على هامش (الهامش).. (الأيام) تفتح ملفاً خاصاً والحمدان يرد: المهرجانات لا تحسم تطور الحركة المسرحية في البحرين على خلفية كتابة مقال (الهامش دائماً مربك) والذي نشرته صحيفة الوطن متزامناً مع المدونة، نشرت صحيفة الأيام في عددها 7139 الصادر يوم السبت الماضي الموافق 25 أكتوبر 2008م، نشرت ملفاً خاصا في ملحقها الثقافي (رؤى) حول المشاركات البحرينية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، فاتحةً الباب على مصراعيه لكل الآراء المختلفة والمتضاربة حول إذا ما كان توالي المشاركات الهامشية في المهرجان المذكور تشكل جرس إنذار للمسرح التجريبي البحريني، أو أنها حالة طبيعية في ظل غياب المعايير الواضحة في عملية انتقاء واختيار العروض المشاركة، إلى جانب إصرار المهرجان على لائحة أسماء للجنة اختيار العروض عفا عليها الزمن ويرى البعض أنها غير مؤهلة على الإطلاق لأن تكون أسماء مسرحية عوضا أن تكون ضمن لجنة اختيار العروض. وفي نفس السياق، فقد وضّح الكاتب والناقد المسرحي البحريني يوسف الحمدان في عموده الأسبوعي المعنون بـ (والهامش مربك فعلا) في (الكنّش الثقافي) ملحق صحيفة الوطن، فقد وضح أن المهرجانات لا تحسم تفوق وتطور الحركة المسرحية في البحرين، متمنياً أن تكون هذه الأقلام التي تداعت وتكالبت مستنكرة عدم محالفة الحظ للفرق المسرحية البحرينية فرصة المشاركة في المسابقة المسرحية للمرة الرابعة أن تتصدى لهذه التجارب المسرحية بمنعزل عن مشاركتها في هذه المهرجانات، فيقول: "كنا نتمنى عليها أن تذهب للبحث والتحليل عمقاً في الأسباب الرئيسية وراء الإشكالات التي تعاني منها هذه التجارب المسرحية، فذلك الذهاب يجدي ويضيف أكثر ويسهم في وضع اليد على الجرح الذي ربما تعاني من دائه هذه التجارب المسرحية".. وهنا تنشر المدونة مقال الحمدان كاملاً، على أمل أن أقوم بكتابة مقال في المستقبل القريب يقوم بتوضيح الإشكالات التي وقع فيها قارئ المقال السابق (الهامش دائما مربك)، موضحاً فيه بعض الهنّات التي تم تلقيها بشكل مختلف كلياً عن فحواه، والله ولي التوفيق.. والهامش مربك فعلا بقلم: يوسف الحمدان بعد إقصاء فرقة الصواري المسرحية عن مسابقة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لعام 2008 التى اقيمت أكتوبر الجاري ، ووضعها في حيز الهامش ، تداعت وتكالبت أقلام وأصوات تدين وتستنكر مشاركة هذه الفرقة والفرق المسرحية البحرينية الأخرى في هذا المهرجان خاصة وانه لم يحالفها الحظ للحظوة بفرصة المشاركة في المسابقة المسرحية للمرة الرابعة، مرجعة هذه الأقلام والأصوات أسباب هذه الخيبة إلى تراجع مستوى هذه الفرق مسرحيًا ، وعدم قدرتها على طرح الجديد والمغاير وتجاوز التجارب والجهود المسرحية التي مثلت المسرح البحريني في مثل هذه المهرجانات لأكثر من مرة والإضافة إليها أو الانقلاب عليها ، ووقوفها عند خط الجمود والتبلد والتكلس، لذا ينبغي على هذه الفرق ـ من وجهة نظر هذه الأقلام والأصوات ـ إعادة النظر مليًا وجديًا في تجاربها المسرحية التي تشتغل عليها، وإلا فإن مصيرها في نهاية المطاف (الهامش)، وكما لو أن هذه المهرجانات هي التي تحسم تفوق وتطور الحركة المسرحية في البحرين ، أو كما لو أن ضرورة الاشتغال مسرحيًا ينبغي أن تأتي وفق متطلبات المشاركة في مثل هذه المهرجانات كي تحظى بأحد (مقاعد) المسابقة فيها. كنا نتمنى على هذه الأقلام والأصوات أن تتصدى لهذه التجارب المسرحية بمعزل عن مشاركتها في هذه المهرجانات ، كنا نتمنى عليها أن تذهب للبحث والتحليل عميقًا في الأسباب الرئيسية وراء الإشكالات