حسين عبدعلي
.

:: إليكِ أيتها الخضراء-2

 

تفرُّ المفردات من بين يديّ فراً، لا أستطيع ملاحقة لهاثها.. وأنا أحاول أن أستجمع ذاكرتي المثقوبة لأكتب عن رحلتي إلى تونس الشقيقة.. أنا كاتبٌ سيء عندما أكتب عمّا أحب.. فأنا لا أجيد الكتابة عن أمي.. وأنا كاتبٌ رديء وسخيف عندما أحاول أن أتغزل ببيتٍ من الشعر في خطيبتي.. وها أنا أجد نفسي مرتبكا كل الإرتباك وأنا أكتب عن تونس..

  

المنستير تتنفس مسرحا

 

أكثر ما يزعجني هو عندما أكون مقبلا على عرض مسرحي، ولا أكون مشغولا بالعرض، بل تشغلني أمور أخرى.. ووقتها، عندما استيقظنا من النوم في اليوم الثاني، لم يكن العرض يشغل بالنا، بل السكن..

 

مراوغة كانت أكثر قسوة لتغيير السكن باتت بفشل أشد.. وكنا في انتظار كرنفال الإفتتاح المزعم إنطلاقه من المركّب الثقافي لتسير القافلة في شوارع المنستير إلى مسرح رباط سيدي ذويب.. وقتها طلبت منا الجهة المنظمة للمهرجان أن نحمل علم مملكة البحرين في الكرنفال ونلبس لباسنا الرسمي بالإضافة إلى حملنا لآلات موسيقية تعكس التراث البحريني.. ولكن طلبهم جاء متأخرا كثيرا.. فلم نكن نعلم بكل هذه الأمور عندما كنا في البحرين.. وفات أوان تحقيق الطلب مادمنا في تونس..

 

صعدنا الحافلة التي توجهت إلى المركّب سيدي ذويب.. وتجمعت الحشود.. كل وفد بلباسه الرسمي.. يعزف معزوفاته التي تعكس تراثه.. وأشد ما لفتني وأسرني تواجد فرقة أفريقية زعيمها وقائدها يرتدي ملابس أفريقية، ويمسك في يده عظمة كبيرة، ويتحرك حركات سريعة.. وكل ما تقدمه الفرقة من معزوفات كانت تأسرك بلا شك.. هذا القائد كان مفعما بالجنون، فبالإضافة إلى رقصته المتناغمة مع دقات الطبول، فتراه فجأة ينقض على أحد المارة بحركة سريعة خاطفة، فيفزع الأخير، ولكنه شيئا فشيئا تعود البسمة على محياه، عندما يلحظ الإبتسامة قد ارتسمت على المتفرجين، وأنه كان ضحية مجنون، ولا أروع من جنونه..

 

انطلقت المسيرة في الشوارع حيث كل أهل المنستير اصطفوا على الشارع يراقبون بابتهاج هذه المسيرة.. إلى أن وصلنا إلى رباط سيدي ذويب ليبدأ حفل الافتتاح..

 

في الحقيقة.. هذه المسيرة كانت بداية جيدة لكي ننسى كل المعوقات..  

 

آدم وحواء

 

حفل الافتتاح شمل على تدشين نصب تذكاري للفنان الإيطالي سينسكا، بالإضافة إلى عرض شريط وثائقي حول تاريخ المهرجان، من ثم كلمة الإفتتاح التي جاءت على لسان السيد فتحي بن عمر مدير المهرجان، بالإضافة إلى تقديم لجنة التحكيم.. ومن منطلق تكريم من كان له بصمة في تاريخ المسرح التونسي، شمل حفل الافتتاح على تكريم أربعة من فناني تونس وهم: الفنانة منى نورالدين، الفنان نورالدين الورغي، الفنان توفيق الجبالي، والفنان جميل جودي..

 

بجانب هذه الرسميات من الكلمات والتكريم، كان هناك عرض الافتتاح تحت عنوان (آدم وحواء) كوريغرافيا آمال العقربي، هذا العرض الذي كان راقصا وعلى حسب ما ذكر فهو يعتمد على لغة الجسد للتواصل، لم يكن قمة في الجمال وفي الوقت نفسه لم يكن سيئا.. ولا أدري السبب الرئيسي وراء اجترار قصة معروفة ومنقوشة في قلب الجميع، آدم وحواء والتفاحة، ومن ثم قابيل وهابيل، وصولا إلى الإسقاطات على الوضع الحالي وما حل على الكرة الأرضية من دمار من جراء ويلات الحروب..

