عندما قمت بإدراج العدّاد الجديد على هامش المدونة، والذي يقوم بتوضيح الزائر من أي دولة كان، لم يكن في الحسبان أن ثمة شخصٍ أمريكي الجنسية أو دانماركي أو حتى يوناني، قد يزور مدونتي.. ولا حتى بمحض الصدفة.. وإذا استثنينا الصديق عمّار عبدالعزيز الذي يدرس في فرنسا، ففرنسا لن تبتعد عن قائمة الدول المستبعدة من توّقع زيارتها... لكن.. أن يزورني إسرائيلي فهنا علامة تعجب!!.. تجدر الإشارة أن هذه الزيارة جاءت مواكبة في الفترة الزمنية للمشادة الكلامية التي دارت بين وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وبين نائب الإخوان المسلمين في كتلة المنبر الإسلامي ناصر الفضالة، إثر مطالبة الأخير من الوزير أن (يغسل يده سبع مرات ثمّ يمسحها بالتراب لعله يتطهرن من النجاسة).. وبعيداً عن العدد الصحيح للطهارة، سبعة كان أو تسعة عشر، فإن الوزير لم يتوان عن الرد بغسلٍ أكثر دراماتيكية بقوله: (لتمسحوا أنتم أيديكم الملطخة بدماء الفلسطينيين).. خلال هذه الجلسة الملتهبة مارس النواب عنتريتهم المشهودة، التي تغيب طويلا في أمور كثيرة، لتظهر فجأة على غرار (فزعة) ربيع الثقافة.. والغريب أن هذه (الفزعات) لا تأتي إلا برفع الصور على طريقة رفع المصاحف على أسنّة الرماح.. فكما تفضل النواب في ربيع الثقافة برفع صور قيس وهو مستلقي على مؤخرة ليلى، ها هم يرفعون هذه المرة نماذج من صور المأساة الفلسطينية.. وإن كنت أميل كل الميل إلى ما ذهب إليه الأخ الصديق عادل مرزوق في عموده بصحيفة الوسط، والمعنون بـ (وزير الخارجية... أمام بطولات النواب).. خصوصا عندما يصف تلك اللغة التي كانت تسيطر على مداخلات السادة النواب بلغة المقاومة والجهاد والوقوف الصلب والتاريخي و"الاستنائي" أمام (إسرائيل).. إلى جانب وضعه للنقاط على حروف مسؤوليات أي وزير خارجية يقوم بتنفيذ ما أقرته الجامعة العربية، وما تمليه عليه واجباته الوظيفية كدبلوماسي عربي.. حيث يقول: "لا يحق لنواب البحرين التي وقعت على اتفاقيات ومعاهدات دولية –أقرها المجلس النيابي- كانت تشترط فتح اقتصادها أمام دول العالم كله، استهداف وزير من الوزراء أو مسؤول من المسؤولين حين يقوم بما تمليه عليه واجبات عمله".. وقد أشار الوزير في رده على مداخلات النواب ما يفيد أن إعلاق مكتب المقاطعة في البحرين، قد جاء بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع أمريكا.. هنا يتضح أن الأجدر للسادة النواب ممارسة عنتريتهم المشهودة ضد هذه الإتفاقية والإتفاقيات الأخرى التي تشترط فتح اقتصادها أمام الدول الأخرى كلها.. لا أن يعلنوا (الفزعة) على ترسبات هذه الاتفاقيات!!.. البحرين كانت السبّاقة في قبول اتفاقية التجارة الحرة والأسواق المفتوحة، وهي لا تملك إلا القبول بها لكونها جزءً من مقتضيات انضمامها لمنظمة التجارة