التي تعاني منها هذه التجارب المسرحية ، فذلك الذهاب يجدي ويضيف أكثر ويسهم في وضع اليد على الجرح الذي ربما تعاني من دائه هذه التجارب المسرحية، ومن يتصدى لها من هذه الفرقة أو تلك، إذ إن المهرجانات المسرحية العربية على وجه الخصوص لم تكن قط معيارًا لتطور أو جدة أو تجريبية أو إبداعية التجربة المسرحية، وذلك لما يعتريها من محسوبيات وإرباك في التنظيم واضطراب في التوجه وضياع لبوصلة استراتيجيات إدارتها ، وترضيات يتساوى فيها المتميز بالهش ، وأمزجة يطغى على تقلباتها النووية البيروقراطية والأفق الضيق . أعود وأقول ، إذا أردنا أن نقيم التجربة المسرحية ينبغي أن نخضعها لمجهر الواقع الذي تشكلت على ضوئه منابتها لا من منطلق حضورها في المهرجانات العربية ، وأنطلق فيما أذهب إليه من زعم ، من خلال تجربة مشاركاتية في المهرجانات العربية ، محاضرًا ومخرجًا وضيفًا وعضوًا في لجان التحكيم، إذ غالبًا ما يكون في هذه المهرجانات الهامش والمستثنى من المسابقة هو الأهم والأجمل والأكثر قدرة على طرح الأسئلة المسرحية الراهنة ، بل أن كثير من هذه التجارب رشحت للدخول في المسابقة ، ولكنها رفضت المشاركة عندما لاحظت الفوضى في اختيار العروض المسرحية ، وعدم إلتزام لجان المهرجان بالمكان المقترح لتقديم العرض ، بجانب عدم توفيرها حتى بعض القطع والإكسسوارات التي يحتاجها العرض رغم ( جزومات ) إدارة المهرجان تلبية هذه القطع والإكسسوارات حين مخاطبة هذه الفرق المسرحية لها ، إضافة إلى عدم اكتراث هذه الإدارات بالجانب الإنساني لدى الفنان وعدم احترام استضافته و( بهدلته ) في الأماكن الرديئة لإقامته خلال فترة المهرجان ، ولمن لا يعلم فإن بعض الفرق المسرحية اضطرت للإقامة في أماكن أخرى على حسابها الخاص نظرا لرداءة مكان الإقامة الذي خصصته إدارة المهرجان للفــــرق المشاركة ، هذا إلى جانب اختيار إدارة المهرجان لأعضاء لجان التحكيم بمعزل عن مدى ما يتمتعون به من وعي وخبرة وتجربة ، وإضافة للحركة المسرحية في بلدانهم أو على الصعيد المسرحي العربي والدولي الأوسع ، بل أن بعض أعضاء لجان التحكيم ليسوا مسرحيين في الأساس ، وبعضهم من ذوي التوجه التقليدي والكلاسيكي في المسرح الذي لا يمكن أن يتسق اختياره مع مهرجان تجريبي التوجه، وعليه من حق هذه الفرق المسرحية أن ترفض المشاركة في المسابقة أو تفضل الهامش على الرئيسي المرتبك أو تفضل عدم تقديم عروضها في هذا المهرجان أو الانسحاب منه تمامًا ، وقد حدث ذلك كثيرًا لمن لا يعلم بذلك أيضًا ، خاصة وأن كثيرًا من العروض ذات التوجه التقليدي والكلاسيكي المشاركة في هذا المهرجان نالت نصيًبا مدهشًا من الفوز بالجوائز في أغلب دورات (التجريبي ) .. إن مثل هذه المهرجانات المسرحية في الوطن العربي تعتبر بيئة ( طاردة ) للإبداع المسرحي وليست جاذبة له، وإذا كان الغرض منها تنشيط السياحة في بلد المهرجان ، فإنها بهذا الوضع المتردي ستكون أول من يسيء للسياحة والإقتصاد في هذا البلد أو ذاك ، وغالبا ما تبدأ هذه المهرجانات قوية ولكنها سرعان ما تتراجع وتعلن تلكؤها وعجزها عن استكمال ما بدأته بنفس القوة والحماس ، أو كما لو أنها تعتقد بأن ضمان استمرارية هذا المهرجان تكمن في قوة بدايته وما سوف يتبع هذه البداية ليس بذي أهمية ، فهل يمكن أن تعتبر هذه المهرجانات ترمومترا ( دقيقا ) لمستوى تطور التجارب المسرحية في البحرين أو الوطن العربي ؟. إن المهرجانات المسرحية التجريبية في دول مثل أوربا ، مثل مهرجان أفينيون أو زيوريخ أو مرسيليا أو أدنبرة أو توروز ، هذه المهرجانات لا تقام على أساس