حسين عبدعلي
.

:: الصينيون يتحكمون بطيران الحمام

 

 

 

في طريقي إلى البيت أدرت المذياع على موجة بي بي سي، هربا من كل السخف الغنائي والإسفاف المؤذي لطبلة الأذن.. ليس تعاليا ولا تكبرا، ولكن لحاجتي الماسة لقسط من الراحة من كل هذا (الهَبَل).. فجئت بخبرٍ مفاده أن الصينيين تمكنوا من توجيه طيران حمامةٍ بزرعِ موجات سالبة وأخرى موجبة في دماغها.. وصار الصيني لديه القدرة أن يتحكم بطيران الحمامة إلى جهة اليمين أو جهة اليسار، حسب ما يشتهيه.. أشبه بالريموت كنترول وطائرة إلكترونية..

 

لوهلة.. وكنت فاغر الأشداق، لكنني استدركت أن ما توصل إليه الصينيون جاء متأخراً ومتخلفاً عما وصلت إليه الجمعيات السياسية في البحرين، وما احتذت به أطفالها من الجمعيات الشبابية.. فإذا كانت الصين تمكنت للتو من التحكم في طيران حمامة، فالجمعيات لدينا تتحكم ببني آدم حتى قبل نشأتها.. وببلادة تحولت الأصوات البشرية إلى صدى صوت الجمعيات، وتحولت أفعالها إلى ردة فعل لا أكثر..

 

أتذكر جيداً عندما خُيّرت بين النائب الحالي الشيخ حسن سلطان والنائب السابق جاسم عبدالعال في الإنتخابات البرلمانية الماضية.. وأحمد الله تعداد ذرات الرمال يوم رفعت يدي عن هذا وذاك، ليس تجنباً عن الدخول بين السلاطين، ولا شرعية لحركة حق برئاسة الشيخ حسن مشيمع المقاطعة.. ولكن امتثالا للرأي القائل: جيشٌ من الأسود يقوده أرنب هو جيشٌ بائس، وجيشٌ من الأرانب يقوده أرنب هو جيش لا نفع منه..

 

وقتها.. لم أكن مؤمنا بإنجازات جاسم عبدالعال تحت قبة برلمان 2002-2006م، وإن كانت كفاءته تفوق الشيخ حسن سلطان بالنسبة لي، هذه الكفاءة التي أدخلتني جدلا مطولا مع الكثير من الأحبة.. إلا أن هذا الأخير تشفع له أيام السجن من الناحية العاطفية.. وكادت غفلتي تقودني لترشيح خريج السجون هذا ولكن رحمة الله التي أنقذتني من الغفلة جاءت على لسان السيد عبدالله الغريفي والشيخ عيسى قاسم، وبالتحديد من أروقة المجلس العلمائي.. يوم جاء بيانهم مصبوغا بصبغة دينية بحتة تقتضي بالناخب أن يتبع ما يقولونه.. وإذا أتبع رأيه وما يراه هو شخصيا وأختار نائبا، ثم قام هذا النائب بقرارات خاطئة فالنائب ومن اختاره آثمان لهما عقابٌ عند الله.. أما إذا اخترت ما اختير لك من قبل المجلس العلمائي فلا ذنب عليك، بل يتحمله المجلس..

 

هذا إلى جانب المصطلح الديني الجديد الذي نزل من السماء فجأة.. وهو (النصيحة الفتوى).. يوم جاءت وصية آية الله السيد علي السيستاني وتوجيهات آية الله السيد محمد فضل الله، حيث اعتبرت هذه النصائح بأنها نصائح ولكنها بقوة الفتوى، على اعتبار النصيحة من رجل في هذا المستوى هي فتوة.. الله أكبر..

 

على الرغم من استيائي من الطريقة التي تم فيها تناول نصيحة السيد السيستاني، فهي نصائح ممكن ان تقرأ من الجهتين.. إلا أنني شعرت بحق أننا أصبحنا كحمامة الصيني، وكأنما هناك جهاز تحكم عن بعد، يختار لنا ما يجب أن نختاره، ونبتعد عما يجب عن نبتعد عنه، حتى ولو كانت لنا فيه غضاضة..

