حسين عبدعلي
.

:: صراع الديوك

بعدستي- صراع الديوك

 

لي صديقٌ عزيزٌ على القلب، يكبرني من السنين شيئاً قليلا، وفي الطول شيئاً أقل.. نظارته الطبية الصغيرة ترسم على ملامحه شيء من الجدية.. وهو يشبهني بشيء من الكثرة، لدرجة يخال فيها البعض أنه أخي، وربما طول الأنف يلعب دورا في هذه المخايلة... وعلى الرغم من كل هذه الشيئات، أعذروني، فلن أخبركم باسمه لأنني لا أوّد أكل لحمه نياً، أي أن أغتابه.. وبما أنكم عرفتموه إنه (باسل حسين) دون أن أخبركم باسمه، ولا أعرف حقيقةً كيف عرفتموه، وأحمد الله أنني لم أكن سببا في معرفته فأحمل خطيئة غيبته، ومادمت عرفتموه دون عونٍ مني فلا بأس بذكر اسمه الآن..

 

باسلٌ هذا له قدرة (تحاججيه) وجدالية بامتياز، فهو يستطيع أن يجادل في أي شيء، وفي أي وقت، وفي أي مكان.. وفي كثير من الأحايين استمتع بهذه الجدليات حتى ولو كنت مؤمناً –على نحو مسبق- بأن الحديث معه عقيم (لا يوّدي ولا يجيب).. لكن الغريب في الأمر، أنه يخصني في أجندة جدلياته في الأمور العقائدية والوجودية والفقهية والإمامة.. ولا أعرف سبباً -كما لا أعرف كيف عرفتمو اسمه- لماذا يخصّني بذلك، وكأنما رأسي تعتليه عمامة، أو تتدلى من على كتفي جبة رسول الله (ص).. ومع ذلك، أناقشه بغية عمل (refresh) لمعلوماتي المتواضعة في هذه المواضيع.. ولإغاضته وإثارته، أتمادى في نقاشي معه لأبدو متطرفا.. وأحيانا أتقمص دور فيصل القاسم في الاتجاه المعاكس، فأردد دون انقطاع (يا سيدي.. سأعطيك المجال.. يا سيدي يا سيدي يا سيدي)، أكررها على نحو تكون فيه أشبه بالفاصلة أو بالمسافة بين الكلمة والكلمة، فيزداد غيظا..

 

ما أوّد قوله في هذا المجال، وما أوّد قوله عن باسل -الذي عرفتموه دون أن أذكر أسمه- هو أنه في العادة مؤمن بفكرة معينة، وأنا مؤمن بالفكرة المضادة، وكلانا مقتنع بأن الآخر لن يؤثر في هذا الإيمان، ومع ذلك ندخل في هذه النقاشات المطوّلة، بهدف نتفق عليه نحن الإثنان حتى ولو كان مبطناً، وهو أن نمضي وقت ممتع بالنسبة لنا، مزعج للأطراف المحايدة، وأن نمّرن أساليبنا الجدلية والنقاشية، أما في كثير من الأحيان فهي لا تتعدى المزاح..

 

لكن الغريب والمزعج عندما تكون هذه الحالة ليست حكراً على (باسل وحسين)، بل نجدها تتعلق بأمور مصيرية داخل المؤسسات الحكومية وتوابعها، ووسط الجمعيات السياسية، والندوات العامة -سياسية كانت أم ثقافية-.. مزعج أكثر عندما نقرأها في أعمدة الصحفيين، ونستخلصها مثل الشعرة في صحن (هريس) من ثنايا خبر صحفي، من المفترض أن يكون بنيانه الحيادية والموضوعية..

 

لا أحد.. لا أحد يحاول -مجرد محاولة- أن يصغي للآخر.. أن يتعرى من كل ما يؤمن فيه للحظة، ويفتح أذنيه، ويصغي.. وعليه، تسير أمورنا وفق عصبيات ما يؤمن به البعض على حساب الكل.. سنين نحن نختلف فيها، ولكن لم تعلمنا هذه السنين كيف نختلف..

(21) تعليقات

:: حسين عبدعلي.. المفهوم المغاير لتجريب الممثل

 

تغيظني كثيراً عبارة (يكرر ذاته)، لأنها غالباً ما تصدر لا عن دراية حقيقية بالتجربة التي تطلق هذه العبارة عليها، أو على الأقل فلنقل، لا عن اختبار حقيقي لمدى التطوّر الحاصل في جوانب بعينها في هذه التجربة، ولا عن وعي بمدى ما تثير هذه الكلمة في نفس (المبدع / صاحب التجربة) من أسئلة كثيرة قد تأخذ المبدع إلى الانقطاع عن منظور بحثه، والدخول في منظور آخر، بغية البحث عن (التجديد.. هذا) أو (عدم التكرار) فيقع في إشكالية عدم اكتمال التجربة، والدخولات المتكررة في تجارب متعددة، قد لا تفضي إلى فهم حقيقي واكتمال واعٍ.


مردّ
ما أقوله الآن يرجع إلى الفنان حسين عبد علي وعمود الصديق حسام أبو إصبع الذي نشره الأربعاء ١١ أبريل، والذي ذكر فيه أن عبد علي (بإرادة منه أو بغير إرادة يكرر نفسه بسبب التشابه غير المعقول في المسرحيات التي يمثّل فيها)، ذلك أن التمثيل المسرحي بشكل خاص من بين الفنون الأدائية الأخرى وكافة الفنون الإبداعية يتطلّب التجريب والتطوير فيه طول أناة ومثابرة من قبل المبدع / الممثل، وقوة ملاحظة، ودقة تركيز لدى قارئ العمل الإبداعي الذي هو (الممثل حسين عبد علي في هذه الحالة)، فلا تكمن المسألة في التنويع بين الشخصيات في الأعمال المسرحية، بقدر ما تكمن في التأمل العميق لمدى تطوّر القدرات الجسدية والصوتية والشعورية وغيرها لدى هذا الممثل، أي وضع (التجربة بشتّى عناصرها) في موضع ملاحظة دقيقة على مدى زمني معيّن لا يُقاس بعدد الأعمال، ولا بمدى التنوع بين الشخصيات (أو قدرة الممثل على خلق تنوّع في الشخصيات)، بل أساساً يقاس بمدى إدراك الممثل لهذه الشخصيات التي يؤديها وإن تشابهت، وتطويره لهذا الإدراك مع كل عمل، وأدوات قياس هذا تتمثل في ما ذكرنا من طاقات جسدية وصوتية وشعورية وفكرية، إضافة إلى استخلاص البنى النفسية والإدراكية والشعورية لدى الشخصيات، والبناء عليها.


