"فجأة لم يهطل المطر" مسرحية الصواري التي يشارك بها في الدورة العشرين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لم يهطل مطرها بالفعل على شوارع القاهرة، بل جاءت على هامشه سحابة صيف كلما أرعدت رعودها أو أبرقت بروقها فلن تتمخض من جوفها ثمة قطرة. ليواصل بذلك المسرح البحريني سنواته الأربع المتتالية العجاف الشداد اللاتي يمتهن فيها عروض الهامش، ويحترف الركون على دكة الاحتياط بعيداً عن أوج المنافسة التي كان فيها طرفاً يحسب له ألف حساب. ويا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون.. ففي الأمس كانت "ألوان أساسية" لمسرح أوال تصبغ المهرجان بلون رمادي محايد. وقبلها "مسافر ليل" لمسرح الصواري سافرت لتعود بخفي حنين. وتسبقهما "عذاري" للأواليين التي كسرت قول القائل بأنها تسقي البعيد، فلم يرتوي بها البعيد ونام القريب يشكو الظمأ. كلها عروض مسرحية عجزت عن تسجيل اسمها ضمن العروض المستحقة للدخول في سياق المنافسة في مهرجان القاهرة التجريبي بشكل متتالي. كلها عروض تقبع في الهامش، والهامش دائماً مربك، مخيف، غامض، مثير للشك.. وبعيداً عن الوقوف على أطلال المشاركات البحرينية في المهرجان السالف الذكر، وأبعد عن اللبن لحظة انسكابه والبكاء عليه، تشمّر سنة 1994م عن فوز البحرين بجائزة أفضل إخراج للمسرحي عبدالله السعداوي وذلك عن مسرحية "الكمامة"، في الوقت الذي تشهد فيه سجلات المهرجان أنه لا يقاسم السعداوي ثمة عربي آخر في نيله هذه الجائزة سوى المسرحي العراقي جواد الأسدي على مدى عشرين دورة. وتشهد قاعة يوسف إدريس بمسرح السلام على تألق "الليلة العلمية" في 1998م لإبراهيم خلفان وترشيحها لجائزتي أفضل سينوغرافيا وأفضل ممثل لمحمد الصفار. وهذا الأخير كرر فرض نفسه كخامة مسرحية لها أن تنافس ممثلين من شتى صقاع العالم في سنة 2003م من خلال دوره في مسرحية "يوم نموذجي". في حين لم ترضَ مسرحية "ضوء/ظل" لسلمان العريبي بالظل مقعداً لها خلال مشاركتها في عام 1999م بل سلطت على نفسها الضوء من خلال ترشيحها لجائزة أفضل سينوغرافيا وكانت قاب قوسين أو أدنى بأن تظفر بها. حتى تلك المشاركات التي لم يتم ترشيحها للحصول على جوائز المهرجان المختلفة فهي في أضعف الإيمان كانت بين قوسين المنافسة، وتحت خطين الترقب والمتابعة الحثيثة لما تحمله من حالة مسرحية مختلفة ومغايرة عن العروض المشاركة. على ما يبدو اليوم، وبعد مرور أربع مشاركات هامشية متتالية للمسرح البحريني في هذا المهرجان، باتت المنافسة الحق والانجاز الكبير لهذا المسرح الذي استطاع لفترة أن يسطر اسمه ضمن المسارح المربكة والمثيرة للجدل، هو أن يستطيع –بشكل أو بآخر- أن يقدم عروضه المسرحية تحت خانة عروض المسابقة وليس ضمن جدولة العروض الهامشية، بغض النظر إن كانت ستدر هذه المشاركة للبحرين بجائزة نضيفها لجائزة 94م، أو مجرد الترشيح في أحسن الأحوال.. والسؤال –بعيداً عما تخبأه لنا المشاركات في السنوات القادمة- هو لماذا؟! أليس الهامش مربك وقد نستشري منه ثمة نقص أو تأخر في مجمل عروضنا؟!.. أليس هذه السنوات الأربع التي عجز فيها المسرح البحريني أن يكون منافساً حقيقياً في المهرجان هي بمثابة جرس إنذار للفرق المسرحية لكي تعيد أوراق عروضها وتدخل في أروقة نقد الذات فيما قدمت وما ستقدم؟!.. أليس السنوات الأربع هي إشارة فاضحة للبون الشاسع بين ما يقدمه المسرح البحريني من عروض تجريبية وما تقدمه الدول الأخرى؟!.. ألسنا في حاجة إلى ثمة هزة عنيفة أو صدمة قاسية ليكون هناك ثمة انقلاب مشروع على كل ما هو ساكن وجامد في الحياة المسرحية البحرينية؟!.. ألسنا بحاجة لمن يهشم جبل الجليد؟!.. المتتبع للحياة المسرحية في البحرين وعلى مدى 80 عاماً يعي جيداً أن المسرح البحريني لم يشهد هزة عنيفة أربكت أطرافه لينهض بعدها محموماً بحالة إبداعية مجنونة سوى هزتين يتيمتين. الأولى كانت ذات سحنة وولادة طبيعة ذكرها المؤرخ البحريني مبارك الخاطر في كتابه "المسرح التاريخي في البحرين" وهي مسرحية "القاضي بأمر الله" في عام 1925م على اعتبارها أول مسرحية بحرينية جاءت وليدة مقتضيات الظروف الموضوعية للتعليم في البحرين. بالإضافة إلى دور الشاعر الكبير الراحل إبراهيم العريض في رفد المسرح البحريني والعربي بشكل عام، على اعتباره من مؤسسي المسرح الشعري في منطقة الخليج في ثلاثينات القرن المنصرم. أما الهزة الثانية فقد احتاجت إلى ولادة قيصرية ليتم استيعاب قسوتها، وكانت على يد الأستاذ عبدالله السعداوي الذي عاد إلى البحرين عام 1986م محملا بأسئلته المسرحية المخلخلة لكل ما هو ثابت ومقدس في المسرح، بعد رحلة عاش مقدمتها في الامارات مشاركاً في تأسيس مسرح الشارقة، وتلمّذ خلالها تحت يد الفنان العراقي الراحل إبراهيم جلال، واشتغل مع الراحل الدكتور عوني كرومي، وأسس مسرح السد في قطر. ليعود بعدها إلى البحرين ويلقي بمصطلح مسرحي جديد مقلق وهو "التجريب"، وتكون نتائج هزته الملموسة مسرحية "الرجال والبحر". تجدر الإشارة إلى دور الفنان إبراهيم خلفان في تعزيز هذه الصدمة وجني ثمارها عبر عروضه المسرحية التي كانت تحمل في طياتها حسا تجريبيا. وإلى ما لعبه قلم الناقد يوسف الحمدان في إثراء الساحة البحرينية بما يوازي دور السعداوي في فتح الآفاق أمام المسرح البحريني على مدى أوسع لإنتاج معرفة جديدة ومغايرة للمسرح، أسست لملامح مرحلة مختلفة.. بشكل مبسط، فإن أحوج ما يحتاجه المسرح البحريني في الوقت الراهن، هو هزة عنيفة تكون شبيهة أو تفوق تلك الهزة التي استقر الحال عليها. هذا الاستقرار والجمود يأتي بفعل مناقض تماما إلى ما ترمي إليه هزة السعداوي وخلفان والحمدان التي تحمل في جوفها تقديم العروض المسرحية الحديثة والاهتمام بالبحث المسرحي القائم على عملية تكرار الاختبار والإكثار منه، بمعنى عدم الارتكان إلى اختبار واحد والتشبث به باعتباره الصواب الدائم، بل تكون الأعمال المسرحية مرتكزة على حالة ديناميكية تفاعلية غير مستقرة إطلاقا ومنغمسة في البحث والاكتشاف بغرض تدشين فضاءات الإبداع.. أما حالة السكون التي يعيشها المسرح البحريني وتشير إليه الأربع سنوات الماضية في اقتصار العروض المسرحية البحرينية على كونها عروض هامشية، دليل على أن هناك ثمة تطور وتقدم في المسارح العالمية الأخرى لم نقوى على ملاحقته، وعلى أن عجلة التطوير في المسرح البحريني لم تبرح مكانها. إذا جليٌ أننا بحاجة ماسة لمن يهزّ إليه بجذع المسرح فتساقط علينا مرحلة إبداعية، بحاجة لمن يقوم بعملية انقلاب أو امتداد مكمّل لما جاء به السعداوي وخلفان والحمدان، وهذه طبيعة الفعل المسرحي، ثمة شخص يبدأ وآخر ينسف ويكمل.. أما الاستقرار فإنه يعني المكوث على الهامش، والهامش مربك..
أضف تعليقا
من البحرين