 

لا يعتقد أحدكم أنني ضد الوفاق والمجلس العلمائي.. فاختراع الصين الجديد كان موجودا سلفا لدى أخواننا الماركسيين وغيرهم.. الذين يتشدقون باسم الإنسانية في حين يحولون الإنسان لقالب يصبون فيه كل أفكارهم، أفكارهم وحسب.. وحينما تخالفهم في أمر ما، تكون خارجٌ عن الملّة.. وهل ثمة اختلاف بين التكفير وبين الخروج عن الملّة؟!.. لا أعتقد ذلك..

(2) تعليقات

:: في عيادة الأسنان

 by klimt 

تتذكر، عندما نسيت كيف تتنفس؟!

وأنت تراقب السماء، حيث الأطفال يقفزون..

أتشعر بالألم؟!..

لا..

إذا لماذا كل هذا الإزعاج؟!..

 

خرجتُ –للتو- من عيادة طبيب الأسنان.. مازالت أدواته تضج في رأسي، خصوصا أداة الحفر التي تصدر صوتا مزعجا، تذكرني بـ "البلدوزر" الغبي الذي يقف بالقرب من نافذتي وما إن تحل الساعة الخامسة صباحا حتى يهتز منزلنا بأكمله..

 

أعرفُ جيدا أن الذي سيُقبل على إعادة ترميم أسناني -التي أفسدها الزمن بمعونةٍ مني- هو أشبه بالإستشهادي المُقبل على عملية استشهادية.. لذلك، فأنا أشفق عليه أكثر مما أشفق على نفسي.. ولذلك، فإن العلاقة التي يشوبها عادة توتر بين المريض وطبيب الأسنان، هي تحمل توترا آخرا بالنسبة لي.. توتر الضحية التي تشفق على جلادها.. لربما هي إحدى مجازات بورخيس الأساسية.. ولربما هو تحوّل الضحية إلى قربان، بعدما تنتقم من الجلاد عبر إلغاء دوره وبالتالي إلغاءه.. 

 

تمددت على كرسيه، أراقب الصور التي يعلقها في السقف.. طفلةٌ تقفزُ مشمّرةً عن ذراعيها أمام مدخل متحف اللوفر.. طفلةٌ أخرى تقفز بنفس الهيئة بالقرب من أحد السواحل.. الدكتور نفسه يقفز في زقاق صيني.. طفلٌ يقفز.. طفلة تقفز.. هل تريد أن تنسيني وجعي أم وجعك؟!..

 

بدأ الحفر.. رأسي يضج.. طفلةٌ تقفز.. جي 2.. لعابي يسيل من طرف فمي.. أفتح أكثر.. شفتي العلوية تكبر.. يبدل الدكتور نظارته.. كل التوتر في أصابع يدي.. أفتح أكثر.. موعدك بعد أسبوع..

 

أكتشفت حينها أنني نسيت الكلام..

(2) تعليقات

:: خربوش.. وبداية فصل دراسي جديد

جامعة البحرين

 

في بداية كل فصل دراسي، نسوق للطالب سيلاً من النصائح والإرشادات.. ماذا لو قلبنا المسألة؟!.. فالطالب ما هو إلا طرفٌ في معادلة تحمل في الجهة الأخرى منها العديد من الأطراف، الذين يستحقون النصح والإرشاد.. فنقول بما تسمح المساحة بقوله:

 

-         إلى دكتوري العزيز.. ها نحن مقبلون على فصل دراسي جديد.. هل فكرت في أن يكون هذا الفصل مغايرا؟!.. هل فكرت بأن تحضيرات الدروس المكوّدة على طاولتك منذ عام 1989م لم تعد تجدي ولا تنفع في وقتنا الحالي؟!، خصوصا وأن عجلة العالم تدور على نحوٍ لا يمكننا ملاحقته.. ألا تعتقد بأن تلخيص مادة من موادك عن طريق برنامج (البوربونت) الذي تفرضه على طلبتك، لتقوم بتدريسه لطلبة آخرين هو نوع من أنواع الكسل و(العيارة)، لا يتناسب مع بداية جديدة ومغايرة؟!.. ألا تعتقد بأن حدّ السيف والتهديد بالدرجات والتهجم في وجه الطالب لا يخدم أهداف الرسالة التي تقدمها؟!..