نحن أبداً
لا نترك الفرصة لأي تجربة بأن تأخذ مداها المعقول في الاختمار ومن ثم الاختبار، حتى تصل إلى مرحلة من مراحل النضج، ونطالب التجربة دائماً بالتبدّل والتحوّل ولا نطالب أنفسنا بالتأني في تأمل التجربة وملاحظتها، مطلقين حكم (يكرر نفسه) ناسين أن تجربة الممثل (بشكل عام) يجب أن تقاس بشكل منفصل عن تجارب المخرجين، إذ لابدّ أن نلحظ أن تجربة الممثل لا تؤخذ في كل عرض بشكل منفصل، بل يجب أن نراكم في أذهاننا تجارب هذا الممثل في كل عروضه، كما نلحظ ذلك لدى رصدنا لتجارب المخرجين، والاختلاف يكمن في مغايرة أدوات الممثل عن أدوات المخرج، لذا فإن معرفتنا بأدوات الممثل ومدى تطوّرها وصقلها واختبارها من قبله، هي التي يمكن أن تعطينا نتيجة إن كان الممثل (يكرر نفسه أم لا).


وهذه العبارة لا تطلق على الممثل فحسب،
بل على كل حالة إبداعية دون أن يعاين قارئ هذه الحالة الإبداعية إن كان الخلل يكمن حقاً فيها، أم فيه، أي في التلقّي البسيط والتلقائي وغير المعمّق لأي تجربة، إذ لابدّ لنا لدى قراءة تجربة بعينها أن نلحظ دائماً أن لكل تجربة خصوصياتها، سواء على مستوى فهم الحالة الإبداعية أو على مستوى أدوات المبدع، ولذلك لابدّ لنا لدى قراءة أي تجربة إبداعية أن نبدأ من هذه الخصوصية وأن نلحظ مدى تأثير هذه الخصوصية على نوعية الفهم المغاير لدى المبدع، وأن نلحظ أيضاً مدى تطوّر هذه الخصوصية ومدى استيعابها وتعاملها مع مختلف الموضوعات التي يتناولها المبدع في أكثر من عمل، ومثل هذا العمل في قراءة أي تجربة هو عمل دقيق يحتاج إلى دربة في ملاحظة وقراءة التغيّرات والتبدّلات سواء السلبية أو الإيجابية التي تحدث في التجربة بشكل عام وفي خصوصياتها بشكل خاص.


عبد علي
ممثل (طاقة) كما يذكر أبو إصبع، ولذلك فإن قراءة مثل هذه الطاقة تتطلّب طاقة أخرى في القراءة، ولا يجدي أن نجعل من انهيار مفاهيم كالمختبر والورشة والبحث والبناء على البناء في مسرحنا البحريني، كما يذهب لذلك أبو إصبع سببا في التعجّل بقراءة هذه الطاقة، وذلك بسبب أن مثل هذه المفاهيم - إذا سلّمنا بانهيارها في المسرح البحريني - لا يمكننا التسليم أبداً بانهيارها لدى ممثل مبدع كحسين عبدعلي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفرض عليه كممثل أن يصيبه ما أصاب المسرح البحريني، خصوصاً إن لاحظنا خصوصية تجربة عبد علي والمخرجين الذين يشتغل معهم، ولا يمكننا أيضاً أن نطبّق نتائج قراءتنا للمسرح البحريني، على قراءتنا لتجربة خاصة في المسرح سواء كان عبد علي أو غيره، فكل تجربة يجب أن تقرأ على حدة، بخصوصياتها، وبمفرداتها.


أخيراً
فإن ما يمكن أن نطلبه من عبدعلي ليس ما طلبه منه أبو إصبع بأن يتحرّى هو إيجاد حلول يرتضيها وتلبّي طموحه، بل أن يقف عبدعلي أمام نفسه، وينظر - طالما لم يوجد من ينظر إلى ويقيس ويقيّم تجربة مثل تجربته - إن كان فعلاً قد أنهى - كممثل - مرحلة من مراحل تجريبه على ذاته واختباره لطاقاته، وأن ينتقل إلى مرحلة أخرى من التجريب، أو أن يستمر في هذه المرحلة حتى يقتنع هو تماماً أنه قد أنهاها، ووقتها ولما بعد ذلك.. سنقول لعبدعلي ولغيره من الممثلين والمخرجين والمسرحيين البحرينيين، الذين يشتغلون ويحاولون ويختبرون دون أن يكون ثمة في مقابل ذلك قراءة فعلية لما يقدّمونه، ونقد حقيقي لاختباراتهم وبحثهم، عليكم أن تتحمّلوا هذا العبء أيضاً.. مادام أن أحداً في هذه الساحة الثقافية لم يكلّف نفسه أن يبحث في تجربتكم بشكل فعلي وحقيقي وفاعل.

 

لقراءة المقال من صحيفة الأيام، أدعس برفق هنا

لقراءة مقال حسام أبو أصبع (حسين عبدعلي.. الظلم قادم لا محاله)، أدعس برفق هنا

 

(5) تعليقات

:: متروشكا السعداوي وإشكال مفهوم المشاركة

 

 

بقلم: حسام أبوأصبع

 

عندما بدأ عبدالله السعداوي تقديم مسرحياته حار الكثيرون في تقييم عمله. ومن هؤلاء من انتظر حتى يظفر الرجل بجائزة لها ثقلها ووزنها. فشرعوا، من ثم، يسجلون إعجابهم بالتجربة بعد سنوات التمنع والمراقبة التي لم تخل من توجس وريبة بل ومن حسد وسخرية أيضاً.


ما جاء به السعداوي كان تحولاً دراماتيكياً قلب بموجبه المفهوم السائد للمسرح كما استقر في أذهان العاملين والمتلقين عندنا سواء بسواء. لقد جاء بسلة من المفاهيم والممارسات المغايرة والمختلفة. كان من أبرزها تشتيت البعد الواحد، ومن أهمها الحالة المسرحية قبل العرض المسرحي وأثناءه وبعده.


ومنذ العام 1987 أو ربما قبل ذلك بقليل حتى العرض الأخير ‘’ متروشكا ‘’ الذي قدم في أبريل/ نيسان الجاري، والسعداوي يواصل الحفر والبحث في هذا المسرح الذي نذر له حياته. وبحسب قائمة العروض التي حقهها، فإن مناطق الحفر والبحث كانت تختلف من تجربة إلى أخرى، لكن إيلاء الجمهور أهمية خاصة يكاد يكون ملمحاً مشتركاً في جميع أعماله تقريباً.


ومن المؤكد القول إن هذا الفنان المسرحي يكاد يكون وحيداً في اهتمامه المتواتر الذي لا ينقطع بجمهوره. حيث إن الجمهور يبقى هاجساً رئيساً لديه في أثناء تحضيراته لأي عمل مسرحي، وكذلك في أثناء الاشتغال على تحقيق مسرحية ما. ففي مرات لا حصر لها وقت انعقاد البروفات كان السعداوي ينبه ممثليه ويذكرهم بهذا الجمهور وعدم تقبله كذا، أو رضاه عن كذا، مطالباً إياهم باحترامه وعدم التقليل من ذكائه.


وإجمالاً فإن مخرجنا دائماً ما يحاول ألا يرضي الجمهور ويشبع رغباته في مشاهدة جهد حقيقي فحسب، بل يسعى بأكثر من طريقة ووسيلة إلى إشراكه في العرض، وتحويل أدوراه من مجرد الفرجة واستلام الإشارات والعلامات والأصوات والحركات والكلمات، إلى حقل الإنتاج الدلالي، والمشاركة الفعلية في العرض.