المسابقة و(الهامش) ، ذلك أن التجريب اتجاهات ورؤى متباينة مؤسسة على البحث المختبري والخلق اللحظي والإكتشاف ، ولا يمكن إخضاعها على الإطلاق للمسابقة ، إنها تجارب تقدم ما لديها ويجري الحوار حول ما قدمته والإستفادة منه إذا كان اتجاهها يضيف للتجارب المسرحية التجريبية الأخرى ، فكم فرقة مثلا استثمرت تجارب بيتر بروك وأريان نوشكين وسادك وأجستو بوال وأوجينيو باربا وكابوكي المعلم سوزوكي وأندريه فوزان وغروتوفسكي وستانسلافسكي وجوزيف تشاينا وتادوش كانتور وآرتود وغيرهم من مؤسسي الإتجاهات في أوربا وآسيا ؟ إن هذه الإتجاهات التجربية الموارة أو التي تمضي على رمال متحركة أو على ذرى أمواج البحار الهائجة حسب المخرج الإيطالي ( تشولي ) ، ليست حكرا على خلفان أو الحمدان أو السعداوي من مسرح الصواري حتى يطالب البعض بنسفهم أو الإنقلاب عليهم أو الإضافة إليهم إنطلاقا من إقصاء مسرحية خلفان الأخيرة ( فجأة لم يهطل المطر ) عن المشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان التجريبي بالقاهرة ، إنها تجارب واتجاهات بحث مستمر في دقائق الحياة والمسرح وبحاجة إلى طاقات تمارس هذا البحث كي تكون جديرة بمطالبتها تغيير الحال إلى الأفضل ، وما أكثر إلحاح خلفان والحمدان والسعداوي ، والذين ينبغي أن نجل فيهم عدم يأسهم بعد من هذا الإلحاح ، إلحاحهم على تقديم التجارب المسرحية الباحثة ومن الشباب أنفسهم ، بجانب احتفائهم الفائق وغير العادي لأي طاقة مسرحية شابة تضيء أو تبزغ في ( ليل ) مسرحنا في مجال الإخراج أو التمثيل أو التأليف أو السينوغرافيا ومن هذه الطاقات الفنانين خالد الرويعي ومحمد الصفار وحسين عبدعلي وحسين الرفاعي وسلمان العريبي وغيرهم ممن لا تسعفني الذاكرة على تذكر أسمائهم الآن ، إذ أن المطالبة بتجاوز هذه الأسماء ( السعداوي وخلفان والحمدان ) أو الإنقلاب عليها يشي باحتكارها لـ ( سلطة ) التجريب والمسرح في فرقة الصواري ، بينما هي بعض ممن يدعو إلى انقلاب ونسف مسرحيين دائمين ودون هوادة من أجل تحريك وتجاوز المياه إذا كانت راكدة في تجاربها أولا وفي الحركة المسرحية البحرينية عموما ، فالمسرح ياصحبي فعل الفكر والإبداع والذات وليس لياقة بدنية مرهونة بزمن بيولوجي وطاقوي معين ، لذا هو دائما في غمار التحدي والمخاطرة وعلى من يريد أن يكون أهلا للنسف والإنقلاب أن يكون في قلب الفعل ، في لجة البحر ، لا على سواحله أو قرب حـــواف زبده .. أرجو ألا تشغلنا المهرجانات ومسابقاتها وهوامشها عن الوقوف على فعل المسرح وعن الظروف العصيبة التي تشتغل في حيزها فرقنا المسرحية ، كما أن فرقنا المسرحية والصواري تحديدا غالبا ما تكون مشاركاتها المسرحية بجوار فرق مسرحية عريقة وذات توجهات مسرحية وفكرية رصينة وتعمل في مناخات منتجة للمسرح والفكر والإنسان وتتوفر لديها كافة البنى المسرحية بأنواعها وأشكالها التقليدية والحديثة وتلقى من الإهتمام ما تحتاج لتحقيق خمس منه لفرقتك بعد قرن ربما من الزمن ، وربما ـ حسب الظروف ـ لا يتحقق شيء منه ، فيكفينا فخرًا أن نشارك في هامش المهرجان بجوار بعض من هذه الفرق خير من ألا نشارك أبدًا أو نتأخر في المشاركة ، فالهامش في مثل هذه المهرجانات العربية وإن كانت دولية مربك فعلاً للتجارب المشاركة في المسابقة وللجهة المنظمة لمثل هذه المهرجانات لأنه المغاير وغالبا ما يكون خارج دائرة التوصيف التي تسعى أغلب هذه الجهات إلى إحكامها أكثر مما ينبغي بجانب كون هذا الهامش فسحة منشودة لأهل التجربة كي يكونوا في ممارستهم للفعل المسرحي خارج دائرة الرقابة وسلطاتها المتعددة.

