حسين عبدعلي
.

:: عامي الجديد.. لا أطفئ فيه الشموع بل أشعلها

 

في السادس عشر من ديسمبر.. هناك حيث مولدي مزيجٌ من العويل والفرح.. الألعاب النارية التي كانت تزين السماء في جزء من الجزيرة، كان جزءها الآخر محفوف بالسواد.. أهزوجة "العرضة" في الطرف الآخر كان يحل محلّها صوت رادود القرية وبكاء أمي.. هذا مولدي.. وهذا الماء أسرد صورته..

صورة الماء

أسرفُ في هذياني، فأسرد سيرة الماء علّه يطبطب على حمّاي.. أتذكر قارئة فنجاني في حومة الحمى، يوم وقفتُ أمامها عبوسا صامتا حتى جف فنجاني المقلوب، كان شفافاً لا رسم فيه سوى الماء..   فقالت باستغرابٍ فاضح: 

"مجهولك يا هذا.... "  

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى وقالت: 

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم".. 

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى، دعست سبابتها فيه لتدير قعره برفق، وقالت:  

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعينٌ مفقوءة تتربص بك.. وأفعى سامةٌ مبتورة الذنب تحاول لدغك، لكنك... " 

وسكتت.. لكنني لم أسأل.. وضعت الفنجان جانبا وحدقت في عيني وقالت:  

"مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعذرني يا ولدي.. لا أستطيع قراءة فنجانك.. فأنا لا أفقه لغة الماء"..  

لم أدفع كلفة فنجاني.. مضيت كما كنت، عبوسا صامتا، ولم أسأل.. شفافٌ كالماء.. 

************* 

"تستندُ على ذاكرةٍ مثقوبة، لكنّك لا تنسى يوم مولدكَ أيها القابض على المسافات.. وقتذاك، لم تستطع أمك أن تمارس غوايتها.. لم تستطع أن تستدرج فتى الكف الذي لم يبلغ الحلم بعد ليُدخل الكف سراً من الباب الخلفي، والذي كان في موكب العشرين من صفر المتوقف أمام عتبة داركم لقراءة زيارة الإمام الحسين (ع) عند الوطأة..  

"أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمّات ثيابها.. وأشهد أنك من دعائم الدّين وأركان المؤمنين.. وأشهد أنّك الإمام البّرُ التقي، الرّضي، الزَّكي، الهادي، المهدي.. وأشهد أن الأئمة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى والعروة الوثقى والحجة على أهل الدنيا.. وأُشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أني بكم مؤمنٌ وبايابكم موقنٌ بشرائع ديني وخواتيم عملي، وقلبي لقلبكم سلمٌ وأمري لأمركم متَّبع.. صلــ... "

زيارة وارث 

لم يكن الصوت شجيا.. لكن أمك تدوس على آهاتِ "الطلق" لتكرر ما يردها من مكبرات الصوت.. تنجح في إتمام جملة، وتعجز عن أخرى.. بينما جارتك العجوز تتخبط بيمينها لتمسح العرق عن جبين أمك بقطعة قماش بالية.. وأنت.. يضيق بك الفضاء وينقبض.. يضيق وينقبض.. يطردك إلى فضاء آخر لا تعرفه.. فتنزلق إلى يد السيدة.. عجوز الحي التي تهتم بكل حالات الولادة..  

كل عويل العشرين من صفر زغردات مخاضك.. كل البكاء كان بوح طلتك الأولى.. كل اللطم تصفيق نفاسك.. كل الهواء كان في مشيمتك.. المشموم الذي تلقيه النساء على الفرس الأبيض المدبوغ بالأحمر تشبها بذي الجناح كان لك.. لكنهم نفضوا سيرتك كما نفضت السيدة الماء عن يدها بعدما لفتك في قماش أبيض، وأودعتك حضن أمك، وقالت:  

"سموه حسينا"..  