 

القماش.. الشجرة.. التفاحة.. الملائكة باللباس الأبيض.. والشياطين باللون الأسود.. كلها أمور كنت أتوقع رؤيتها في هذا العرض قبل مشاهدة العرض، ولم تخب آمال العقربي ظني.. فعلى ما يبدو لم تبذل مخرجة العرض كل جهدها في عصفها الذهني للخروج بهذه القصة المعروفة بشكل آخر مختلف كليا عن المتوقع، أو محاولة الخروج بلغة بصرية مختلفة نوعا ما عمّا هو سائد.. بل لجأت إلى السرد الفاضح للقصة دون الولوغ إلى رؤية مختلفة، أو حتى دون تقديم فلسفتها لهذه القصة.. وكل اجتهادها جاء بطريقة كليشية عبر إسقاط الوضع الحالي والحروب الأخيرة وزجها زجا ركيكا في آخر المشاهد من العرض..

 

وإن كان هناك من ثمة كلمة تقال، فيجب أن أشير إلى (هالة) التي لعبت دور حواء في العرض، فلقد كانت تمتلك جسدا هلاميا، جسدا لو كان يرقص تحت زخات المطر لما ابتلت بقطرة، على الرغم من كونها بعيدة كل البعد عن المجال الفني، فهي طالبة في كلية الطب.. ولكن ضعف الرؤية الإخراجية بالإضافة إلى ضعف تصميم الرقصات أظهر هذا الجسد كقطعة خشبية..

 

معسكر ثقافي مسرحي

 

عندما عدنا إلى السكن (أو المبيت كما يحلو للتونسيين تسميته) لم ينتهي الأمر.. عرض الافتتاح كان بمثابة قطعة الدمينو الأولى التي سقطت على أختها لتنساب كل القطع.. هذا هو الأمر طوال الأيام التي تواجدنا فيها بالمنستير.. حتى خُيّل لنا أن التونسيين لا ينامون على الإطلاق.. يعملون.. يشتغلون.. طوال 24 ساعة في اليوم.. طوال 7 أيام..

 

فأنت بحاجة للاستيقاظ من النوم عند الساعة الثامنة صباحا لتتمكن من تناول وجبة الفطور.. وعند التاسعة يجب أن تلتحق بإحدى الورش التدريبية الثلاث.. عند الواحدة تقريبا تكون أنهيت ورشتك وتدريباتك، وعليه يجب أن تلتحق بالركب لتناول وجبة الغداء.. عند الثانية والنصف تقريبا أنت بحاجة لعمل بروفة للمسرحية التي تشارك بها في هذا المهرجان.. ولا تنسى عند الساعة الرابعة عصرا تبدأ مناقشة العروض، التي يحتد فيها النقاش ويطول.. وعند السابعة مساء يجب أن تتناول وجبة العشاء.. لتصعد بعدها الحافلة متجها إلى المركّب الثقافي لمشاهدة العرض الأول عند الساعة التاسعة مساء.. ينتهي العرض الأول فتصعد الحافلة مرة أخرى وتسير إلى رباط سيدي ذويب لمشاهدة العرض الثاني.. وبعدها لا ينتهي الأمر على الإطلاق بل يستمر حتى طلوع الفجر.. فتبدأ الحفلات التي عادة ما تكون تحت قيادة الصديق خالد.. أما أن تكون منوعات غنائية.. أو أمسية شعرية لشعراء مختلفون.. أو جلسة طرب.. أو ليلة يتم فيها عرض صور للدورات السابقة.. أو يقدم فيها خلاصة للورش التي قدمت في المهرجان.. وغيرها من الفعاليات.. بالإضافة لكون هذه الفترة بمثابة الوقت المناسب للحديث حول العروض وحول أمور أخرى حياتية مع الأشقاء من مختلف الدول المشاركة..

 

وقتها فقط.. عندما أدركنا هذا المعسكر الثقافي المسرحي.. عندما رمينا فيه عنوة.. أدركنا أن المسكن لم يكن تلك الغرفة التي تتجه لها في آخر الليل، لتغفو بضع سويعات.. بل هو هو في قلب كل تونسي، فرنسي، سوري، جزائري، سعودي، ألماني، روسي تواجد في المهرجان.. هناك كنا نقطن.. وهناك حيث القلب دائما ما ينبض بالحب كنا ننال رحتنا ونعيش..
 