"فجأة لم يهطل المطر" مسرحية الصواري التي يشارك بها في الدورة العشرين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لم يهطل مطرها بالفعل على شوارع القاهرة، بل جاءت على هامشه سحابة صيف كلما أرعدت رعودها أو أبرقت بروقها فلن تتمخض من جوفها ثمة قطرة. ليواصل بذلك المسرح البحريني سنواته الأربع المتتالية العجاف الشداد اللاتي يمتهن فيها عروض الهامش، ويحترف الركون على دكة الاحتياط بعيداً عن أوج المنافسة التي كان فيها طرفاً يحسب له ألف حساب. ويا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون.. ففي الأمس كانت "ألوان أساسية" لمسرح أوال تصبغ المهرجان بلون رمادي محايد. وقبلها "مسافر ليل" لمسرح الصواري سافرت لتعود بخفي حنين. وتسبقهما "عذاري" للأواليين التي كسرت قول القائل بأنها تسقي البعيد، فلم يرتوي بها البعيد ونام القريب يشكو الظمأ. كلها عروض مسرحية عجزت عن تسجيل اسمها ضمن العروض المستحقة للدخول في سياق المنافسة في مهرجان القاهرة التجريبي بشكل متتالي. كلها عروض تقبع في الهامش، والهامش دائماً مربك، مخيف، غامض، مثير للشك.. وبعيداً عن الوقوف على أطلال المشاركات البحرينية في المهرجان السالف الذكر، وأبعد عن اللبن لحظة انسكابه والبكاء عليه، تشمّر سنة 1994م عن فوز البحرين بجائزة أفضل إخراج للمسرحي عبدالله السعداوي وذلك عن مسرحية "الكمامة"، في الوقت الذي تشهد فيه سجلات المهرجان أنه لا يقاسم السعداوي ثمة عربي آخر في نيله هذه الجائزة سوى المسرحي العراقي جواد الأسدي على مدى عشرين دورة. وتشهد قاعة يوسف إدريس بمسرح السلام على تألق "الليلة العلمية" في 1998م لإبراهيم خلفان وترشيحها لجائزتي أفضل سينوغرافيا وأفضل ممثل لمحمد الصفار. وهذا الأخير كرر فرض نفسه كخامة مسرحية لها أن تنافس ممثلين من شتى صقاع العالم في سنة 2003م من خلال دوره في مسرحية "يوم نموذجي". في حين لم ترضَ مسرحية "ضوء/ظل" لسلمان العريبي بالظل مقعداً لها خلال مشاركتها في عام 1999م بل سلطت على نفسها الضوء من خلال ترشيحها لجائزة أفضل سينوغرافيا وكانت قاب قوسين أو أدنى بأن تظفر بها. حتى تلك المشاركات التي لم يتم ترشيحها للحصول على جوائز المهرجان المختلفة فهي في أضعف الإيمان كانت بين قوسين المنافسة، وتحت خطين الترقب والمتابعة الحثيثة لما تحمله من حالة مسرحية مختلفة ومغايرة عن العروض المشاركة. على ما يبدو اليوم، وبعد مرور أربع مشاركات هامشية متتالية للمسرح البحريني في هذا المهرجان، باتت المنافسة الحق والانجاز الكبير لهذا المسرح الذي استطاع لفترة أن يسطر اسمه ضمن المسارح المربكة والمثيرة للجدل، هو أن يستطيع –بشكل أو بآخر- أن يقدم عروضه المسرحية تحت خانة عروض المسابقة وليس ضمن جدولة العروض الهامشية، بغض النظر إن كانت ستدر هذه المشاركة للبحرين بجائزة نضيفها لجائزة 94م، أو مجرد الترشيح في أحسن الأحوال.. والسؤال –بعيداً عما تخبأه لنا المشاركات في السنوات القادمة- هو لماذا؟! أليس الهامش مربك وقد نستشري منه ثمة نقص أو تأخر في مجمل عروضنا؟!.. أليس هذه السنوات الأربع التي عجز فيها المسرح البحريني أن يكون منافساً حقيقياً في المهرجان هي بمثابة جرس إنذار للفرق المسرحية لكي تعيد أوراق عروضها وتدخل في أروقة نقد الذات فيما قدمت وما ستقدم؟!.. أليس السنوات الأربع هي إشارة فاضحة للبون الشاسع