رجل يرتدي بدلة بيضاء، شبيهة ببدلات زعماء المافيا في ثلاثينات القرن المنصرم، يجلس على كرسي من الذهب، مستنداً بكوعه على طرفي الكرسي بما يسمح لأصابعه أن تتداخل دون توتر.. كان هذا صدام حسين الرئيس المخلوع.. على ميمنة منه تقف امرأة شقراء تتكأ بيمينها على خصرها بينما تلامس أنامل أصابع يدها اليسرى مسند الكرسي، تكتشف أنها ساجدة زوجة صدام.. وخلف الكرسي مباشرة يقف عدي وزوج ابنته حسين كامل باللباس العسكري.. وباليمين ويسار الكرسي يقف بشكل منسق كل من ابنه قصي وبناته وزوج ابنته صدام كامل شقيق حسين كامل الذي فرّ من العراق ذات 1995م للأردن ليعود مجدداً للعراق ويلاقي حتفه.. هذا جل ما رأيته وأنا أقلب مجموعة من الأفلام لدى أحد الباعة المتجولين.. وللحظة، كنت أقلب ذاكرتي باحثاً عن سبب رئيسي لشراء هذا القرص، ولم تسعفني الذاكرة للعثور على سبب سوى سبب يتيم لا يشفع لشراءه أو مشاهدته، وهو أنني لمحت ثمة خبر ما في صحيفة ما صورة هذا الملصق لكنني لم أقرأ ما جاء في الخبر بل اكتفيت بلمحة سريعة على عنوانه.. وفي الأخير سحبت هذا القرص من بين العشرات ولا أعرف سببا لذلك غير الصدفة.. دعست بالقرص في الجهاز لاكتشف أنه عمل درامي تلفزيوني من أربع أجزاء تم تصويره في تونس بشكل محترف، وقامت الـ BBC بالتعاون مع HBO بإنتاجه في 2008، يصور بمشاهد قريبة جدا من الواقع من خلال الديكور والشبه بين الشخصيات الحقيقية والممثلين، بروز ثم سقوط الرئيس العراقي صدام حسين وعائلته.. وبعد لحظة من الزمن اكتشفت أنني أنهيت جزئين من العمل الذي يستغرق كل جزء منه ساعة إلا قليلا من الزمن.. في "بيت صدم" -المثير للجدل- أكثر ما أثارني هو نقاط التقاطع بين قصة صدام وبين مسرحيات شكسبير التاريخية أو أفلام العصابات.. وهو ما أكده المخرج آليكس هولمز الذي شارك في كتابة السيناريو بجنب ستيفين بتشارد، في إحدى المقابلات قبل عرض مسلسله.. هذا التقاطع يكون جليا في مسرحية "ريتشارد الثالث" الذي قتل ابني أخيه، الملك ادوارد الخامس، بعد وفاته ليستولي على الحكم.. ويكون واضحا في طريقة تصوير وإيقاع مسلسل "بيت صدام" الذي جاء موازياً لفيلم عصابات المافيا "العرّاب"، بالإضافة إلى تشابه صورة عدي وقصي بشخصيتي ولدي دون كورليون: سوني ومايكل، فالأول كان يتميز بالخراقة الشديدة بعكس الإبن الثاني الذي كان متكتما وقادرا على ضبط نفسه وميالا إلى الفعل أكثر من الكلام.. وعندما يذهب شكسبير لسرد حادثة "ريتشارد الثالث" بعد مرور أكثر من نصف قرن عن وقوعها، فهو يتيح لمخيلته أن تمسك بعنان الحالة السردية وانعطاف الأحداث بما يخدم البناء المسرحي، ولكن "بيت صدام" فلم يمضِ على إعدام صاحب هولمز أكثر من سنتين، بالإضافة إلى أن هناك العديد من الشخصيات المواكبة لقصته مازالوا أحياء، سواء كانوا في موقع الجلادين أو الضحايا.. لذلك لابد لهذا العمل إلا أن يكون مثيراً للجدل.. وبعيدا عن الجدل الديالكتيكي الذي صاحب عرض المسلسل حول ما إذا كان القائمين عليه يحاولون بشكل أو بآخر تمجيد صور صدام التي هي ليست بحاجة لأي تلميع لدى محبيه معتبرينه البطل الشهيد المغوار، أو بالمقابل تسقيطه وتشويه صورته التي هي أيضا ليست بحاجة لأي إثبات لدى مبغضيه على أنه الدكتاتوري الظالم الطاغي.. وأبعد من أن يكون القائمين قد استندوا على وثائق دامغة وحقائق واقعة كمشهد مؤتمر حزب البعث الذي يصفي فيه صدام ثلة من قادة الحزب على اعتبار أنهم مشاركون في "مؤامرة إيرانية" ضد العراق، ليتم إعدامهم، أو تلك التي تغاضى عنها المخرج في سرده مثل اجتماع الرئيس العراقي مع رؤساء الدول العربية ليحظى بمساندتهم ومباركتهم لحربه ضد إيران.. فإن المسلسل يستحق المشاهدة بحق، فهو يقوم بسلبك من المشهد الأول حيث صدام ورفاقه يشاهدون جورج بوش على شاشة التلفاز وهو يبث وعيده بسحق صدام، ومن ثم يعود بنا لوقت إزاحة البكر وفق مؤامرة يقودها صدام ليحل محله رئيساً، لينتهي واقفا أمام حبل المشنقة.. 
الثلاثاء, 09 ديسمبر, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