العالمية.. وعليه، فإن هذه الاتفاقيات تحصل –بشكل أو بآخر/ شاء أو لم يشأ- على مباركة النواب أنفسهم.. الحديث عن تجارة عالمية هو نفس الحديث عن نهاية حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما تحول العالم إلى مرتع فسيح للرساميل ذات الأرقام المؤلفة من تسعة أصفار أو أكثر، فقد راحت تجوب الأرض من أقصاها إلى أقصاها باحثة عن توظيفٍ لكل هذه المبالغ.. وصلت هذه المنافسة بين حكام الاقتصاد العالمي إلى حد (الضرب تحت الحزام) تأميناً لمصالحهم وزيادة عوائدهم.. الرئيس الأمريكي (جورج دبيلو بوش) يعرّي بشكل واضح مدى خطورة هذه الشركات في خطابه في مونتيري، عندما نقل الرئيس المواجهة إلى الحقل الاقتصادي بتوظيف نتائج العمليات العسكرية في افغانستان.. ولا ننسى أن لـ (الحملة العالمية لمكافح الإرهاب) جذوراً اقتصادية، هاجمها بشكل لاذع وشرس المخرج الأمريكي مايكل مور في فيلمه قبل الأخير (فهرنهايت 9/11).. فالمعارك التي دارت في افغانستان والعراق لا تتعلق بطالبان والقاعدة وبن لادن.. ولا بصدام ولا هي رأفة بالشعب العراقي.. بل كانت عيون الامريكان موجهة نحو بحر قزوين وأرض العراق، حيث يكبث أهم الاحتياطات العالمية الواعدة جدا في النفط والغاز.. وعليه، يقول الزعيم الكوبي (فيديل كاسترو): "النظام الحالي للإقتصاد العالمي يشكل نظاما للنهب والاستغلال لم يسبق له مثيل في التاريخ".. ويضيف: "لقد أصبح الإقتصاد العالمي اليوم ناديا ضخما للقمار، وأن التحليلات الأخيرة تشير إلى أن مقابل كل دولار ينفق على التجارة العالمية، ينفق مبلغ يزيد على مئة دولار على عمليات المضاربة لا علاقة لها بالإقتصاد الحقيقي".. طبعا.. إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي بين كل هذه اللعبة.. بل هي اللاعب الأساسي فيها.. وبما أن مملكة البحرين هي جزء من اللعبة أيضا، بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة، ليرتفع الميزان التجاري للبحرين إلى مليار ونصف المليار دولار بعد توقيع الاتفاقية.. فهذا يعني أن البحرين وإسرائيل يلعبان في نفس الملعب.. بعد كل ما سبق، يبدو سخيفا لحد القبح أن يرفع النوّاب صوراً للمأساة الفلسطينية.. أو أن تقدم اللجنة البرلمانية المؤقتة لمناصرة الشعب الفلسطيني بطلب مخاطبة الحكومة من أجل توجيه الوزير بمقاطعة مؤتمر السلام الدولي بين العرب والصهاينة الذي دعت إليه الولايات المتحدة الأميركية بهدف تحقيق السلام بين الصهاينة والفلسطينيين.. وأكثر سخفاً هي الرغبة بتوقيف جميع أشكال التطبيع والاتصال بجميع أنواعه وأشكاله بين حكومة البحرين وحكومة الكيان الصهيوني، في الوقت الذي أيدينا ليست ملطخة بدماء الفلسطينيين وحسب، بل بدماء كل أفغانستاني وعراقي بريء.. وأكثر من السخف السابق أن بعد كل هذا أستغرب أو أتفاجئ من زيارة إسرائيلي لمدونتي!!!!.. 