يقول المثل الجرماني من يبغي بيع حصان أعور يشيد بقوائمه. والهامش هو العور والحول والقذى.
من البحرين

(( فجأة لم يهطل المطر جاءت سحابةأرعدت و أبرقت بروقها فتمخضت ثمة هطل المطر على القاهرة )).
ما يثير استغرابي اخ حسين انك تعلم جيدا ان المسرح لا يقاس بمكيال املكه انا او انت او حتى غيرنا، والهامش ليس دكة الاحتياط بل كان يحمل بداخلة الكثير من العروض الممتاز"اللاعب ميسي على دكة الاحتياط ايضا"
والتى في اعتقادي افضل بكثير مما كان في المسابقة.
مهرجان القاهرة التجريبي في الفترة الاخيرة يطرح قضايا مسرحية تتم مناقشتها من خلال الورش والندوات وعلى اثرها يتم عنونة الاشكالية التي يعاني منها المسرح في الوطن العربي ويتم تحديد ثيمت المهرجان.
يعني
في سنة 2006 لما شارك مسرح الصواري بمسرحية مسافر ليل كان عنوان المهرجان هو التراث والهوية الوطنية في المسرح العربي ، وعليه تم ابعاد المسرحية عن المسابقة كونها لا تحمل اي موروث او قضية بحرينية. لم يتم ابعادها على اساس فني كما تعلم ان المسرحية كانت بمستوى فتي وتثميل ممتاز .
في 2008 المهرجان التجريبي
( الفرق المستقلة والصعاب التي تواجهافي الوطن العربي)
ومسرح الصواري مسرح اهلي تابع لوزارة الاعلام .... خارج المسابقة
هذه العناوين والنقاشات لم يتم اخطار البحرين بها لكي تستعد بعمل يخدم الفكرة المطروحة وهذه اشكالية يعاني منها الكثير من المشاركين في المهرجان .
صدقني حسين انني من هذا المهرجان اجد ان المسرح البحريني متقدم بكثير عن المسارح العالمية وان العروض المشاركة اشبه بكثير بالعروض التي كانت تقدم في الثمانينات في البحرين.
المسرح ليس بحاجة الى هزه تزيح الجليد ، بل نحن بحاجة لهزه تزيح الجليد عن اعيننا وعن قلوبنا.
باسل حسين
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












من البحرين
مرحبا..
لا يا حسين قد لا يكون الهامش مربكا دائما