-         إلى رجل الأمن، مع التحية.. يقول فولتير: "الإبتسامة تذيب الجليد، وتنشر الإرتياح، وتبلسم الجراح.. إنها مفتاح العلاقات الإنسانية الصافية".. وما أحوجنا إلى علاقة إنسانية صافية بين رجل الأمن والطالب في جامعة البحرين، فقليلٌ من الإبتسامة لا يضر يا أخي.. بالإضافة إلى ذلك فكلنا معرضون للخطأ، لكن هذا لا يعني أن أتربص لخطأ الطالب.. أن أحترق حسرةً وندماً عندما أراه يتفادى الوقوع فيها.. عزيزي.. لا تُأكل الترقية من كتف الطالب، ولا هكذا تورد الإبل..

-         دائرة الأنشطة الطلابية.. تحية طيبة وبعد.. وهذا فصلٌ جديد.. والجديد نقيضُ البِلَى كما يقول ابن منظور في كتاب لسان العرب.. وعليه، فعملية (الكوبي/بيست) التي تقوم بها الدائرة لأنشطتها في كل فصل لا تتناسب من نظرة ابن منظور في تعريفه لكلمة (جديد).. لن أطالب بفعاليات توازي افتتاح أسياد آسيا في الدوحة، كما لمّح له أحد الطلبة في مقال نشرته ذات يوم، ولكن أضعف الإيمان أن نمّد يد العون للطالب لا أن نقف أمامه حجرة عثرة..

-         أعضاء مجلس الجامعة الموقرون.. غياب الصيفي وعودته.. الإعفاء.. مواد برنامج البكالريوس (مواد 300 و400).. وغيرها من القرارات التي تعكس أنكم مازلتم تقبعون في برجكم العالي، بعيدا عن الطالب وعن همومه.. حتى بات الطالب يخاف كل الخوف أن يستقبل فصله الدراسي الجديد، بقنبلة قانون جديد، تكون عثرة في طريق تخرجه..

 

في الأخير أتمنى التوفيق والنجاح للجميع في فصل دراسي جديد، يكفيكم الله شرّه وينعمكم بخيره..   

(0) تعليقات

:: السعداوي - الذي قتله مرهون وأسكنه أبو اصبع زمن المشمش

 

بعدسة خالد الرويعي- ماذا تحمل على عاتقك؟

 
 

"للفنان المسرحي عبدالله السعداوي تجربة خاصة في التعامل مع المسرح،ليس بوصفه مادة فنية، أو إبداعية فحسب، ولكن المسرح بوصفه حياة، وطريقة عيش، ومنهج تفكير"(1)

 

ومن أنا كي أتجرأ لأكتب عنك؟!.. وأنا الذي يراك أشبه بجبل جليد، ما يخفيه تحت سطح البحر الهادئ أكبر بكثير مما يُظهره.. فاسمح لي خطيئتي.. لم اقوى على السكوت حين رأيتك تعرج من أثر وجع (الديسك) الذي ألم بك.. فأراك رجلا يحمل هم المسرح على عاتقه.. ويمشي..

 

وأنا أعيش تجربتي الثانية معه -بعد مسرحية الساعة الثانية عشرا ليلا، وإن كان كل يوم بالقرب منه هو تجربة مستقلة بذاتها- حاولت بقدر المستطاع أن انهل منه، وهو الذي لا ينضب.. وإن كانت تعتريني لحظات من الكسل أحيانا، إلا أنني قمت بتدوين يوميات البروفات وتوثيقها، لربما تظهر في يوما من الأيام في كتاب مستقل تحت عنوان (أنا والسعداوي)..