في زيارتي الأخيرة لمقر مسرح الصواري.. وكعادتي عندما ينفلت مقبض الباب الرئيسي من راحة كفي أزعق بصوتٍ ملؤه الحماس (هلااااا أستاااااااذ).. وأعني بذلك الأستاذ عبدالله السعداوي الذي أستوحشه كثيرا بعدد الشعرات البيض الفارة من لحيته المجنونة.. لا يهم إن كان متسمراً أمام شاشة التلفاز في الصالة الرئيسية أم في وكره بغرفة الإدارة حيث يختفي وراء كومة من الكتب، فأنا متيقنٌ أنه سيكون موجوداً في المسرح.. طبعا يعود هذا التيقن لسببٍ يتيم، وهو لتواجد سيارته التي تشبهه كثيرا في مسألة الوقوف في مكان محدد وشبه مخصص له أمام البناية المتهالكة في العدلية، كما هي أماكن تواجده مخصصة ومحددة داخلها.. وقتها لم يكن السعداوي أمام شاشة التلفاز، الذي كان ما يكون يشاهد فلن يتعدى روتانا زمان.. محمود المليجي.. شادية.. أنور وجدي.. فريد شوقي.. والقائمة تطول.. وأذكر جيداً الحالة التي نصاب بها بعمى ألوان لكثرة مشاهدة الأفلام المصرية ذات اللون الأسود والأبيض.. والمعادلة تقول عندما يغيب السعداوي عن التلفاز لن يبتعد كثيراً عن تناول وجبته التي لا يكل ولا يمل منها وهي أحد الكتب في غرفة الإدارة، ممسكا بقلم وورقة بجانب الكاتب يلخص ما يقرأه أو يكتب شيئا جديداً.. وعليه، توجهت إلى غرفة الإدارة.. استقبلني بابتسامته الطفولية.. فعلى الرغم من كل هذا المشيب الذي يغزو وجنتيه، إلا أنه لم يستطع أن يمحو ملامح البراءة من وجهه.. بادرني بالقول: "هلا.. حبيبي حسين.. وينك؟!".. ثم سألني إن لاحظت الكتاب الذي في الصالة الرئيسية، فهو هديتي من شخصٍ ما.. لي أنا؟!.. معتادٌ أن أسرق أو أستعير -بشكل أدق- الكتب من مالكيها.. وفي أسوء الأحوال ألجأ إلى الصديق حسام أبو أصبع ليهديني بعض الكتب، أو أبتاعها من إحدى المكتبات المهترئة.. وإذا ما استثنينا إهداء الصديق خالد الرويعي لكتاب "درس من النور"، وكتاب الصديق المشاكس دائما حسام أبو أصبع "صناعة التاريخ بالتأويل"، بالإضافة لكتابات الأستاذ عبدالله السعداوي.. يأتي هذا الاستثناء بحكم الصداقة والعلاقة الحميمة التي تربطني بهم.. بالإضافة لكتاب الدكتور نادر كاظم "طبائع الإستملاك" الذي تسولته من خلال أبو أصبع، وديوان الأخت زينب الليث "ظفائر الانتظار" الذي حضرت حفل تدشينه.. فإن مسألة أن يهديني أحدهم كتاباً، فهذا أمر جديد وطارئ.. أسرعت إلى الصالة الرئيسية وأنا أسمع دمدمة السعداوي متسائلا عن مصير أحد الكتب الذي يريدني أن أقوم بإخراجه ولكن لا يسعفني الوقت لذلك.. وعلى إحدى الطاولات وجدت ظرفاً أبيض خط عليه بخط إلكتروني (إلى الأخ/ حسين عبدعلي المحترم).. فتحت الظرف وكان به كتاب (صائدو اللؤلؤ) لـ ألبيرلوندر، ترجمة الدكتور منذر الخور.. (صائدو اللؤلؤ) من الكتب التي يمكنك أن تلتهمه في قضمة واحدة.. من الغلاف إلى الغلاف، أو من الجلدة إلى الجلدة إذا أحببت.. تصدى الدكتور منذر الخور لهذا الكتاب الذي تم نشره لأول مرة على هيئة تقرير من إحدى وعشرين مقالة في جريدة (لي بتي باريسيان) الفرنسية، وبالتحديد في الفترة من أكتوبر إلى نوفمبر 1930م.. وأنزله أيضا على هيئة 21 حلقة في جريدة (الوقت) في أبريل 2006م.. وإذا لم يتسنى لي الوقت لمتابعة الحلقات عبر الجريدة المذكورة، لم يرضى الدكتور مشكوراً أن أخسر هذا الكم من المعلومات التي أخجل من عدم معرفتها وأنا الأولى من هذا الـفرنسي ألبيرلوندر، الذي قطع الأرض جنوبا وغربا ليحصل عليها.. يستعرض ألبيرلوندر رحلته الشاقة والمطولة بحثا عن صائدي اللؤلؤ، وتحديداً عن جزيرة تنام على صفحة مياه الخليج العربي الفيروزية، أشبه بسلة أميرية تظللها قبة من السحب الوردية، إنها البحرين، البحرين الشهيرة، الجزيرة السحرية، حيث تخرج النساء الفاتنات صباح كل يوم من حمامهن ويسرن فوق الرمال وأيديهن مكسوات باللآلئ!.. هكذا كان الكاتب الفرنسي يصف البحرين، ويتفنن في وصفها بأشكال ومفردات عدة قبل وصوله إلى البحرين.. لكنه بعد كل هذا الترحال.. وبعد أن يراها مرأى عين قد وقد يقول غير ذلك.. فمن السويس إلى جدة أو بلد الفضيلة كما يحب أن يسميها، ردا على رسالة وصلته وتسلمها قسرا من يدي أحد أعضاء "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، والتي تسن له بالرمح والسنان كل ما هو حلال (بلال) وما هو حرام عليه.. إلى جيبوتي الجميلة كما يقول عنها.. مرورا باليمن ساحل القراصنة بدبي.. ليحط رحاله بعد عناء شديد على سواحل الجزيرة السحرية كما كان يعتقدها.. "المدينة برمتها رائحتها نتنة جدا، حيث تفوح منها رائحة الشعب المرجانية.. وتوجد فيها قطعان من الماعز، ويوجد رجل فارسي مرتد طاقية جميلة من الورق المقوى على رأسه! ورجل أعمى.. ويتحدث الأطفال عن اللؤلؤ، ويتحدث الرجال عن اللؤلؤ.. وفي هذا المقهى الريفي المقام على الطريقة التركية يتحدثون عن اللؤلؤ.. ويتحدثون عنه في السوق.. ويعرض علينا هذا الشحاذ قواقع تشوبها عيوب، وهو أعمى أيضا.. أسراب من الذباب تحوم غدوة ورواحا، ويتطاير السرب أحيانا يمنة ويسرى، وينبغي عندها الفرار منه.. وتوجد فتاة جميلة سوداء، لا شك أنها أمة.. وأبقار تأكل.. ماذا تأكل؟!.. نعم، حقا؟!.. تأكل سمكا وتمرا.. إنها البحرين".. نعم إنها البحرين حيث لا غرابة أكثر من غريبها.. أبقار تأكل سمكا وتمراً!!.. ولكن الأجمل من كل هذا أن السيد ألبيرلوندر لم يقض نهاره الأول على الجزيرة التي يحلم بها إلا وهو في مخفر الشرطة وبزيارة جبرية إلى المدعو السير "تشارلز بلجريف" مستشار حكومة البحرين في الفترة 1926-1957م.. حيث جاء في مذكراته سردا يتطابق مع قصة السيد ألبيرلوندر.. لا يسعني أن أوجز كل هذا الكتاب في هذه المساحة الصغيرة.. خصوصا وأنه ملم بالكثير من التفاصيل حول طريقة عيش الغواص.. وحول لعنة اللؤلؤ والـ (يا مال).. هذا المال الذي لا يأتي.. تفر قوتك من بين عضلاتك ولا يأتي.. تفقد بصرك وأنت تبحث عنه، ولا يأتي.. تبتر قدمك أو تحمل على النعش، ولا يأتي.. هنا يكشف ألبيرلوندر -كما يقول الدكتور منذر- لقرائه كيف أن (عجائز) في سن الخامسة والثلاثين قد أصيبوا بالصمم والعمى والسل، أو أنهم يقضون نحبهم جرّاء انفجار رئاتهم، لكي يتسنى للمحظوظين، على الجانب الآخر من العالم، أن يظهروا، على الملأ، ثراءهم وأناقتهم..
<<الصفحة الرئيسية











