حسين عبدعلي
.

:: "احرق بعد القراءة".. لا تحضر بخافقيك

 

"Burn After Readig؟! فيلم بايخ.. وما أنصح أي واحد يشوفه.. وما يستحق دينارين ونص تخسر عليه"..

أحدهم قال لي قبل مشاهدتي الفيلم

هكذا ببساطة يعلق أحدهم على فيلم "إحرق بعد القراءة Burn After Reading" للأخوين الرائعين جويل وإيثان كوين صاحبي الفيلم المثير "لا بلد للمسنين No Country for Old Men"، الذي نال ثلاث جوائز أوسكار في العام الماضي.. وفي ردّي قبيل مشاهدة الفيلم على هذا التعليق قلت: "كل هذا الوصف بـ (البياخة) وعدم استحقاقه للدينارين والنصف هو دافع ولا أروع بالنسبة لي لمشاهدة الفيلم".. ولا يأتي إصراري لمشاهدة الفيلم تعنتاً ولا غروراً، ولا تسقيطاً لما ذهب إليه صاحب التعليق في تعليقه على الفيلم، فأنا موقنٌ تمام التيقن أن له حرية التعبير عن رأيه كما أن اختلاف الذائقة حق مشروع لكل شخص، وما يُعجب زيد قد يثير غثيان عمر.. وإنما إصراري كان وليد الكثير من الأمور التي تشفع للفيلم وتدفع لمشاهدته بغض النظر إن أخفق أو نجح القائمين عليه، واستند منها على أمرين: أولهما تصدي الأخوين كوين لكتابته وإخراجه.. وثانيها كون الفيلم يضم كوكبة رائعة من النجوم مثل: الممثل القدير جون مالكوفيتش، جورج كلوني الحاصل على أوسكار أحسن ممثل مساعد عن دوره في فيلم "سيريانا" سنة 2006، براد بيت، الممثلة فرانسيس ماكدورميند زوجة أحد الأخوين والحائزة على أوسكار أفضل ممثلة عن "فارجو"، إلى جانب الاسكتلندية تيلدا سوينتون والتي نالت جائزة أفضل ممثلة مساعدة العام الماضي عن دورها مع جورج كلوني في فيلم "مايكل كلينتون".

ببساطة وعلى نحو ساذج يمكننا أن نعتبر الفيلم يقوم على فكرة بسيطة وهي وصول اسطوانة رقمية بالصدفة إلى براد بيت (تشاد) الشاب المغمور من جيل الآي بود والذي يعمل في نادي صحي مع ماكدورميند (ليندا) المهووسة بعمليات التجميل والتي تراها بوابة العبور إلى قلب رجلٍ ما تنتقيه من إحدى مواقع التعارف بالشبكة العنكبوتية، ليكتشفا أن الاسطوانة تحوي معلومات وأرقام مهمة لها علاقة جهاز الاستخبارات الأمريكية السي آي أي.. نكتشف مسبقاً أن هذه الاسطوانة عبارة عن مذكرات ومدونات مالكوفيتش (أوزبون كوكس) الذي كنا قد رأيناه في المشهد الأول من الفيلم وهو يفقد وظيفته بدعوى أنه مدمن على الشراب، لكن إدارة المخابرات تريد التخلص منه، وعليه ينوي (كوكس) كتابة مذكراته التي وقعت في يدي (تشاد) و(ليندا) فتراودهما فكرة استثمار هذا القرص عبر ابتزاز (كوكس) أو عبر بيعه إلى السفارة الروسية بعد تمنّع الأول عن الدفع..

بشكل متوازٍ يدخل جورج كلوني (هاري) الآلة الجنسية في الفيلم ومفتش الضرائب الذي يخون زوجته وتبادله الأخيرة الخيانة، فيقيم علاقة مع سوينتون (كيتا) زوجة مالكوفيتش (كوكس)، وفي نفس الوقت يتعرف على (ليندا) من خلال الشبكة العنكبوتية. تتداخل القصة في جوف أختها، فيقوم بقتل (تشاد) بمحض الصدفة التي قادت (تشاد) لدخول بيت (كوكس) بحثا عن معلومات أخرى، وهو –أي هاري- الذي يلاحظ تعقب أحدهم له طوال الفيلم، إلى أن يكتشف أن من يتعقبه مرسل من قبل زوجته لتثبت خيانته فيقوم بتطليقها..

هذه الأحداث البسيطة في ظاهرها العميقة في باطنها، تخفي وراءها حالة من العبثية، نراها تتجلى في مصائر الشخصيات الست، وفي تعّقد الأحداث وتقاطعها على نحو غير متوقع عبثي، بالإضافة لكون هذه الشخصيات جميعها –بشكل أو بآخر- شخصيات خاسرة، تريد أن تفعل شيئا، لكنها في كل مرة تفشل..

عندما يزجنا الأخوين في قصة الاسطوانة الرقمية فهما على الوجه التحديد لا يتحدثان عن اسطوانة وحسب، بل هما يعريان أمريكا المعاصرة بصورة ساخرة سوداء: التجسس، الجشع، والخيانات المتعددة، والبارانويا المتصاعدة، وعدم الثقة في الذات، والتشكيك في الآخر.. سوداوية الكوميديا التي يتبعها كوين وإن جاءت مكثفة في فيلمهم الأخير، إلا أنها لم تكن اليتيمة في أفلامهم بشكل عام، وقد كانت هذه الكوميديا ملموسة وواضحة في "لا بلد للمسنين". إذ أنها لا تعتمد مطلقا على (الأوفيه) أو (النكتة) المنطوقة، كما نجدها عند المونولوجست إيدي مورفي، ولا على التكشير بالوجه أو استخدام المؤخرات لإضحاك الناس كما هي عند مارتن لورنس.. هنا الكوميديا كوميديا الموقف، كوميديا شر البلية.. ولذلك عمد الأخوين على خلق مسافة بيننا وبين ما نشاهده، مسافة بين الشخصيات أنفسها وبين الشخصيات والمشاهد. لا يريد منّا الأخوين أن نبكي في اللحظات الإنسانية كما تذهب إليه المسلسلات الخليجية، فليس مطلوبا منك أيها المشاهد أن تبكي، فأنت في نهاية المطاف مجرد مشاهد. ليس مطلوب منك الضحك في كل مشهد يكون فيه الأداء كاريكاتوريا مبالغاً فيه، فحتى هذا الأداء الكاريكاتوري المبالغ مقصود ومن حتميات عبثية الأخوين.. وليس من مهمات الشخصيات في الفيلم أن تترك لدى المتفرج انطباعا بالرضا أو الاستعطاف أو بالمقابل الازدراء والكره.. بمعنى آخر لا يود الأخوين أن يكون المتفرج حاضرا بقلبه، بل ليأتي بعقله فقط..

في ختام هذا المقال، أرجوا ألا يفهم كل ما سبق على أنه دعوه صريحة لمشاهدة الفيلم، فقد تكون ردة فعلك أيها القارئ بعد مشاهدته أنه " فيلم بايخ.. وما أنصح أي واحد يشوفه.. وما يستحق دينارين ونص تخسر عليه"..

(6) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com