 

فكرة التوثيق نبعت من وعيي التام أن السعداوي وُجِدَ في زمن الأغبياء والجهلة ومغتصبي الثقافة والمسرح.. في زمن المتحجرين والمتخلفين والمنحرفين والمتحللين والمتفسخين.. في زمن الهمج والرعاع والبغاء والعار والسفهاء و.... أنهكتني أسماؤكم يا ثلّة من السفلة..

 
السعداوي في مسرحية الكمامة
 

فكرة التوثيق نبعت لأني أتفق تماما مع ما كتبه الأخ حسين مرهون في عموده تحت عنوان (اقتلوا عبدالله السعداوي): "فمن يجهل السعداوي هو من يريد أن يجهل.. ومن يعرف السعداوي من يريد أن يعرف".. وبين هذه وتلك يحاول السعداوي مواصلة حياته وطريقة عيشه ومنهج تفكيره..

 

وكما يقول حسام أبو أصبع في مقاله (السعداوي في زمن المشمش): "على الرغم كونه –أي السعداوي- لا يطمح في قضاء عطلات الصيف في المنتجعات الأوروبية أو في شراء السيارات الفارهة أو يسعى لاستكمال بناء فلته واستيراد أجود أنواع الرخام لها، وهو ليس من المترددين بشكل منتظم على الجهة الرسمية للحصول على تمويل لسفراته حتى يشارك في أمسيات وندوات ما أنزل الله بها من سلطان".. وإنما ما يريده هذا الرجل هو أن يعيش، وكالسمكة التي لا تستطيع العيش بعيدا عن الماء، فهو لا يستطيع العيش بعيدا عن المسرح..

 
السعداوي لحظة استلامه جائزة أفضل مخرج في مهرجان القاهرة التجريبي
 

لكنهم رفضوا أن يمنحوه التفريغ ليعيش.. ولم تجانب الصواب يا ابن مرهون حين قلت: "هم لا يريدون قتله.. يريدون له موتا باردا".. لو قتلوه، لأضحى شبيها بسقراط الذي كان بمثابة الذبابة التي تحاول إيقاظ الحصان الكسول وابقاء أثينا حية.. لو قتلوه، لبات أشبه بالمسيح يحمل صليبه بين أروقة المسارح ليصلب عليه.. لو قتلوه لجعلوه حلاجاً آخر.. لكنهم لا يريدون قتله..

 

لربما من الأفضل أن أعد مع مرهون: سنة، سنتان، ثلاث.. عشر.. وفي نهاية كل سنة نتقدم جميعا نحو النافذة، ونفتحها بهدوء.. ونطلق (في المشمش) صرخة، يهتز لها المبنى الذي يضم مسرحي الصواري وأوال. هذه الصرخة المشمشية هي التي تحدث عنها حسام كإحدى طرائق تعبير السعداوي عن امتعاضه أو استيائه من أي شيء.. وكم نحن بحاجة لها، فنقول: بالمشمش يا كومة الجهل.. يا أباط الفيلة.. يا بعر الجمال.. بالمشمش تطيب لكم ثقافةٌ وأنتم تدوسون على أهلها..

 

 

 

(1)                 من كتاب الزمن، النحت، السرد- قراءات في تجربة عبدالله السعداوي المسرحية.. إعداد حسام أبواصبع..

 
للإطلاع على مواضيع في نفس السياق: 

-          مقال (اقتلوا عبدالله السعداوي- حسين مرهون)..

(4) تعليقات

:: طاعن في الوقت

بعدستي - طاعن في الوقت
 

لكأن الله يمسح التاريخ بوجهك..

أنت في وجع السنين وهَنتْ..

وأنا في سقم الحب وغياهبه..

كلانا ضحية..

(3) تعليقات

:: تجـــارةُ بدم الإمـــام

وكنتُ قد كتبتُ ذات يومٍ من محرم في (خربوش)*:

 

ليكن.. إن قالوا حديثي ينكؤ جرحا لم يندمل، فليكن ذلك..