لقد قاده هذا الأمر - مثلاً - إلى زرع ممثليه وسط الجمهور، وجعلهم على مقربة فيزيائية منهم إلى الدرجات القصوى. وفي مناسبات أخرى كان الممثلون يسيــرون بين الجمهور، ويزعقون ويصرخون بين أيديهم، أو يقفز أحدهم من بين الجمهور ويتوجه إلى فضاء العرض، أو يتخذ أحدهم موقعاً بين الجمهور، ويلقي من ثم حواراته بينهم.


هذا وغيره، كان بهدف إلغاء العلاقة التقليدية التي تفصل بشكل جدي بين الممثل من جهة والمتلقي من جهة أخرى. وفي مرات عديدة مارس ألعاباً كان يهدف من ورائها إلى رصد أنماط تلقي هذا الجمهور، كاسراً من ناحية أفق توقعه، وتاركاً إياه في مواجهة لعبة جديدة على مستوى تجربته الشخصية، مثلما حدث في مسرحية ‘’الحياة ليست جادة ‘’ ,2003 وهي مأخوذة عن قصة قصيرة لخوان رولفو، حيث ألغى السعداوي كل شيء تقريباً بدءاً من الديكورات وصولاً إلى الممثل، مبقياً على صوت يسرد ويسرد ويسرد. السعداوي إذاً يولي المتفرج/ المتلقي عناية واهتماماً. وبطبيعة الحال تختلف هذه العناية من محاولة الإيقاع به في قلب الحدث، إلى محاولة صدمه وقلب قناعاته، إلى إشراكه في العرض، إلى تعريضه لشيء من الأجواء غير المريحة والمربكة، بل يصل أحياناً الأمر إلى ممارسة القسوة ضد هذا الجمهور أو أفراد منه، وغير ذلك من اقتراحات. مسترشداً أو ربما متأثراً بالعديد من المسرحيين العالميين الذين بحثوا تنظيراً وممارسة في ماهية الجمهور الذي يحضر عروضهم، وفي سبل وطرائق إشراكهم في العرض. هذا بوجه عام، ولكن ينتصب أمام ناظرينا عرض هذا المخرج الأخير ‘’متروشكا’’، الذي حاول فيه اللعب على ثيمة إشراك الجمهور في العرض، ونقل دوره - كما افترض - من حيز الفرجة إلى مجال المشاركة الفعلية. لكن هذه المحاولة بحسب ما أفترض لم تكن تملك مسوغات فنية تستدعي الفهم الذي تجسد لمفهوم المشاركة كما يقترحه هذا العرض، بل إن الأمر ينضوي على إشكال يحتاج إلى نقاش مستفيض. خصوصاً أن أية تبريرات يمكن أن تساق هاهنا مردودة عليها، لا سيما محاولة الإشراك حينما تبلغ سقف الغلو، والقسوة المفرطة كهدف. وتكون النتيجة استجلاب الضحك، في مفارقة غير محسوبة على الإطلاق. هذا في الوقت الذي يسرد فيه بطل العرض قصة من المفترض أن تتمزق نياط القلب بعد سماعها!. ففي عرض ‘’ متروشكا ‘’ الذي قدم في ليلتين منفصلتين بدار البارح - ومن المفترض أن يعرض في أماكن أخرى عديدة لاحقاً - حاول السعداوي بمعية الممثل حسين عبدعلي تحديداً الذي قام في خمس مناسبات باختيار أحد أفراد الجمهور ليحكي له قصته المأساوية التي تتلخص فصولها في أب قاس باطش، سرعان ما يتحول إلى ضحية، ثم لا يلبث أن يصبح وحشاً كاسراً. وهو ما استدعى في منعطف من المنعطفات إشهار سكين في وجه أحد أفراد الجمهور. إن الإشكال الذي أعنيه، هو مفهوم المشاركة نفسه الذي عمل الرجل عليه. فمن ناحية مبدئية تؤمن لنا بعض الأدبيات شيئاً عن محاولات طليعية أساسية قفزت بمفهوم الجمهور من مجرد الكائن المستقل إلى مفهوم المشارك، فــ ‘’جان لوي بارو’’ تحدث وعمل في إطار ما أسماه بالتآلف بين الممثلين والجمهور أو فعل الحب بينهما. واشتغل ‘’ آرتو’’ على ما أطلق عليه المشاركة المقدسة والتوريط الجسدي والانفعالي. و’’بيتر بروك’’ من جانبه مارس ما أسماه تبادل الأماكن، و’’جروتوفسكي’’ هو الوحيد الذي كان يطلب جمهوراً بمواصفات معينة - حفر في مسألة المشاركة الحية والمباشرة. هؤلاء وسواهم عملوا في هذا الإطار، ولكل منهم فلسفته وتبريراته وبحثه وأسبابه. ولكن في هذا العرض الذي تتقاسمه شخصيتان مرئيتان حسين عبدعلي ومحمد مبارك، وثالثة تحضر بالصوت محمود الصفار في العرض الأول والمخرج في العرض الثاني، يختار عبدعلي أحد أفراد الجمهور عشوائياً ويجلس قبالته، معتبراً إياه عشيق الأم، ويحكي له القصة المأساوية التي يعانيها، وتعانيها عائلته من قسوة الأب. ثم ينتقل إلى غيره بعد أن تدور بينه وبين الشخص الآخر ‘’ محمد مبارك ‘’ الذي يلعب دور الطبيب المعالج في جزء من المسرحية، ثم يتحول إلى دور الأب القاسي. ومرة ثانية وثالثة ورابعة يختار الممثل أحد الجمهور مواصلاً سرد حكاية عائلته المبتلاة. لكن عبدعلي لا يخص هذا الفرد المختار بحديث خاص يدور بينهما بل يُسمع للجمهور كافة، فما يقوم به في الواقع لا يعدو أن يكون إضاءة مساحة معينة من مجمل مساحة العرض المحدودة أساساً، والمكشوفة في الوقت نفسه. فالعرض لم يشهد أية إضاءات مخصوصة أو إظلام. وهذا السرد أو الحديث يأتي مصحوباً في العادة بحركات وإيماءات متشنجة متكررة تجعل من هذا الممثل البارع ضئيل الحجم، وكأنه ديناصور يشهر أسنانه الحادة في وجه هذا الفرد أو ذاك.
 

