حسين عبدعلي
.

:: قميصك الملطخ بالمشمش

                                                                                                                  بعدسة أثير السادة

 

 

 ينزلق من راحة كفي مقبض الباب الرئيسي لشقة رقم (21) في الطابق الثالث من إحدى العمارات المتهالكة بمنطقة العدلية.. حينها، أزعق بصوتٍ ملؤه الحماس: "هلااا أستاااذ".. لا يهم إن كان متسمراً أمام شاشة التلفاز في الصالة الرئيسية لمقر مسرح الصواري، أم متدثراً -كعادته- بمجموعة كبيرة من الكتب في غرفة الإدارة، فأنا متيقنٌ أنه سيكون موجوداً في المسرح.. طبعاً يعود هذا التيقن لسببين لا ثالث لهما.. الأول أنه سمكة، والمسرح ماؤه.. والثاني لتواجد سيارته التي تشبهه كثيرا في مسألة الوقوف في مكان شبه محدد ومخصص له أمام البناية، كما هو الحال بالنسبة لأماكن تواجده داخلها..

 

يصفه المرحوم الدكتور عوني كرومي في إحدى رسائله بقوله: "أيها الصعلوك، المشرد، الجميل، المغامر، الصادق، المقدس، المجنون، الصابر، المتفاني، الثرثار، المتسائل، المتشكك، المشاكس، العنيد" (1)..

 

والمعادلة تقول عندما يغيب عن التلفاز، الذي كان ما يكون يشاهد، فلن يتعدَ القنوات الإخبارية أو روتانا زمان.. محمود المليجي، شادية، أنور وجدي، فريد شوقي والقائمة تطول.. فغيابه لن يأخذه بعيدا عن طاولة الإجتماعات في غرفة الإدارة، حيث تكومت عليها مجموعة من الكتب والأوراق.. وعليه،  توجهت إلى غرفة الإدارة..

 

لقطة مقربة (Extreme Close Up) لشفتيه وهي تنم عن ابتسامة طفولية، وهو الذي يستوحشني كثيراً بعدد الشعرات البيض الفارة من لحيته المجنونة.. وعلى الرغم من كل هذا المشيب الذي يغزو وجنتيه، إلا أنه لم يستطع أن يمحو ملامح البراءة على وجهه.. تتحركالكاميرا ببطء (Dolly out) لتتضح ملامحه شيئا فشيئا، فتظهر على الكادر صورة الأستاذ عبدالله السعداوي، فيبادر بالقول:

 

"هلا.. حبيبي حسين.. وينك؟!".. (cut)..

 

"ما الذي يدور في ذهنك؟!.. ما الذي تريد أن تفعله في المسرح؟!.. ما الشكوك التي تراود نفسك تجاه الوضع المسرحي؟!..

 

دائما ما يكون التساؤل هو الذي يعني لي شيئا، لكن الجائزة أو الفوز بشيء ما، أو حتى التكريم، كل هذا لا يؤثر فيّ.. في حين أن سؤال المسرح بحد ذاته هو صاحب التأثير الكلي عليّ، وهو سؤال لا ينتهي، ولا يمكن أن يبدأ، وكلما تقمصك هذا السؤال، تجد نفسك في منطقة ليس لها قاع" (2)..

 

أشبه بفلاش باك (Flash back) أتذكر يوم أنتهينا من أحد عروض مسرحية "متروشكا".. حيث جلست معه، أتبادل الحديث حول العرض والعمل بشكل عام.. يجرنا الحديث حول التجربة إلى التوجه العلمي السائد في العصر الحديث الذي يوازيه عودة إلى الأشكال الأولية، وهو ما يوحي إلى استبدال الأنماط الدرامية السائدة بأنماط أخرى يعاد بنائها من المبادئ الأولى.. وذلك من خلال البحث في أسئلة جوهرية من قبيل:  "ما المسرح؟.. ما المسرحية؟.. ما الممثل؟.. ما المتفرج؟.. ما العلاقة بين هؤلاء جميعا؟.. ما الشروط التي تخدم تلك العلاقة بأفضل صورة؟!" (3).. والإجابة على مثل هذه الأسئلة في أحسن الأحوال لا تقودك إلاّ إلى أسئلة أخرى لا تنتهي ولا يمكن أن تبدأ..

 

ومن الحديث حول الأنماط السائدة إلى مسألة الربوبية في العمل المسرح.. بدءً من استحواذ المؤلف/النص على قمة هرم العمل المسرحي، مروراً بإنتقال هذه السلطة إلى المخرج على يد أنطونين آرتو، وقوفا بظهور الممثل على ساحة تنازع الربوبية، الذي يعقبه تفرد المتفرج بها.. بالحديث عن السعداوي، وعن أعماله التي هي بشكل أو بآخر لا يمكن فصل إحداها عن الآخر، فهنا يأتي الذهاب إلى منطقة أخرى من تنازع الربوبية.. هنا يكمن كل الفعل المسرحي.. في تلاقح العلاقة بين الممثل وبين المتفرج.. هذه العلاقة المغطاة بشيء من القدسية هي مأوىى ربوبية أي عمل مسرحي..