 

وقال قائلٌ منهم: "هل أدلكم على تجارةٍ تدرّ على جيبوكم المال؟!".. وكل ما يترتب عليك هو إيجاد رادود حسيني ذو سمعة وصيت، لتنتج إصدارا عزائيا يباع في العشرة الأيام الأولى من نزوله للسوق ما يقارب الـ 80 ألف نسخة، كل نسخة تباع بسعر يتراوح بين الدينار والدينار والنصف.. ولن أعطيكم درسا في الرياضيات..

 

الرادود الذي يعي تماما هندسة الربح التي تهل على التسجيلات الإسلامية من وراء صوته، لا يخرج من المولد دون حمص، ولذلك يحصل على نصيبه من الكعكة..

 

وللرواية فصول.. فصلها الأول يتجلى في أروع مشاهد العمل التطوعي، والتفاني من أجل المبدأ والعقيدة.. حيث ينشد الرادود رثائيته بعيدا عن فلسفة التجارة والربح، مؤجلا المردود إلى ميزان أعماله.. حتى غزته المشاركات خارج مملكة البحرين (الكويت أو السعودية أو عمان على سبيل المثال).. ولإختلافٍ لم يدركه الرادود في كيفية الممارسة، كان المسؤولين على المآتم يضعون بعض (الخريدات) في يد الرادود فور إنتهاءه.. ليس أجراً.. ليس راتِباً.. ولكنها مكافأة جاءت بحسن النية.. وهنا جاءت الطامة الكبرى..

 

ازدادت المشاركات الخارجية، وبات الرادود يبسط يديه كله مرة عند ما ينتهي من إنشاد رثائيته، لتتساقط عليها النقود.. وفي كل مرة كان يزيد الرادود في البسط، وتتزايد النقود.. صارت عادة تحولت إلى إدمان.. صار الرادود يسأل خليله: "كم حصلت؟! 200 دينار فقط؟!.. لقد خدعوك.. فهم يعطوني أكثر".. فيرد الخليل: "أراويهم مرة ثانية".. حتى طلب المشاركات الخارجية تغيّرت صيغتها.. فصارت: نوّد من سماحتكم تشريفنا بالمشاركة في المأتم الفلاني، كم تستلمون حضرتكم؟!..

 

أذكر –وعلى سبيل الطرفة- أنّ أحد الأصدقاء أخبرني قصة ذات يوم.. وفيها أتصل أحد الأخوان من السعودية إلى الرادود جعفر سهوان.. ودار الحوارالتالي:

 

-         ألو.. سلام ٌ عليكم.. الأخ جعفر سهوان؟!..

-         نعم.. من معاي؟!..

-         معاك فلان من المأتم الفلاني في السعودية..

-         يا هلا فيكم..

-         بس إذا ما عليكم أمر، حبينا مشاركتكم معانا في الوفاة الفلانية..

-         حاضرين لكم ولخدمة الإمام..

-         بس.. أنتون كم تآخذون..

-         مع السلامة.. طوط.. طوط.. طوط.. (جعفر سهوان أغلق الهاتف)..

 

تتشابك حبكة الأحداث في الراوية، وتتعقد فصولها.. لتخرج لنا مسألة الإصدارات العزائية.. بات الرواديد يلهثون وراء الإصدارات، بغض النظر إن كانت محكومة بأداء وألحان وكلمات متقنة أم لا.. ما يهم، هو أن يخرج هذا الإصدار للنور، يلهث وراءه مقدسي الرادود، يشترونه بكميات تصل إلى حد الخيال أحيانا، فيأتي الربح..