من عرض متروشكا- بعدسة أثير السادة

من عرض متروشكا  -  بعدسة: أثير السادة


ويسجل لنا حسين عبدعلي في مدونته توثيقياً ليوميات وبروفات هذه المسرحية تتضمن بعض التفاصيل والتمارين والانطباعات حول العمل، ومما جاء في هذا التسجيل حول دوره كممثل، ومما يصب في موضوعنا قوله:


" ونظراً لأني في المسرحية كنت أضع كرسيا أمام أحد المتفرجين، أختاره بشكل عشوائي مرتب، وأجلس عليه لأقابل المتفرج وجهاً لوجه.. عيناً بعين.. وأقوم بتمثيل شخصية الابن الذي ماتت والدته بسكين أبيه، وجاء يحكي القصة لعشيقها.. في هذه الأثناء، كنت أشعر بمدى تخوف البعض من أن يكون أحد ضحاياي.. كنت أشعر بدقات قلوبهم وهي تلهج بالدعاء (إن شاء الله ما يقعد قدامي).. كنت أشعر بالضحية عندما يعتريه الخجل، ويدعو الله أن تمر هذه الدقائق بلمح البصر، ولسان حاله يقول : "متى يقوم عني؟!.. متى يقوم ويفكني".


إذاً المشاركة المفترضة التي خصص لها السعداوي جزءاً من عرضه، لم تكن سوى عملية شكلانية للانتقال من نقطة إلى نقطة، ومن مساحة إلى مساحة، على رغم كون المساحة التي يقع فيها الحدث صغيرة ومحددة ومكشوفة ولا يوجد فيها ما تم إخفاؤه. كما أن مفهوم المشاركة المفترض، بما هو عملية متبادلة بين طرفين، الممثل والجمهور أو أحد أفراده أو مجموعة منهم، لم تخرج أبداً عن النمط التقليدي في العلاقة بين الطرفين، باستثناء المشهد الأخير من المسرحية. وعليه فإن الانطلاق من فرضية أو حتى من قناعة راسخة مسبقة من كون الجمهور كتلة صماء خاوية جامدة، تحتاج إلى هزة عنيفة فالأمر لا يعدو أن يكون تعالياً غير مبرر. ولو افتراضنا جدلاً السلبية المسبقة لدور الجمهور، والسعي بالمقابل إلى سحبه إلى قلب الحدث أو توريطه أو منحه فسحة حتى يتحول حضوره إلى نوع من أنواع الفاعلية تنأى به عن الاستجابة السالبة أو التلقي الأحادي، فإن مقابلة الممثل مع أحد الحاضرين، وسرد الأخير لاعترافاته وشكواه وتفصيل ما حدث لعائلته من نكبات لم تكن سوى تشويش فحسب.


وهذا، على العكس من المشهد الأخير، حيث تقوم الشخصية البطلة بتوزيع الأعواد النارية على الجمهور طالبة منهم إشعالها، وفي هذا السياق قال الممثل ‘’ باقي جملة وحدة وتنتهي المسرحية ‘’ وبعد إشعال الأعواد قال: ‘’ لما وصلت عند عتبة البيت طالعت السماء، كانت كلها ألوان أتاريها ألعاب نارية ‘’. خلا هذا المشهد فإن محاولة الإشراك لم تكن سوى عملية لا أريد أن أقول اعتباطية وإنما ضلت الطريق وأصبحت ضرباً من ضروب ممارسة القسوة ضد المشاهد.


وعلى ذلك، فهذا المشاهد أو ذاك هو مشارك حقيقي في العرض بدليل أنه قطع مسافة معينة من بيته إلى مكان العرض، ثم بعد ذلك اتخذ موقعاً معيناً لا يفصله عن الممثلين من أبعد نقطة سوى ثلاثة أمتار، وأن فضاء العرض المكشوف والمضاء إضاءة عامة، هي إضاءة الصالة نفسها كفيل بتكسير أية حواجز فاصلة. ولكن تفعيل المشاركة عملية لم تتم إلا في رسم المشهد الأخير، حيث تجسدت المشاركة المادية الملموسة، التي خلقت لحظات من الحميمية.


عبدالله السعداوي في النهاية فنان يحاول الاجتهاد، يلازمه هذه المرة في بحثه واجتهاده بشكل أساس حسين عبدعلي الذي كان يختار ضحاياه - على ما عبر هو نفسه - لجرجرتهم إلى العرض، ولكن العملية برمتها لم تكن تبادلية، من (أ) إلى (ب) والعكس بالعكس، بل انضوت في مربع التقليدية بالمعنى الذي كان يسعى السعداوي لاختراقه وتجاوزه. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يغرق البعض في ضحك متقطع، أو ترتفع دقات قلب البعض خشية ممارسة الممثل مزيداً من العنف ضدهم. فلم يكن مطلوباً من الطرف الآخر الذي يحاول الممثل بناء علاقة معه سوى الإصغاء والانتباه والاندماج، حاله في ذلك حال بقية الجمهور، بل كان مطلوباً منه فحسب أن يكون وجهاً لوجه أمام تحديق الممثل، وتشنجاته، وتقاسيم وجهه وانثناءاته. لذلك، كنا نأمل من السعداوي الحريص على أدق التفاصيل، أن يسمو طرحه الفني في هذا الجانب عن الصورة التي ظهرت، والتي لم تتجاوز بقصد أو بغير قصد، بحسن نية أو بسوء نية خلق أجواء متوترة وإرهاق هذا أو ذاك، خصوصاً أن العملية تكررت - كما أسلفنا- في خمسة مناسبات.


يشار إلى أن مسرحية ‘’ متروشكا ‘’ عرضت أول مرة في الثاني من الشهر الجاري، ضمن احتفاليات مسرح الصواري بيوم المسرح العالمي. وهي من إخراج السعداوي، وتمثيل كل من حسين عبدعلي، محمد مبارك، محمود الصفار. ونص المسرحية من إعداد كل من المخرج وإبراهيم خلفان، وقد شارك فريق العمل بالعزف الحي على العود فيصل الكوهجي.

 

لمتابعة المقال من صحيفة الوقت ادعس برفق هنا
في نفس السياق مقال "أنا.. السعداوي.. ومتروشكا" لـ حسين عبدعلي، أدعس برفق هنا

 

(7) تعليقات

:: أنا.. السعداوي.. ومتروشكا *

بعدسة محمود الصفار

 

العنوان هو الأسم الذي أطلقته على تدويني وتوثيقي ليوميات وبروفات مسرحية "متروشكا" لعبدالله السعداوي.. ولأنها مزحومة بتفاصيل دقيقة حول كيفية سير العمل، وحول التمارين التي قمنا بها، والحالة التي كنت أعيشها كل يوم على حدة، فلقد بلغت من الحجم عتيا، وبات من الصعب أن أضعها هنا بكاملها.. ولذلك أسرد هنا ليس ملخصا لها، بل أحب أن أسميه رؤوس أقلام حول التجربة.. قد تفيد من شاهد العمل وتفتح له آفاق أخرى، وقد لا.. وقد تدفع من لم يشاهدة المسرحية لمشاهدتها، وقد لا.. قد تقرأ، وقد لا..

 

ما الذي يدور بذهنك؟!

 

في أبريل 2006م أخبرني السعداوي عن اختياره لي للمشاركة في أحد أعماله المسرحية القادمة.. لم أتردد في القبول ولو ذرة رمل.. وحينها، سلمني ثلاثة نصوص مسرحية مختلفة، كل نص على حدة.. الأول والثاني كانا مقتبسان من قصتين قصيرتين، بينما النص الثالث مقتبس من مسرحية يونانية.. وفي وقت لاحق سلمني مقال لـ فاطمة الناعوت معنون بـ (فيروز التي أفسدتْ ذائقتي).. قرأت النصوص بتمعن، وكنت أعيد قراءتها أكثر من مرة..

