حسين عبدعلي
.

:: في رحيل بنتر.. هل قبّلتم الجثة؟!

 

 

يأخذك المصل إلى الخلايا التي نسيت أن تموت..

أنت أيضاً أيها المتسربل بثلج ممرضةٍ لم تتذكر أن توضب كحلها،

وبملاءة بيضاء،

نسيتَ كيفَ تموت يومَ تجمّعت الخلايا السود في حنجرتك..

نظر الله في قلبك،

باحثاً عن نشرةِ طقسٍ ملائمة،

أو أغنية مبتهجة تتناسل ليل نهار..

قالوا:

"ستحيلك الأورام أعمى وأصم كما كنت قبل ولادة المرض"

لكنها يدك ولاشيء آخر..

لاشيء على الإطلاق..

تعبث بالعبث، فتحول دون ذلك..

ليس الموت سوى مشهد أخير من مسرحية لا تنتهي،

ليس سوى أن تقول ما كنت على وشك قوله

عند اللقاء الذي كان على وشك الحصول

والذي الآن قد انتهى..

(7) تعليقات

:: عامي الجديد.. لا أطفئ فيه الشموع بل أشعلها

 

في السادس عشر من ديسمبر.. هناك حيث مولدي مزيجٌ من العويل والفرح.. الألعاب النارية التي كانت تزين السماء في جزء من الجزيرة، كان جزءها الآخر محفوف بالسواد.. أهزوجة "العرضة" في الطرف الآخر كان يحل محلّها صوت رادود القرية وبكاء أمي.. هذا مولدي.. وهذا الماء أسرد صورته..

صورة الماء

أسرفُ في هذياني، فأسرد سيرة الماء علّه يطبطب على حمّاي.. أتذكر قارئة فنجاني في حومة الحمى، يوم وقفتُ أمامها عبوسا صامتا حتى جف فنجاني المقلوب، كان شفافاً لا رسم فيه سوى الماء..   فقالت باستغرابٍ فاضح: 

"مجهولك يا هذا.... "  

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى وقالت: 

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم".. 

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى، دعست سبابتها فيه لتدير قعره برفق، وقالت:  

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعينٌ مفقوءة تتربص بك.. وأفعى سامةٌ مبتورة الذنب تحاول لدغك، لكنك... " 

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. وضعت الفنجان جانبا وحدقت في عيني وقالت:  

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعذرني يا ولدي.. لا أستطيع قراءة فنجانك.. فأنا لا أفقه لغة الماء"..  

لم أدفع كلفة فنجاني.. مضيت كما كنت، عبوسا صامتا، ولم أسأل.. شفافٌ كالماء.. 

************* 

"تستندُ على ذاكرةٍ مثقوبة، لكنّك لا تنسى يوم مولدكَ أيها القابض على المسافات.. وقتذاك، لم تستطع أمك أن تمارس غوايتها.. لم تستطع أن تستدرج فتى الكف الذي لم يبلغ الحلم بعد ليُدخل الكف سراً من الباب الخلفي، والذي كان في موكب العشرين من صفر المتوقف أمام عتبة داركم لقراءة زيارة الإمام الحسين (ع) عند الوطأة..  

"أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمّات ثيابها.. وأشهد أنك من دعائم الدّين وأركان المؤمنين.. وأشهد أنّك الإمام البّرُ التقي، الرّضي، الزَّكي، الهادي، المهدي.. وأشهد أن الأئمة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى والعروة الوثقى والحجة على أهل الدنيا.. وأُشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أني بكم مؤمنٌ وبايابكم موقنٌ بشرائع ديني وخواتيم عملي، وقلبي لقلبكم سلمٌ وأمري لأمركم متَّبع.. صلــ... "

زيارة وارث 

لم يكن الصوت شجيا.. لكن أمك تدوس على آهاتِ "الطلق" لتكرر ما يردها من مكبرات الصوت.. تنجح في إتمام جملة، وتعجز عن أخرى.. بينما جارتك العجوز تتخبط بيمينها لتمسح العرق عن جبين أمك بقطعة قماش بالية.. وأنت.. يضيق بك الفضاء وينقبض.. يضيق وينقبض.. يطردك إلى فضاء آخر لا تعرفه.. فتنزلق إلى يد السيدة.. عجوز الحي التي تهتم بكل حالات الولادة..  

كل عويل العشرين من صفر زغردات مخاضك.. كل البكاء كان بوح طلتك الأولى.. كل اللطم تصفيق نفاسك.. كل الهواء كان في مشيمتك.. المشموم الذي تلقيه النساء على الفرس الأبيض المدبوغ بالأحمر تشبها بذي الجناح كان لك.. لكنهم نفضوا سيرتك كما نفضت السيدة الماء عن يدها بعدما لفتك في قماش أبيض، وأودعتك حضن أمك، وقالت:  

"سموه حسينا"..  

حتى أبوك ما بورك له.. ركض أخوك ليخبره بمجيئك وسط الموكب، ليقلّبك في يديه أشبه بدميةٍ ذات لحم ودم.. ثم أودعك حضن أمك، وقال: 

"سموه حسينا"..  

عطيشٌ اسمك.. جافٌ مولدك.. فالتٌ من بين أصابع الماء، يسرد سيرة الجٍّب.. لم يكن المكان يتسع لك.. وما الحديث غير افتراء.. كذبٌ أشبه بدم قميص يوسف، لكنك كنت عارٍ.. لو همت في ماءك لنمت عجينا من طين.. علقةٌ وطين مخاض"..  