 

هذه الرؤية لا تأتي وليدة ساعتها، ولا هي محض الصدفة.. بل هي نتاج 43 عاماً، "قضاها السعداوي متسكعا على أزقة شعبنا، على فرق الهواة، وشرب القهوة المرة في القرى، وجلد الممثلين بسياط التدريب الطويل الشاق" (4)..

 

كما الكتف التي لا تؤكل هكذا.. لا يمكن الولوج إلى السعداوي من كل ما سبق كتابته وذكره.. فكما أنا مؤمن تمام الإيمان أن العرض السينمائي لا يمكن سرده لأنه مخلوق يرى بالعين لا بالأذن.. فإن السعداوي أشبه بالمسرح الذي يرفض أن يكون هناك وسائط متعددة (ملتيميديا) تساهم في عملية نقله.. أؤمن بذلك لأني أعي جيداً أن إنسانية السعداوي، وأنسنته للخطاب المسرحي لا يمكن أن يوصف بكلمات، ولو جمعت لوصفه كل حروف لغات العالم..

 

إن كانت هناك ثمة مطالبة بتفريغ هذه القامة المسرحية من عمله، ليصب كل اهتماماته وجهده في المنطقة الصحيحة وحيث يحب ونحب، فإن هذه المطالبة التي مرّ عليها ما لا يقل عن أربعة وزراء لا تأتي بنفعها إلاّ على هذه البلاد قبل أن تكون ذات نفع على شخص السعداوي نفسه.. نحن أبناء هذه المملكة، والمهتمين بالمسرح وبالثقافة في مملكة البحرين من يريد أن نتملئ بالحياة من خلال تفريغ الأستاذ عبدالله السعداوي..

 

الغريب ان ثقافتنا والتي لم ترَ (الفزعة) إلا في مهرجان ربيع الثقافة الفائت، حين تشدق فيه المتشدقون باسم الثقافة والحرية رافعين رايات الثقافة خط أحمر، لا يبدو أن حامل راية التجديد في المسرح البحريني، والحاصل على جائزة أفضل مخرج في مهرجان القاهرة التجريبي، يشكل قضية ثقافية شائكة ومقلقة لحد النخاع بالنسبة لهم، ولا تأخذ مسألة عدم تفريغ السعداوي على الرغم من شبه الإجماع بأحقيته لهذا التفريغ على أنها قضية مبدأ.. في الوقت الذي كان دفاعهم عن الربيع مبنيا على أساس الدفاع عن المبادئ الثقافية، حسب ما يدعون!!..

 

لكنهم رفضوا أن يمنحوه التفريغ ليعيش ونعيش.. ولم يجانب حسين مرهون الصواب حين قال في عموده في صحيفة الوقت المعنون بـ (اقتلوا عبدالله السعداوي): "هم لا يريدون قتله.. يريدون له موتا باردا".. فلو قتلوه، لأضحى شبيها بسقراط الذي كان بمثابة الذبابة التي تحاول إيقاظ الحصان الكسول وإبقاء أثينا حية.. لو قتلوه، لبات أشبه بالمسيح يحمل صليبه بين أروقة المسارح ليصلب عليها.. لو قتلوه لخلقوا حلاجا آخر.. لكنهم لا يريدون قتله..

 

 

لربما من الأفضل أن أعد مع مرهون: سنة، سنتان، ثلاث.. عشر.. وفي نهاية كل سنة نتقدم جميعا نحو النافذة، ونفتحها بهدوء.. ونطلق (في المشمش) صرخة، يهتز لها المبنى الذي يضم مسرحي الصواري وأوال. هذه الصرخة المشمشية هي التي تحدث عنها حسام في عموده بعنوان (السعداوي في زمن المشمش) كإحدى طرائق تعبير السعداوي عن امتعاضه أو استيائه من أي شيء..

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1)                 من كتاب "الزمن، النحت، السرد- قراءات في تجربة عبدالله السعداوي المسرحية" إعداد: حسام توفيق أبو اصبع.. الطبعة الأولى 2006- ص155..

(2)                 من مقابلة أجراها حسام أبو أصبع مع الأستاذ عبدالله السعداوي في جريدة أخبار الخليج 12 نوفمبر 1995م.. مقتبس النص من كتاب "الزمن، النحت، السرد- قراءات في تجربة عبدالله السعداوي المسرحية" إعداد: حسام توفيق أبو اصبع.. الطبعة الأولى 2006..

(3)                 من كتاب "المسرح الطليعي" تأليف: كريستوفر اينز.. ترجمة: سامح فكري..

(4)                 مقال لـ عبدالله خليفة في أخبار الخليج 16 أكتوبر 1994م.

 

(4) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com