 

في الواحد والعشرين من أبريل 2006م، دعاني السعداوي لإجتماع يجمعني به وبالأستاذ إبراهيم بحر –بإعتباره الشخصية التي ستشاطرني هم المسرحية- بالإضافة إلى الأستاذ يوسف الحمدان.. في هذا الإجتماع الأولي، كان الحوار متشعبا حول المسرحية ومفتوحا على أفق واسعة.. حيث كل فرد كان يعرض وجهة نظره حول النصوص، وعن كيف استقبلها وكيف يتصور إمكانية عرضها.. وقد كان السعداوي قد بدأ الإجتماع بقوله: "ملاحظ أن النصوص الثلاثة، بالإضافة إلى مقالة فاطمة الناعوت يعتمدون اعتمادا رئيسيا على الصوت –كثيمة أساسية باقية من الذكرى- وهذا الصوت هو ما تبقى في ظل فبركة الصورة.. واستعمار الصورة"..

 

كان الحديث حول النصوص متخذا الدروب وسيلة، لا الطرق.. وهذا التعبير أستعيره من السعداوي الذي استعاره هو نفسه من (كونديرا)، حينما وصف السعداوي عملنا في المسرحية أشبه بإتخاذ الدروب التي في الغابات، لا الطرق المعبدة ذات اللوحات الإرشادية.. ولذلك، جر الحمدان الحديث حول الصوت إلى التطرق لـ النهام.. بإعتباره فضاء ممتد أبلغ من الكلام.. حيث أعتبر مسألة الحديث حول الفجوة بين الجيل السابق والحالي، كما ذهبت إليه الناعوت في مقالها وكما تذهب إليه النصوص المسرحية، هو حديث في منطقة مخيفة.. فيقول الحمدان حول هذا الموضوع: "النهام ذاكرة ليست واقعية، مما تترك مساحة متحركة.. من الممكن أن تكون الشخصية واقعية، لكن النهام شخصية ليست واقعية"..

 

وعليه، استلم السعداوي طرف الحديث موضحا: "الحديث هنا عن ذاكرة ونسيان هذه الذاكرة.. نحن الآن أربعة أشخاص، ولدينا أربعة نصوص.. وكل نص قائم على ذاكرة قابلة للإشتغال.. وللأمانة سيكون نص فاطمة الناعوت مصدر شرارة"..

 

انتهى أول اجتماع.. كان بمثابة عصف ذهني للحضور.. وما سردته للتو هو عبارة عن ملامح عن كيفية التوغل في هذا العصف.. أحيانا قد تبدو الأفكار أو الآراء مختلفة.. أو بعيدة.. ولكنها كانت –بشكل أو بآخر- تثري التجربة..

 

 

سيلٌ من المعلومات

 

في السابع والعشرين من يونيو 2006م اتخذنا أنا والسعداوي من غرفة الإدارة في مقر مسرح الصواري والتي تتوسطها طاولة كبيرة بداية لإنطلاقة رحلتنا.. وكانت الإنطلاقة عبارة عن ورشة عمل مسرحية مصغرة، بيني وبينه.. ألتحق معنا لاحقا الأخ محمود الصفار.. وإن كان هناك من يحسد حسين عبدعلي على اشتغاله مع السعداوي، فاليحسده على الكم من المعلومات التي تلقيتها منه خلال هذه الورشة المصغرة، وخلال البروفات فيما بعد.. خوفا من النسيان، كنت أقاطعه أحيانا لأقوم بالتدوين، أو أطلب منه أن يعيد بعض الجمل لأكتبها على لسانه..

 

وفي هذه الفترة.. جاء الحديث على ذكر (الزمن البيولوجي) باعتباره الزمن الداخلي للإنسان.. حيث من الواجب في رحلتنا أن تقاس الأشياء بالزمن البيولوجي لا بالزمن الخارجي المصنّع.. بالإضافة إلى تطرق السعداوي إلى (اليوغا) معرفا اياه بالعلم الذي يستهدف لضبط تقلبات مادة الفكر للحصول على الإنسجام الكامل بين الجسد/ القلب/ العقل/ الروح.. إلى جانب التحدث حول مكمن القوة الكامنة في جسم الإنسان، حيث تقع أهم مركز الطاقة الروحية في جسم الإنسان في الضفيرة الشمسية في مؤخرة العمود الفقري بشكل حية الكوبرا الملتفة.. وهذا ما جرنا للحديث حول مكونات العمود الفقري وعملية التنفس بتقسيماتها الثلاث (الاستنشاق/ الاستبقاء/ الزفير)..

 

ومن الأمور التي تطرقنا لها في هذه الفترة، هي حالتي التمثيل.. الطريقة الأولى وليدة ستانسلافسكي وتعتمد فرضية أن هناك إنسان ودب.. الدب يركض وراء الإنسان ليهاجمه، ولذلك يهرب الإنسان من الدب... أما الطريقة الثانية فهي وليدة أحد تلامذة ستانسلافسكي وتفترض أن هناك إنسان ودب وجدار.. وتختلف هذه الطريقة عن سابقتها في كون الدافع الشعوري والنفسي للقيام بحركة الجري لدى الإنسان ليس كسابقتها وهو الخوف من الدب، بل هي عملية الوصول إلى الجدار.. وفي هذا الموضوع تعشبنا كثيرا، ولا تسعني المساحة للتفصيل..

 

بالإضافة إلى أن السعداوي تطرق إلى ثلاث نقاط مهمة يجب أن تكون لصيقة لأدائي للتمارين.. الأولى: المراقبة، وهي حالة النقد الذاتي.. والثانية: التحكم والسيطرة التامة على الآلة التي نقوم بالعزف عليها (أي الصوت/الجسد)، مفصلا نوعا ما عن علاقات الجسد وفضاء الصوت الزمني.. أما النقطة الثالثة والأخيرة فهي: التركيز..

 

بالنسبة للتمارين التي واكبتنا في هذه الفترة فهي عديدة.. أذكر على سبيل المثال منها تمارين التنفس وإيقاظ الذاكرة وإيقاظ العضلات.. وأذكر على سبيل المثال تمرين (البالون)، وهذا أفضل ما يمكن أن أطلق عليه، فمن وضعية الإستلقاء على الظهر، تدفع كمية من الهواء إلى داخل جسمك لتشعر بعملية إنتفاخ بسيط، من ثم تدفع بكمية أخرى، ليبدأ الإنتفاخ بالإزدياد، من ثم كمية أكبر، ودواليك.. إلا أن تشعر بأن الجسم بأكمله انتفخ بالهواء وصار أشبه ببالون، من ثم تزفره مثل الهواء الذي يتسرب من البالون..