(1) تعليقات

:: إليكِ أيتها الخضراء-1

 

تفرُّ المفردات من بين يديّ فراً، لا أستطيع ملاحقة لهاثها.. وأنا أحاول أن أستجمع ذاكرتي المثقوبة لأكتب عن رحلتي إلى تونس الشقيقة.. أنا كاتبٌ سيء عندما أكتب عمّا أحب.. فأنا لا أجيد الكتابة عن أمي.. وأنا كاتبٌ رديء وسخيف عندما أحاول أن أتغزل ببيتٍ من الشعر في خطيبتي.. وها أنا أجد نفسي مرتبكا كل الإرتباك وأنا أكتب عن تونس..

 

ليلتها لم يكن الحديث.. بل كان البكاء

 

طائرتنا التي كانت تهم بالطيران عند الساعة الثانية عشر عند منتصف الليل، أجبرتنا على التواجد في المطار عند الساعة العاشرة مساء.. يومها لم أجهز حقيبتي إلا في وقت متأخر جدا، ولأنني أكره كرها جماً توظيب الحقيبة أستلمت (خطيبتي) هذه المهمة.. وأوجع ما في الأمر أنها كانت أشبه بمن تجهز حصان زوجها –بصمت- ليذهب إلى ساحة الحرب.. سلّمتني سيفي وقبلة..

 

محمود الصفار الذي كان سيوصلني إلى المطار بعد أن نصطحب معنا نجيب باقر، تأخر كثيرا.. وعليه وصلنا إلى المطار بعد عشرين دقيقة من الموعد المحدد.. وفي انتظار موعد الإقلاع كنا جالسين في أحد المقاهي نحتسي القهوة..

 

أشبه بـ توم هانكس.. أقرب إلى The Terminal

 

الساعة اقتربت من الثانية عشر إلا أنهم لم ينادوا على طائرتنا.. وعندما استفسرنا عن ذلك، قالوا أنهم سينادون عندما يحين ذلك.. أجبته أنه لم يتبقى عن وموعد التحليق سوى خمس دقائق.. فأجاب سنعلن ذلك في ثوان.. لكنهم لم يعلنوا.. وعلى ما يبدو أنه كان خلل فني في مكبرات الصوت فلم يصلنا الصوت.. بينما نحن مازلنا نحتسي قهوتنا على مهل..

 

وعليه كنا آخر الواصلين إلى الطائرة.. والغريب أن مقاعدنا كانت مشغولة.. وبعد حديث قصير مع المضيف طلب منا الجلوس على أي مقعد في الوقت الحالي، إلى حين وصولنا إلى دولة الكويت.. من ثم سنستلم مقاعدنا من جديد.. أشبه بـ (النقل العام)..

 

خمسون دقيقة قضيتها في قراءة رواية (العطر) التي اشتريتها مؤخرا من المكتبة الوطنية.. إلى أن وصلنا إلى مطار الكويت.. وللأسف، عندما وصلنا إلى الكويت طلب منا مغادرة الطائرة وذلك بسبب خلل تقني في الطائرة.. ثلاث ساعات أخرى قضيناها في مطار الكويت في انتظار إصلاح هذا الخلل..

 

عدنا إلى الطائرة بعدها.. لنبقى معلقين في السماء قرابة الخمس ساعات.. بين قراءة الراوية ومشاهدة بعض الأفلام.. كنت أحاول أن أسرق لحظات من النوم لكنني لم أستطع ذلك.. وعند الساعة الحادية عشر صباحا تقريبا وصلنا إلى مطار تونس..

 

كعادة أي وفد كنا ننتظر من يستقبلنا في المطار.. نلتفت يمنة ويسرة عسى أن يظل علينا أحدهم يحمل لافتة كتب عليها جامعة البحرين، ولكن كل النظرات بائت بالفشل.. اتصل الأستاذ إبراهيم خلفان تيلفونيا بالجهة المنظمة فجاء الجواب أنهم يعتقدون وصولنا سيكون غدا وليس اليوم كما وصلهم في الفاكس.. وعليه أنتظرنا إلى أن يأتي أحدهم.. ولكنه لم يحضر.. بل جاء اتصال آخر يخبرنا أن الوفد السوري سيصل عند الساعة الثانية ظهرا وعليه يجب أن ننتظر وصولهم.. وأنتظرنا.. لكنهم كعادة الطيران تأخروا إلى الساعة الثالثة ظهرا..