 

هي معادلة ظاهرها خدمة الإمام وباطنها وحشٌ مادي لا يعرف الرحمة.. فتزداد الرواية تعقيدا وتعقيدا.. خصوصا وأن المآتم المحلية استوعبت اللعبة مؤخرا.. ولذلك هي تدعوا أحد هؤلاء الرواديد الذي تلهث وراءه جماهير غفيرة تفوق جنونا وهياما في تصرفاتها الغبية والمراهقة ما يقوم به معجبي المطربين والمغنيين.. ويقوم المأتم بمنع التسجيل والتصوير لكي يكون حصريا للمأتم نفسه.. بعدها فأمامها طريقان: الأول أن تتفق مع تاجر يقوم بشراء حقوق التسجيل والنشر.. والثاني أن تسوق الإصدار بنفسها.. والرادود هنا أذكى بكثير، فبطلب أجراً لإحياءه لهذه الليلة ما دامت حصرية، فيستلم مبلغا لا يقل عن 600 دينار.. 600 دينار في ليلة واحدة؟!..

 

البعض يحاول أن يربط المسألة بما يستلمه خطيب المنبر.. وإن كانت ثمة تلاق فإن هناك بون شاسع بين هذه وتلك.. أنا لستُ مع تلك الآلاف التي يستلمها الخطيب، ولكن ربما سنين الدراسة، والتحضير الذي يسبق شهر محرم بعدة شهور يشفع للخطيب.. وإذا ما افترضنا أنه من الخطأ أن تصرف هذه الآلاف لعشرة أيام فقط، فهذا لا يسول للرادود أن يمارس الخطأ نفسه..

 

والسؤال: بأي نية ينشد الرادود وهو يستلم هذه المبالغ؟!.. بأي مصداقية أستقبل كلماته الرثائية والنصائح التي جلّها تصب حول العمل التطوعي، والتفاني في خدمة الإمام الحسين (ع)، وحول أهداف الإمام السامية؟!.. أليس كل هذه الأموال التي تملئ بطون الرواديد وأصحاب التسجيلات الإسلامية هي تجارة بدم الحسين (ع)؟!..

 

 

* مقال أسبوعي ينشر في ملحق الشباب بجريدة الوطن

(4) تعليقات

:: صج قديم- الأم العودة.. والنقل العام *

نقل العام

 

-         أم خلّود جارتنا.. تذكرونها؟!.. إللي شرت ليها موبايل جديد.. هالمرة رايحه لها من صباحة الله خير، إلا هي متبرزه وبتطلع.. هاا حجية وين على الله؟!.. قالت بروح الدختر.. عندها جلسة علاج طبيعي.. الآنكل مال ريولها مفتر.. عداال اللي يسمعج ألحين يقول أنتي رووليناديو اللي يلعب كوررة ويحبه وليدي، والله بيقول عنج علاء حبيل..

-         المهم عن قعدتي بريحاتي، حملتي روحي ورحت معاها.. ولأن ما عندنا سيارة قعدنا في محطة النقل العام..

-         النقل العام؟!.. تذكرون النقل العام لأحمر؟!.. والله أيام.. الواحد يمشي في الشارع يمر عليه النقل العام، ما يشوف إلا هندي مطلع رآسه من الدريشه، وخذ (أتفوووو).. لوّع الله جبدك..

-         في ناس يعورون قلبي وأنا أشوفهم يركضون للباص.. وتوهم بيركبون إلا الباص مشى.. عاد ألحين أنطر بعد ساعة لين يجي باص ثاني..

-         عاد في يهال ما شغلتهم إلا يجمعون طماطه خايس، وينتظرون الباص.. وأول ما يمر تسمع (هجووم).. ليش عاااد؟!.. ليش تسوون جذي؟!..

-         هذا غير اللي يدفع نص ربية ويقعد، ويآخذ فرة على البحرين.. ما عندهم سالفة، كلها نص ربية والباص يآخذ فيهم فرة..

-         عاد خباز فريجنا ما يسوي خردة إلا من عند السايق مال الباص.. أوّل ما يوقف تقول كأنهم يهربون مخدرات.. واحد حامل جيس، والثاني يحسب ويطالع يمين ويسار..

-         ويقولون عنّا مو راقين؟!.. إذا لا سمح الله وحصلت على كرسي وقعدت على ذيج الحطبة، ما يقصرون الشباب يخلونك تتعرف على الفن التشكيلي (وآشكي لك) والرسومات.. H+R=LOVE.. واللي كاتب (ذكريات الفارس الأحمر).. فارس وراكب نقل عام؟!.. وغيرها وغيرها..