 

ومن التمارين التي خضتها هو ما يحب أن يسميه الأستاذ بـتمرين (آدم).. حيث يتم الإفتراض أن أجسادنا عبارة عن أجساد خاوية من الروح، وينفخ فيها الروح على فترات، بحيث تبدأ الروح من العين على سبيل المثال لترى العين شيئا ونلاحظ ما تراه من خلال أحاسيس العين، من ثم تنتقل الروح للأذن والأنف وباقي أعضاء الجسم..

 

لو كنت أملك المساحة.. لذكرت جميع التمارين، لربما يستفيد منها شخص ما على هذه الكرة الأرضية.. ومن الغير المنصف أن آتي على ذكر هذه المرحلة من رحلتنا أنا والسعداوي دون ذكر محمود الصفار الذي حل ضيفا خفيف الظل ومفيدا.. ومعه دارت نقاشات مطولة حول النصوص.. اختلفنا.. اتفقنا... وكان وقتها السعداوي يستمع لكل هذه الحوارات من ثم يعقب حول ما دار في نهاية الجلسة..

 

 

توقف.. وعودة

 

نظرا لترشيح مسرحية "مسافر ليل" لإبراهيم خلفان للمشاركة في مهرجان القاهرة التجريبي، والتي أقوم بتمثيل دور عامل التذاكر فيها.. توقفت رحلتي مع السعداوي في أغسطس وسبتمبر 2006م.. وعند عودتنا من القاهرة، ألتحقت بالعاملين في مسرحية (مظلتي لاتزال مبللة) للمخرج جمال الصقر، والتي تم عرضها في افتتاح مهرجان المسرح الخليجي التاسع في الفترة من 4-11 نوفمبر 2006.. ها نحن اليوم نعود في الثامن عشر من نوفمبر 2006م.. عدنا وقد طرأت بعض التغييرات في المسرحية، والتي كان من المفترض أن يشاركني في العمل الأستاذ إبراهيم بحر، ولكن نظرا لإنشغاله مع خالد الرويعي في مسرحية (لحظات منسية) والمزعم عرضها في نفس فترة عرض مسرحيتنا، برؤية موازية لعرض من سوريا.. حل محمد مبارك بديلا له..

 

في هذه المرحلة من رحلتنا، تطرقنا إلى مفهوم (الكينونة) التي كانت وليدة تنظير إريك مورلس.. وتقوم فكرة (الكينونة) على أنه يجب على الممثل لكي يمثل أن يقترب من نفسه ويعرفها حق المعرفة.. ومن خلال الوصول إلى شخصيتك كإنسان تتم عملية الوصول إلى الشخصية المكتوبة في النص.. فـ (الكينونة) هي عملية تشريح النفس وتحليلها، من ثم لملمتها والتخلص من الكثير من الأشياء، من ثم إلى الشخصية والتمثيل..

 

وعليه خضعنا للعديد من التمارين التي تأتي في سياق (الكينونة).. كأن تقوم بتعريف نفسك للآخر، لتكتشف حينها أن كل ما قمت به بهدف التعريف كان محاولة لإخفاء نفسك، لا تعريفها.. وكأن يدور حوار لطيف بيني وبين محمد مبارك، يتحول هذا الحوار إلى شجار كلامي عنيف بيني وبينه، نتبادل فيه كافة أنواع السباب والشتائم..

 

ومع التمارين.. طلب منا السعداوي أن يقوم كل شخص بإخراج المسرحية، ويقوم بوضع تصور لرؤيته الإخراجية، وكيفية السينوغرافيا والتمثيل، تاركا المجال مفتوحا لأي تغيير أو تبديل نراه.. وقمت وقتها بطرح رؤيتي كمخرج، في حين أخذ محمد مبارك دور الناقد لهذه الرؤية.. لتنقلب المسألة في يوم آخر، ويستلم هو الإخراج وأنا دور الناقد..

 

إلى طرح السعداوي رؤيته للعمل، التي كانت نوعا ما مزيجا بين الرؤيتين، مع تشذيب الشوائب في كل منها..

 

 

أنا ومحمد مبارك؟!..

 

هذا السؤال دار في خلدي في الرابع والعشرين من نوفمبر 2006م.. وتحديدا بعد يومين من البروفات والعمل مع محمد مبارك، عندما توالد لدي شعور أنني أفكر وأتحدث في منطقة بعيدة جدا عن منطقة تفكير وحديث محمد مبارك.. وعندما أرى أن تكنيك العمل قائم على تبادل النقاش، وإنتقاد الآخر ثم الرد على رده، أجد أن مثل هذا الأسلوب لا ينفع في حالة كان تفكيري مختلف تمام عن محمد مبارك.. على عكس ما كنت عليه عندما دارت النقاشات حول النصوص مع محمود الصفار.. وعندما توجهت إلى السعداوي لأخبره بهذا التوجس والتخوف.. أجاب:

 

"المسرح قائم على عملية الإصغاء.. ولإيجاد حالة من الحوار يجب أن نتعلم كيف نصغي للآخر.. ولهذا المسرح مختلف عن الفنون الأخرى في كون من يعمل فيه لا يعمل لإظهار نفسه، بل يبذل كل جهده لإظهار الآخر، في سبيل أن يرى الآخر كمرآة له.. وبالعكس تماما، يقوم الآخر ببذل كل جهد لإظهارك..

 

وهناك أكثر من طريقة لسحب الآخر لمنطقتك.. عادة ما يكون الفرد في منطقة بعيدة عن الآخر، ولكي يتلاقى الإثنان تكون منتصف المسافة بينهما هي الإنطلاقة لهما للأمام في خط متوازي مع بعضهما البعض، بعدما يقترب الأول إلى المنتصف، وكذلك الثاني.. وأحيانا لا تكون منتصف المسافة هي نقطة الإنطلاقة، بل يقوم أحد الطرفين بالإقتراب إلى منطقة الآخر متعديا بذلك نقطة المنتصف (...) وكل المسرح أن تتعلم الصبر.. وتصبر"..

 

فقاطعته مازحا: "أما أنا فصبري قليل.. ولو فكرت بالصبر، فأنني أخشى أن يتحول شعري إلى بياض كما هو شعرك"..

 

فأردف مازحا: "ها أنا أصبر عليك وعليه"..

 

 

هو سمكة.. والمسرح ماؤه

 

مع استمرارنا في البروفات، انضم إلينا العازف فيصل الكوهجي.. وكانت البروفات تمر بين جزر ومد.. شد وجذب.. حتى وصلت في يوم من الأيام لشجارٍ كلامي حقيقي بيني وبين محمد مبارك، ليس كما ذهب إليه السعداوي في تمرين (الكينونة).. وسرعان ما عادت الأنفس إلى صفاءها وعدنا..

 

فجأة.. أصاب الأستاذ عبدالله السعداوي ألم في ظهره، ليكتشف أنه (الديسك).. وعند زيارته للطبيب منعه من ركوب السلالم، أو سياقة السيارة، أو بذل أي مجهود.. وعليه، كنا نقوم بالبروفات دونه، لأننا لا نملك من مكان نقوم فيه البروفات سوى صالة في مقر المسرح، الذي يقبع في الطابق الثالث في إحدى عمارات العدلية.. وعندما توفرت صالة مدرسة الجابرية الثانوية للبنين، عاد السعداوي متعكزا عصاه.. يجر قدميه أشبه برجل يحمل على عاتقه هموم المسرح بأكمله.. ويمشي..