 

عندما وصل الوفد السوري كان لزاما علينا أن ننتظر حتى يغيروا نقودهم إلى العملة التونسية.. وبعدها صعدنا إلى الحافة.. وعندما همّت الحافلة بالمغادرة طالب رئيس الوفد السوري بالتوقف لكي يؤكد الوفد السوري حجز تذاكر عودتهم.. حينها لم أستطع السكوت، فقلت:

 

"للأسف.. فنحن صار لنا أكثر من 18 ساعة قضيناها من مطار إلى مطار.. وأكثر من 24 ساعة لم نذق فيها طعم النوم"..

 

وعليه، تحركت الحافلة من مطار تونس متوجهة إلى مدينة المنستير حيث يقام المهرجان.. هنا المسافة تساوي بالزمن قرابة الثلاث ساعات.. ثلاث ساعات غالبني فيها النوم، ولكنني غلبته.. كنت أنتظر السرير.. أي سرير أستلقي عليه وأنام..

 

سجن انفرادي

 

22 ساعة من مطار إلى مطار إلى مشوار الحافلة.. 38 ساعة دون نوم.. وبعدها وصلنا إلى السكن.. كنت أصارع النوم وعندما أفتح عيني لا أرى سوى حمام بارد وسرير وفير.. والسكن كان في مبيت فطومة بورقيبة..

 

عند الإستقبال تسلم كل فرد منا.. وسادة.. ووشاح.. وقميص للمهرجان.. وتوجهنا إلى غرفنا.. الصدمة كانت لا تحتمل.. بعد كل هذه الساعات يكون في انتظارنا سجنا انفراديا يقطنه اثنان في غرفة لا تتسع لشخص.. الحمام كان يغلبه الصدأ والغبار وكومة من الرمال.. أين سننام؟!.. أين سنستحم؟!..

 

مراوغة بسيطة لتغيير الغرف باءت بالفشل.. وعليه قررنا تنظيف غرفنا.. وإذا ما كنا نريد تنظيفها فنحن بحاجة لشراء أدوات التنظيف.. والإشكالية أننا لم نقم بتغيير إلا اليسير من النقود في المطار، بما يكفي لشراء بعض القهوة وماء.. وعليه كنا مضطرين للخروج والبحث عن صرّاف وعن محل لبيع أدوات النظافة (مغازه) كما يحب أخواننا التونسيين تسميتها..

 

خالد.. شاب تونسي ألتقيت به في لبنان عندما كنا نشارك في مهرجان الجامعة الأمريكية اللبنانية.. ألتحق معنا في الحافلة من المطار إلى المونستير.. فطلبنا منه أن نغير نقودنا ونذهب إلى أقرب محل لشراء أدوات التنظيف.. والإشكالية أن خالد ليس من المونستير بل من صفاقس، فهو ليس ملما بكل تفاصيل المونستير.. وبالصدفة، ألتقينا مع فتاة تونسية تسمى (منال)، هي تقطن بالمونستير.. سلّمنا خالد إلى منال التي أخذت على عاتقها البحث عن مصدر لتغيير النقود.. ولكن الإشكالية أن اليوم هو يوم السبت، ويوم السبت هو إجازة لكل التونسيين، إذا انتظرنا إلى الغد فلن يفيدنا الإنتظار شيئا فالغد أيضا إجازة.. لا مكان للصرف إلا مطار المنستير الذي يبعد كثيرا عن مبيت فطومة بورقيبة..

 

تمخضت منال عن كل ما تملكه من خبره في محيطها تبحث عمن يصرف نقودنا، ولكن هذا التمخض لم يدر علينا بشيء جديد.. وعليه جمّعنا ما نمتلكه من دنانيير تونسية واشترينا مواد التنظيف.. وعدنا إلى المبيت..

 

الخطة كانت كالآتي: "لا تستلقي على السرير حتى تصل إلى درجة لا تستطيع فيها على الوقوف، وحينها تسقط على السرير وتنام".. هكذا فكّرنا ونحن الذي انهكتنا السفرة والإنتظار..

 

(20) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com