-         ما أطول عليكم السالفة.. جاء الباص الجديد.. كراسي ويش حلاوتهم.. نظيف.. هو صح أغلى بس يالله ويش نسوي.. وأوّل ما وصلنا المستشفى.. تبّون تعرفون شنو صار؟!.. أقول لكم الأسبوع الياي..  

 

*المقال منشور في ملحق الشباب بجريدة الوطن- يوم الإثنين 19/2/2007

لمشاهدة المقال من الجريدة (ادعس هنا)

(0) تعليقات

:: خربوش.. والآيلة للسقوط!!*

مقر صندوق كرزكان الخيري
 
لم تكن علامة التعجب التي ارتسمت على محياي تختلف كثيرا عن تلك التي ارتسمت على النائب البلدي علي منصور، حين طلب من صندوق كرزكان الخيري لائحة بالبيوت الآيلة للسقوط في المنطقة، على اعتبار أن الصندوق هو أهل الإختصاص، والمحيط بكل هموم ومشاكل القاطنيين.. ليأتيه الرد عبارة عن أربعة بيوت فقط!..

 

أربعة بيوت فقط؟!.. كرزكان التي تقع على الساحل الغربي من جزيرة البحرين على يمين جسر الملك فهد بعدة كيلومترات، يحدها من جهة الغرب المزارع والبحر، ومدينة حمد شرقا، وقرية دمستان شمالا، وقرية المالكية جنوبا.. يقطنها أكثر من سبعة آلاف نسمة، في مساحة لا تتجاوز 7844000 كلم.. ومثلها مثل القرى المجاورة، في جولة سريعة في أزقتها ستكتشف أن كرزكان بحاجة إلى إعادة هيكلة بنيتها التحتية بأكملها، وليست إعادة بناء أربعة بيوت فقط..

 

بعض الأهالي تقتصر أمنيته في الحياة أن يركن سيارته أمام منزله، في حين من الإستحالة تحقيق هذه الأمنية في ظل تداخل البيوت في بعضها البعض.. آخرون، هم بحاجة إلى تبديل (الجامبينات) في سيارتهم بشكل دوري، وذلك نظرا للشوارع التي لم ترى (الأسفلت) في حياتها  قط.. ولن أتحدث عن سقوط المطر، حين تتحول غرفتك إلى مستنقع، أو حين تتحول القرية بأكملها إلى جزء مقتطع من مدينة البندقية.. لن أتحدث عن الألف مرتفع ومرتفع، والتي وضعت في الشوارع بشكل عشوائي، لتضطر سيارتك صعود مرتفع بين كل مرتفع ومرتفع..
 
علي منصور ومحمد جابر
 
جولة بسيطة، وتتساءل: كيف حصر الصندوق في تلك المنطقة البيوت الآيلة للسقوط في أربعة بيوت فقط؟!.. وعلى ما يبدو فإن النائب البلدي علي منصور لم يكتشف جوابا مقنعا، فلجأ إلى بعض الشباب ليقوموا بمسح نظري إلى المنطقة والبحث عن حالات أخرى يمكن إدراجها ضمن اللائحة..

 

الجدير بالذكر أن رئيس الصندوق الحالي هو نفسه النائب البلدي لنفس المنطقة في السنوات الأربع الماضية.. لترتسم على محياي علامة تعجب أكبر!!..

 

 

*المقال منشور في ملحق الشباب بجريدة الوطن- يوم الإثنين 19/2/2007

لمشاهدة المقال من الجريدة (ادعس هنا)

(0) تعليقات

:: صورة الماء..

 

بعدستي - ذات بحر

 
 
أسرفُ في هذياني، فأسرد سيرة الماء علّه يطبطب على حمّاي.. أتذكر قارئة فنجاني في حومة الحمى، يوم وقفتُ أمامها عبوسا صامتا حتى جف فنجاني المقلوب، كان شفافاً لا رسم فيه سوى الماء..   فقالت باستغرابٍ فاضح:

 

"مجهولك يا هذا.... "

 

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى وقالت:

 

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم"..

