا في أمريكا، فالكونجرس يوافق مثلا على إنتاج 20 طائرة من نوع (B.2) –الشبح- ومهمة هذه الشبح أن تتجول أثناء الحرب النووية حول الإتحاد السوفييتي، وأن تجد أهدافا تقصفها.. ولكن أين هو الإتحاد السوفييتي اليوم؟!"..

 

وإن كان يستشهد نيلسون برئيس لجنة الميزانية في مجلس النواب (جون كاسيتش) بقوله: "لا أتصور أن هذه المهمة مازلت قائمة".. ولكنه في تصوري الشخصي أن هذه الطائرات التي تصل كلفتها إلى 8 مليارات دولار، والتي لا تريدها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تجد سوقا رائجا في الدول الخليجية، التي تتسابق لما تسميه بالتسلح، فتقوم بشراء هذه الخردة، مقيمين عند هبوطها على الدول الخليجية احتفالا عظيماً وكبيراً.. وبالتالي يكون الكونجرس الأمريكي هو الذي يريد هذه الطائرات وليس البنتاجون..

 

في وقت لاحق.. ذكرت صحيفة الوول ستريت الأمريكية أن الوجبات الغذائية والتجهيزات السكنية وبقية الخدمات الأخرى التي تحتاجها قوات الإحتلال الأمريكية في العراق ستكلف مبلغ أربعة مليار دولار زائدة عن المبلغ الذي رصدته أصلا وزارة الدفاع الأمريكية..

 

الحديث هنا أو هناك.. أو في أي مقطع يذكر فيه (البنتاجون) لابد أن يأتي مسبوقاً أو متبوعاً بالملايين أو المليارات.. في ظل تواجد الملايين ممن يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً.. والملايين من الأطفال الذين يموتون بسبب الفقر والجوع والملاريا يومياً.. وملايين النساء اللاتي يمتن أثناء الوضع لعدم توفر الرعاية الصحية يومياً.. كل هذا يأتي تحت سياق (حرب إلى الأبد) و (العسكر يحكمون.. الشيزوفرانيا هي السياسة السائدة هنا)..

 

وما طلبي لك –عزيزي القارئ- بعدم قراءة هذا الموضوع ما كان إلا لكي لا أعكر صفو قهوتك، أو أمزج سعادة يومك بسواد كتابتي.. وإذا لم يحدث هذا ولا ذاك فلقد خسرت وقتك الثمين بقراءة هذا الموضوع، وكنت لا أتمنى أن يحدث ذلك.. لكنك أبيت..

(14) تعليقات

:: قميص الطفل الذي خرج ولم يعد!!

 أن يهديك عزيزٌ وردة.. هذا يعني أن تضعها في مزهرية مع قليل من الماء، وتراقب ذبولها مع مرور الأيام.. أن يهديك أحدهم ساعة من ماركة ساركار مرصعة بالألماس، فلن تجد هذه الهدية سوى الدرج مطرحا لها، ومحل بيع الساعات في أوقات الضنك المادي.. لكن، أن يهديك قصيدةً كتبها فيك، فليس لمثلها سوى القلب مسكنا، والخلود حياة..  

 

"قميص الطفل الذي خرج ولم يعد!!" قصيدةٌ أهداني إياها أستاذي عبدالله السعداوي، فور انتهاءه من كتابتها..

 

 

قميص الطفل الذي خرج ولم يعد!!

 
 

 

أرجوك أيها الربيع البائس..

الجالس القرفصاء أمام عتبات البحر..

وهو يرضع التبغ والعار..

 

أرجوك أيها الرصيف الحزين

يا صدري المتساقط المختنق بالسعال الجارح

ورياح البراري الموحشة..

يا جرذاً يطول كيوم غائم فوق رؤوسنا كالسقف المتداعي..

أيها الوجه الذابل كطرقات خاوية..

يا نداءات العبيد المنهمرة كالجراد والسأم..

 

وحيداً تحلم بملاءة سوداء،

وجثة القهر والشوارع الدامسة..

أيتها الأذرع الهائجة في الغبار..

 

عشرون عاماً..

وأنا أدق الأبواب..

عشرون عاماً..

والرياح تقتلع أرجلنا الحافية والعيون الأكثر صفاء..

وأنت، تحصي تجاعيد الأرض،

وتتثاوب في فم امرأة عاهرة..

 

أرجوك أيها الليل..

يا جسداً مغطى بالخريف المقهور/ بذكريات الجرب..

 

مثل العصافير الميتة وناموس الجمر..

مثل خطواتي المفعمة بالنبيذ والفوضى..

مثل صباح النعاس والخيبة والتوتر..

مثل السيف الذي يطعنك في الخاصرة..

مثل أجيال بلهاء تنام في شقوق أبواب الوريد..

مثل وميض الخنجر الملطخ بالكآبة والذباب..

مثل العيون المحشوة بالإثم والخراب..

مثل ملايين السنيين الدموية الخارجة من نهر الشوك..

مثل ضياع الأطفال المشردون بالجوع ودخان الملاريا،

وهي ترحل دونما عودة في البراري القاحلة..

 

 

عبدالله السعداوي

(13) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com