 

في أول بروفة بعد (الديسك) جلس السعداوي على أحد الكراسي.. وعندما بدأنا البروفة، ابتعدت أنامله عن العكاز.. ووقف.. أخذ يمشي بحرية.. يشير لي لأقوم بحركة ما.. أو يقوم بحركة صعبة لمريض مثله فيبين لمحمد مبارك كيفية أداء حركة ما.. كان بإمكانه أن يقفز.. أن يركض.. والسؤال: أليس السعداوي يعاني من الديسك؟!..

 

ما إن إنتهينا من البروفة.. حتى وضع يده على ظهره.. جرجر نفسه لعكازه.. وعادت الآلام من جديد.. هو سمكة.. والمسرح ماؤه..

 

 

العرض

 

في الثالث من أبريل 2007م كان موعد آخر بروفة لمسرحية (متروشكا).. وهي أوّل بروفة نقيمها في صالة البارح الذي ستشهد عرض افتتاح فعالية يوم المسرح العالمي بمسرحيتنا والذي يقيمها مسرح الصواري.. مرت البروفة بخير، وبعدها اتجهت إلى مقر المسرح..

 

عندما وصلت الساعة إلى الحادية عشر مساء.. وكنت وقتها مازلت أفكر مليا في الغد.. بدأ نوع من القلق يراودني.. استرخيت على أحد الكراسي.. أغمضت عيني.. وعندما فتحتها كانت الساعة تقترب إلى الرابعة صباحا..

 

عدت إلى المنزل سريعا.. أكملت نومي.. وعند الساعة الثالثة مساء من الرابع من أبريل 2007م اتجهت إلى مقر المسرح.. لم أكن أكلت شيئا، فلقد كنت أشعر ببعض التوعك في معدتي، وهذا التوعك هو أمر طارئ لم يحدث لي من قبل في العروض المسرحية.. في مقر المسرح كان محمد الصفار وفي يديه وجبة غذاءه.. أكلت معه قليلا.. وعند الساعة السادسة مساء توجهت إلى صالة البارح.. وهناك كان ينتظرني الأستاذ ومعه فيصل الكوهجي..

 

بعد الافتتاح وكلمات الترحيب.. بدأ العرض.. وكالعادة، في اللحظة التي يبدأ فيها العرض كل القلق يزول ولا تشعر بشي.. لا تحس بشي.. أشبه بالخدر.. وتمر الساعات في لحظات..

 

كل ما كنت فيه هو التركيز فيما أقوم به.. ومحاولة توزيع طاقتي على فترة العرض بأكملها، بحيث لا أبدو في البداية نشطا.. ومنهوكا في نهايته.. إلى جانب ذلك، ونظرا لأني في المسرحية كنت أضع كرسي أمام أحد المتفرجين، أختاره بشكل عشوائي مرتب، وأجلس عليه لأقابل المتفرج وجها لوجه.. عينا بعين.. وأقوم بتمثيل شخصية الإبن الذي ماتت والدته بسكين أبوه، وجاء يحكي القصة لعشيقها.. في هذه الأثناء، كنت أشعر بمدى تخوف البعض من أن يكون أحد ضحاياي.. كنت أشعر بدقات قلبهم وهي تلهج بالدعاء (إن شاء الله ما يقعد قدامي).. كنت أشعر بالضحية عندما يعتريه الخجل، ويدعوا الله أن تمر هذه الدقائق  بلمح البصر، ولسان حاله يقول :"متى يقوم عني؟!.. متى يقوم ويفكني"..

 

ومع انتهاء العرض.. كان الإحساس بالقبول لما قدمت جميلا.. أن ترى علامات الرضى على محيا الجمهور شيء ولا أروع.. ولكن.. كم تمنيت أن يكون هناك محلل وناقد يستلم العمل ويقوم بتشريحه.. أن يقوم بتفكيك الأداء، أن يكشف عن الهفوات بشكل دقيق..

 

أتذكر (بيكت) عندما أصابته حالة من العصبية والغضب عندما لاقت إحدى مسرحياته رضى الجمهور.. فأسرع إلى مخرج العمل وصرخ: "أوجد حلا لهذه المهزلة"..

 

 

ما بعد العرض

 

الجدير بالذكر هنا.. أن المسرحية لم تنتهي بعد.. فالمسرحية قائمة على فكرة الإنتقال، وعرضها في أماكن مختلفة.. إلى جانب هذا فما زلت أجالس السعداوي بشكل متواصل نتبادل الحوار والنقاشات حول المسرحية وأمور أخرى.. وما أوّد قوله أنه كل ما سلف من قول ما هو إلا بداية لنهاية لا أعرفها.. ولا أوّد معرفتها..

 

 
* متروشكا هو أسم عمل مسرحي للأستاذ عبدالله السعداوي، وفي الأصل تستخدم كلمة متروشكا للتعبير عن الدمية الروسية التي ما أن ترفعها حتى تظهر واحدة أخرى شبيهة لها تحتها أصغر في الحجم.. ترفع الأصغر في الحجم فتظهر دمية أصغر..

 

(33) تعليقات

:: حسين عبدعلي.. الظلم قادم لا محالة

بعدسة محمود الصفار - من مسرحية متروشكا 
 

بقلم: حسام أبو أصبع

 

يخطف الممثل المسرحي الشاب حسين عبدعلي الأضواء في كل مرة يظهر فيها في فضاء العرض. يحدث ذلك حينما يشتغل لمصلحة نادي المسرح الجامعي. ويحدث ذلك - أيضاً- حين يشارك في عروض مسرح الصواري، التي تعطيه مساحة أكبر لإظهار قدراته وإمكاناته الجسدية والصوتية ووو.. من تلك التي يحوزها في عروض الجامعة. وذلك بسبب الطبيعة المختلفة والمفارقة لعمل الصواري قياساً بالجامعي.


ومن دون مبالغات، ففي أكثر من مرة يظهر فيها حسين يثبت أنه طاقة مسرحية تستحق العناية والاهتمام. ويثبت أنه ممتلىء بأسئلة المسرح. وفي غير مناسبة ظهر بمظهر المنقذ من ضلال عد العرض كذا فشل محض، أو المسرحية كذا ركاكة تامة.


وعموماً، فحسين من الساعين على نحو متواتر إلى تطوير قدراته، وزيادة خبراته. وهو أيضاً من بين قلة قليلة بل نادرة من الشباب الذين تراهم يطلعون على الكتب، ويقرأون بعضها من الجلدة حتى الجلدة. وأكثر ما يبعث على الارتياح فيه أنه يسعى إلى سماع كلمة نقد في حقه، وفي حق العروض التي يكون طرفاً فيها. كما أنه كثير الارتياب، ولا تمس الطمأنينة ولو مساً خفيفاً قلبه وعقله، حتى لو انهالت على مسامعه جمل وعبارات الإطراء من هذا أو ذاك.