 

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى، دعست سبابتها فيه لتدير قعره برفق، وقالت:

 

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعينٌ مفقوءة تتربص بك.. وأفعى سامةٌ مبتورة الذنب تحاول لدغك، لكنك... "

 

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. وضعت الفنجان جانبا وحدقت في عيني وقالت:

 

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعذرني يا ولدي.. لا أستطيع قراءة فنجانك.. فأنا لا أفقه لغة الماء"..

 

لم أدفع كلفة فنجاني.. مضيت كما كنت، عبوسا صامتا، ولم أسأل.. شفافٌ كالماء..

 

*************

 

"تستندُ على ذاكرةٍ مثقوبة، لكنّك لا تنسى يوم مولدكَ أيها القابض على المسافات.. وقتذاك، لم تستطع أمك أن تمارس غوايتها.. لم تستطع أن تستدرج فتى الكف الذي لم يبلغ الحلم بعد ليُدخل الكف سراً من الباب الخلفي، والذي كان في موكب العشرين من صفر المتوقف أمام عتبة داركم لقراءة زيارة الإمام الحسين (ع) عند الوطأة..

 

"أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمّات ثيابها.. وأشهد أنك من دعائم الدّين وأركان المؤمنين.. وأشهد أنّك الإمام البّرُ التقي، الرّضي، الزَّكي، الهادي، المهدي.. وأشهد أن الأئمة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى والعروة الوثقى والحجة على أهل الدنيا.. وأُشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أني بكم مؤمنٌ وبايابكم موقنٌ بشرائع ديني وخواتيم عملي، وقلبي لقلبكم سلمٌ وأمري لأمركم متَّبع.. صلــ... "

زيارة وارث

 

لم يكن الصوت شجيا.. لكن أمك تدوس على آهاتِ "الطلق" لتكرر ما يردها من مكبرات الصوت.. تنجح في إتمام جملة، وتعجز عن أخرى.. بينما جارتك العجوز تتخبط بيمينها لتمسح العرق عن جبين أمك بقطعة قماش بالية.. وأنت.. يضيق بك الفضاء وينقبض.. يضيق وينقبض.. يطردك إلى فضاء آخر لا تعرفه.. فتنزلق إلى يد السيدة.. عجوز الحي التي تهتم بكل حالات الولادة..

 

كل عويل العشرين من صفر زغردات مخاضك.. كل البكاء كان بوح طلتك الأولى.. كل اللطم تصفيق نفاسك.. كل الهواء كان في مشيمتك.. المشموم الذي تلقيه النساء على الفرس الأبيض المدبوغ بالأحمر تشبها بذي الجناح كان لك.. لكنهم نفضوا سيرتك كما نفضت السيدة الماء عن يدها بعدما لفتك في قماش أبيض، وأودعتك حضن أمك، وقالت:

 

"سموه حسينا"..

 

حتى أبوك ما بورك له.. ركض أخوك ليخبره بمجيئك وسط الموكب، ليقلّبك في يديه أشبه بدميةٍ ذات لحم ودم.. ثم أودعك حضن أمك، وقال:

 

"سموه حسينا"..

 

عطيشٌ اسمك.. جافٌ مولدك.. فالتٌ من بين أصابع الماء، يسرد سيرة الجٍّب.. لم يكن المكان يتسع لك.. وما الحديث غير افتراء.. كذبٌ أشبه بدم قميص يوسف، لكنك كنت عارٍ.. لو همت في ماءك لنمت عجينا من طين.. علقةٌ وطين مخاض"..

 

كل شمسٍ تشدُّ رحالها في ليلٍ ليست فيه.. لقبرٍ لا تبلغه.. كانت تسرد سيرتي.. تقرض جزع وحدتها بعنان ذاكرتي، وتقول:

 

"أرأيت؟!.. لست وحدك في كل هذا الليل.. ولا تملك فيه ثمة خليل"

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com