بين ما يقدمه المسرح البحريني من عروض تجريبية وما تقدمه الدول الأخرى؟!.. ألسنا في حاجة إلى ثمة هزة عنيفة أو صدمة قاسية ليكون هناك ثمة انقلاب مشروع على كل ما هو ساكن وجامد في الحياة المسرحية البحرينية؟!.. ألسنا بحاجة لمن يهشم جبل الجليد؟!.. المتتبع للحياة المسرحية في البحرين وعلى مدى 80 عاماً يعي جيداً أن المسرح البحريني لم يشهد هزة عنيفة أربكت أطرافه لينهض بعدها محموماً بحالة إبداعية مجنونة سوى هزتين يتيمتين. الأولى كانت ذات سحنة وولادة طبيعة ذكرها المؤرخ البحريني مبارك الخاطر في كتابه "المسرح التاريخي في البحرين" وهي مسرحية "القاضي بأمر الله" في عام 1925م على اعتبارها أول مسرحية بحرينية جاءت وليدة مقتضيات الظروف الموضوعية للتعليم في البحرين. بالإضافة إلى دور الشاعر الكبير الراحل إبراهيم العريض في رفد المسرح البحريني والعربي بشكل عام، على اعتباره من مؤسسي المسرح الشعري في منطقة الخليج في ثلاثينات القرن المنصرم. أما الهزة الثانية فقد احتاجت إلى ولادة قيصرية ليتم استيعاب قسوتها، وكانت على يد الأستاذ عبدالله السعداوي الذي عاد إلى البحرين عام 1986م محملا بأسئلته المسرحية المخلخلة لكل ما هو ثابت ومقدس في المسرح، بعد رحلة عاش مقدمتها في الامارات مشاركاً في تأسيس مسرح الشارقة، وتلمّذ خلالها تحت يد الفنان العراقي الراحل إبراهيم جلال، واشتغل مع الراحل الدكتور عوني كرومي، وأسس مسرح السد في قطر. ليعود بعدها إلى البحرين ويلقي بمصطلح مسرحي جديد مقلق وهو "التجريب"، وتكون نتائج هزته الملموسة مسرحية "الرجال والبحر". تجدر الإشارة إلى دور الفنان إبراهيم خلفان في تعزيز هذه الصدمة وجني ثمارها عبر عروضه المسرحية التي كانت تحمل في طياتها حسا تجريبيا. وإلى ما لعبه قلم الناقد يوسف الحمدان في إثراء الساحة البحرينية بما يوازي دور السعداوي في فتح الآفاق أمام المسرح البحريني على مدى أوسع لإنتاج معرفة جديدة ومغايرة للمسرح، أسست لملامح مرحلة مختلفة.. بشكل مبسط، فإن أحوج ما يحتاجه المسرح البحريني في الوقت الراهن، هو هزة عنيفة تكون شبيهة أو تفوق تلك الهزة التي استقر الحال عليها. هذا الاستقرار والجمود يأتي بفعل مناقض تماما إلى ما ترمي إليه هزة السعداوي وخلفان والحمدان التي تحمل في جوفها تقديم العروض المسرحية الحديثة والاهتمام بالبحث المسرحي القائم على عملية تكرار الاختبار والإكثار منه، بمعنى عدم الارتكان إلى اختبار واحد والتشبث به باعتباره الصواب الدائم، بل تكون الأعمال المسرحية مرتكزة على حالة ديناميكية تفاعلية غير مستقرة إطلاقا ومنغمسة في البحث والاكتشاف بغرض تدشين فضاءات الإبداع.. أما حالة السكون التي يعيشها المسرح البحريني وتشير إليه الأربع سنوات الماضية في اقتصار العروض المسرحية البحرينية على كونها عروض هامشية، دليل على أن هناك ثمة تطور وتقدم في المسارح العالمية الأخرى لم نقوى على ملاحقته، وعلى أن عجلة التطوير في المسرح البحريني لم تبرح مكانها. إذا جليٌ أننا بحاجة ماسة لمن يهزّ إليه بجذع المسرح فتساقط علينا مرحلة إبداعية، بحاجة لمن يقوم بعملية انقلاب أو امتداد مكمّل لما جاء به السعداوي وخلفان والحمدان، وهذه طبيعة الفعل المسرحي، ثمة شخص يبدأ وآخر ينسف ويكمل.. أما الاستقرار فإنه يعني المكوث على الهامش، والهامش مربك..
<<الصفحة الرئيسية