كل شمسٍ تشدُّ رحالها في ليلٍ ليست فيه.. لقبرٍ لا تبلغه.. كانت تسرد سيرتي.. تقرض جزع وحدتها بعنان ذاكرتي، وتقول:  

"أرأيت؟!.. لست وحدك في كل هذا الليل.. ولا تملك فيه ثمة خليل"

(10) تعليقات

:: صدام على طريقة ريتشارد الثالث وThe Godfather

 

رجل يرتدي بدلة بيضاء، شبيهة ببدلات زعماء المافيا في ثلاثينات القرن المنصرم، يجلس على كرسي من الذهب، مستنداً بكوعه على طرفي الكرسي بما يسمح لأصابعه أن تتداخل دون توتر.. كان هذا صدام حسين الرئيس المخلوع.. على ميمنة منه تقف امرأة شقراء تتكأ بيمينها على خصرها بينما تلامس أنامل أصابع يدها اليسرى مسند الكرسي، تكتشف أنها ساجدة زوجة صدام.. وخلف الكرسي مباشرة يقف عدي وزوج ابنته حسين كامل باللباس العسكري.. وباليمين ويسار الكرسي يقف بشكل منسق كل من ابنه قصي وبناته وزوج ابنته صدام كامل شقيق حسين كامل الذي فرّ من العراق ذات 1995م للأردن ليعود مجدداً للعراق ويلاقي حتفه..

هذا جل ما رأيته وأنا أقلب مجموعة من الأفلام لدى أحد الباعة المتجولين.. وللحظة، كنت أقلب ذاكرتي باحثاً عن سبب رئيسي لشراء هذا القرص، ولم تسعفني الذاكرة للعثور على سبب سوى سبب يتيم لا يشفع لشراءه أو مشاهدته، وهو أنني لمحت ثمة خبر ما في صحيفة ما صورة هذا الملصق لكنني لم أقرأ ما جاء في الخبر بل اكتفيت بلمحة سريعة على عنوانه.. وفي الأخير سحبت هذا القرص من بين العشرات ولا أعرف سببا لذلك غير الصدفة..

دعست بالقرص في الجهاز لاكتشف أنه عمل درامي تلفزيوني من أربع أجزاء تم تصويره في تونس بشكل محترف، وقامت الـ BBC بالتعاون مع HBO بإنتاجه في 2008، يصور بمشاهد قريبة جدا من الواقع من خلال الديكور والشبه بين الشخصيات الحقيقية والممثلين، بروز ثم سقوط  الرئيس العراقي صدام حسين وعائلته.. وبعد لحظة من الزمن اكتشفت أنني أنهيت جزئين من العمل الذي يستغرق كل جزء منه ساعة إلا قليلا من الزمن..

في "بيت صدم" -المثير للجدل- أكثر ما أثارني هو نقاط التقاطع بين قصة صدام وبين مسرحيات شكسبير التاريخية أو أفلام العصابات.. وهو ما أكده المخرج آليكس هولمز الذي شارك في كتابة السيناريو بجنب ستيفين بتشارد، في إحدى المقابلات قبل عرض مسلسله.. هذا التقاطع يكون جليا في مسرحية "ريتشارد الثالث" الذي قتل ابني أخيه، الملك ادوارد الخامس، بعد وفاته ليستولي على الحكم.. ويكون واضحا في طريقة تصوير وإيقاع مسلسل "بيت صدام" الذي جاء موازياً لفيلم عصابات المافيا "العرّاب"، بالإضافة إلى تشابه صورة عدي وقصي بشخصيتي ولدي دون كورليون: سوني ومايكل، فالأول كان يتميز بالخراقة الشديدة بعكس الإبن الثاني الذي كان متكتما وقادرا على ضبط نفسه وميالا إلى الفعل أكثر من الكلام..

وعندما يذهب شكسبير لسرد حادثة "ريتشارد الثالث" بعد مرور أكثر من نصف قرن عن وقوعها، فهو يتيح لمخيلته أن تمسك بعنان الحالة السردية وانعطاف الأحداث بما يخدم البناء المسرحي، ولكن "بيت صدام" فلم يمضِ على إعدام صاحب هولمز أكثر من سنتين، بالإضافة إلى أن هناك العديد من الشخصيات المواكبة لقصته مازالوا أحياء، سواء كانوا في موقع الجلادين أو الضحايا.. لذلك لابد لهذا العمل إلا أن يكون مثيراً للجدل..

وبعيدا عن الجدل الديالكتيكي الذي صاحب عرض المسلسل حول ما إذا كان القائمين عليه يحاولون بشكل أو بآخر تمجيد صور صدام التي هي ليست بحاجة لأي تلميع لدى محبيه معتبرينه  البطل الشهيد المغوار، أو بالمقابل تسقيطه وتشويه صورته التي هي أيضا ليست بحاجة لأي إثبات لدى مبغضيه على أنه الدكتاتوري الظالم الطاغي.. وأبعد من أن يكون القائمين قد استندوا على وثائق دامغة وحقائق واقعة كمشهد مؤتمر حزب البعث الذي يصفي فيه صدام ثلة من قادة الحزب على اعتبار أنهم مشاركون في "مؤامرة إيرانية" ضد العراق، ليتم إعدامهم، أو تلك التي تغاضى عنها المخرج في سرده مثل اجتماع الرئيس العراقي مع رؤساء الدول العربية ليحظى بمساندتهم ومباركتهم لحربه ضد إيران.. فإن المسلسل يستحق المشاهدة بحق، فهو يقوم بسلبك من المشهد الأول حيث صدام ورفاقه يشاهدون جورج بوش على شاشة التلفاز وهو يبث وعيده بسحق صدام، ومن ثم يعود بنا لوقت إزاحة البكر وفق مؤامرة يقودها صدام ليحل محله رئيساً، لينتهي واقفا أمام حبل المشنقة..

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com