لكن حسين عبدعلي الذي يدرس الإعلام بجامعة البحرين، ويكتب للصحافة، ويقطع حالياً أشواطا في التصميم الجرافيكي، وهو من المدونين ووو.. يحيـرك لجهة قدرته على إقامة توازن بين هذا (البكج) من الاهتمامات. لكنه ما في ذلك شك، يعطي المسرح ولو قلباً وعقلاً نصيباً وافراً من اهتماماته وأولوياته. هو نموذج واحد فحسب من نماذج الشباب الجادين والطموحين الذين سيتعرضون للظلم لا محالة.


الظلم الذي أعنيه يأتي أولاً من أجواء مسرحية غير صحية، لا تساعد على النمو ولا التطور ولا حتى التمكن من الأدوات. ويأتي ثانياً من وسط مسرحي أصبحت فيه بعض المفهومات مثل: المختبر والورشة والبحث والبناء على البناء مجرد ادعاءات فارغة لا محل لها من الإعراب. وثالثاً سيقع الظلم عاجلاً على تجربة ممثل شاب لا يزال يمتلك المرونة العقلية، والليونية الجسدية، لكنه بإرادة منه أو بغير إرادة يكرر نفسه بسبب التشابه غير المعقول في المسرحيات التي يمثل فيها، على رغم تعدد المخرجين، وتباين النصوص، واختلاف فضاءات العرض، وتعدد الرؤى والتصورات، والاختلاف في الشخصيات التي يجسدها والتي ينفخ فيها من روحه. في الأفق القريب والمنظور، فإن هذه الطاقة مهددة. ما الحل إذاً؟ لا أعرف، لكن ينبغي على حسين نفسه أن يتحرى ويتحرك بنفسه لإيجاد حلول يرتضيها وتلبي طموحه، فهي لن تقدم له ولا لغيره لا على طبق من ذهب ولا طبق من صفيح. وهذه مأساة نتمنى ألا تقع. 

 

لمتابعة المقال من جريدة الوقت ادعس برفق هنا

لمتابعة ما كتبته بنت بطوطة في مدونتها ادعس برفق هنا

لمتابعة تغطية زكريا رضي في صحيفة الميثاق ادعس برفق هنا 

لمتابعة مقال الأخ حسين مرهون (أن تنتهي متروشكا) في جريدة الوقت ادعس برفق هنا

لمتابعة تغطية منصورة عبدالأمير ، علي نجيب في فضاءات صحيفة الوسط ادعس برفق هنا
لمتابعة مقال (عن سؤال القلق للمسرحية المثيرة متروشكا) لـ محمد المرباطي ادعس برفق  هنا

لمتابعة مقال (متروشكا السعداوي.. ثرثرة مجانية أم أبعاد فلسفية) لـ حسين العريبي ادعس برفق  هنا

 

(37) تعليقات

:: سعد الله ونوس.. سارقا

 
 

 

"الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون"

البقرة 156

 

 

عشر سنوات مرّت على موته.. أحد عشر عاماً منذ أن كُرّم وألقى عبارته الشهيرة "محكومون بالأمل" في كلمته ليوم المسرح العالمي.. ومن منّا دار بخلده يوما من الأيام أن يخرج رجل ويصرخ بملئ فمه: "سعد الله ونوس سارق لأعمال المسرحي الشهير أبو خليل القباني.. مستلهم للتراث.. لا علاقة له بالمسرح"..

 

هذا الرجل هو الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتّاب في سوريا، وتأتي صيحته وفقا لما ذكرته صحيفة الحياة اللندنية.. هذا الذي مازال خلافه مع زوجة المرحوم فائزة شاويش على موقد النار منذ عام 2000 حين وفاته، ويدور الخلاف حول مشروعية عضوية ونّوس في الاتحاد بعد إعلان الأخير انسحابه الكامل منه إثر فصل أدونيس بقرار من رئيس الاتحاد وقتها علي عقلة عرسان، على خلفية اجتماع أدونيس مع مثقفين يهود في أوروبا، وهو ما اعتبره عرسان شروعا بالتطبيع لم تقرّه القيادة السياسية للبلد.. مما دفع بفائزة لرفض مشاركة الاتحاد في تأبين زوجها يوم وفاته، ورفضت استقبال وفد الاتحاد لتقديم التعازي..

 

وعلى من تقرأ مزاميرك يا داوود؟!.. وصدى ت.س.إليوت أحد أعظم شعراء القرن العشرين مازال يتردد في قوله: "الشاعر الرديء يستعير ويقتبس، أما الشاعر الجيد فيسرق وينهب".. على من تقرأ؟!.. وشكسبير يستولي على كتاب الأمير دماكيافيلي..

 

حسين جمعة أنكر في جريدة الشرق الأوسط هذا الاتهام، معللا ذلك بسوء الفهم واقتطاع الكلام من سياقه، وأنها محاولة لدحرجة كرة الثلج للحصول على مبالغ التعويضات ومآرب أخرى..

 

وعلى ما يبدو إن الإشكالية لا تكمن في الراتب التقاعدي.. المشكلة برأيي أن عصر الانحطاط الذي نعيشه لا يحتمل مبدعا بقامة "سعد الله ونوس".. كما لا يحتمل فقيرا مثل "عبدالله السعداوي".. فآلية عمل المؤسسات الثقافية في بلادنا يجعلها مجرد استطالة لسياسات تخدم أفراد معينة.. تطرد كل ظل يستطيل خارج حدودها.. هي إدارة عقابية في وجه مخالفي توجهاتها، وتتماهى في غطرستها لتعاقب كل من لا يتعلق بذلاذل فستانها ويقبل كعب حذاءها.. مؤسساتنا لا تتجه نحو حماية والدفاع عن أعضاءها.. وكيف تفعل ذلك وهي الجاني والقاتل؟!.. كيف والمقتول هو ونوس أو السعداوي؟!..

 

(8) تعليقات

:: الليلة.. الصواري يفتتح اليوم العالمي بـ (متروشكا)

 

 

 

يفتتح مسرح الصواري اليوم الإثنين الموافق 2 أبريل 2007، عند الساعة الثامنة مساء فعاليات يوم المسرح العالمي، وذلك بعرض مسرحية (متروشكا) للفنان عبدالله السعداوي على صالة البارح للفنون..

 

المسرحية عبارة عن ثلاث قصص مختلفة مترابطة في نفس الوقت.. تدور أحداث القصة الأولى حول شاب يلتقي برجلٍ له علاقة بوالدته، بينما القصة الثانية تدور حول لقاء بين طبيب ومريضه، أما الأخيرة فتعرض علاقة الآباء بالإبناء عبر قصة أب مع إبنه..

 

(متروشكا) من إعداد عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان، ومن تمثيل كل من حسين عبدعلي ومحمد مبارك، والموسيقى للعازف فيصل الكوهجي.. بينما أعد لها السينوغرافيا السعداوي نفسه..

 

 

لمراجعة جدول الفعالية أدعس برفق هنا

 

(2) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com