حتى أبوك ما بورك له.. ركض أخوك ليخبره بمجيئك وسط الموكب، ليقلّبك في يديه أشبه بدميةٍ ذات لحم ودم.. ثم أودعك حضن أمك، وقال: 

"سموه حسينا"..  

عطيشٌ اسمك.. جافٌ مولدك.. فالتٌ من بين أصابع الماء، يسرد سيرة الجٍّب.. لم يكن المكان يتسع لك.. وما الحديث غير افتراء.. كذبٌ أشبه بدم قميص يوسف، لكنك كنت عارٍ.. لو همت في ماءك لنمت عجينا من طين.. علقةٌ وطين مخاض"..  

كل شمسٍ تشدُّ رحالها في ليلٍ ليست فيه.. لقبرٍ لا تبلغه.. كانت تسرد سيرتي.. تقرض جزع وحدتها بعنان ذاكرتي، وتقول:  

"أرأيت؟!.. لست وحدك في كل هذا الليل.. ولا تملك فيه ثمة خليل"

(10) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 16 ديسمبر, 2008 01:30 م , من قبل atheer93
من المملكة العربية السعودية

ما أجملك حين تبوح..
للتو عرفت ان للماء صخب
ولون
وفرجة

وأن للماء مصائر
واعمار

امنياتي لك بشموع لا تـنطفئ


اضيف في 19 ديسمبر, 2008 03:26 م , من قبل رنده فاروق
من البحرين

ما أروعك يا حسين
كلماتك معبرة إلى أقصى الحدود
كل عام والفرحة لا تفارق يوم مولدك أيها المبدع


اضيف في 20 ديسمبر, 2008 09:52 م , من قبل زينب عبدالأمير
من البحرين


نقلتني إلى جو المآتم بزيارة وارث.
هل أعزيك بالحسين أم أبارك لك تقدمك بالسن؟
إذن ولدت في العشرين من صفر!
كل عام وانت مبدع.
تحياتي


اضيف في 21 ديسمبر, 2008 09:30 م , من قبل e7sasy24
من البحرين

العزيز أثير..

ذاكرتنا أن ننسى.. أن نتعلم كيف ننسى.. بينما للماء ذاكرة لا تعلق على مسمار النسيان.. اسأل جدي يخبرك باليومال.. اسأل أبي ينبيك عن يزيد..

دمت سالما ودامت شموعك مضيئة..
حسين عبدعلي


اضيف في 21 ديسمبر, 2008 09:32 م , من قبل e7sasy24
من البحرين

أستاذة رنده..

مرورك هنا وسام أعلقه على جوشن هذه المدونة.. أما تعليقك فلا اعرف ما افعل فيه..

شكرا لمرورك..
حسين عبدعلي


اضيف في 21 ديسمبر, 2008 09:34 م , من قبل e7sasy24
من البحرين

الشقيقة زينب..

هذا انا..
مزيج البسمة وشهقة بكاء..
مزيج العيد والحزن..
قليل من هذا وقليل من ذاك..
هذا هو الماء..

سلام..
حسين عبدعلي


اضيف في 22 ديسمبر, 2008 09:28 ص , من قبل نورة
من البحرين

مرحبا...
بما ان التاريخان منفصلان الان فيمكنك الاحتفال بالتاريخ الميلادي فقط ..كما انها ستقام لك احتفالات مجانية كل سنة ,,,


اضيف في 31 ديسمبر, 2008 04:15 م , من قبل malth
من البحرين

يومها أدركت الأرض فصل الشتاء الماطر الذي الم بها.. حين احتظنت حسينا

هنيئا لها بك.. هي الأرض

هي أمك

دمت مبدعا شقيق... مقالك قاتل.. بكل معاني الكلمات

مودة

ملاذ


اضيف في 01 يناير, 2009 10:15 م , من قبل e7sasy24
من البحرين

الشقيقة نورة..

وكنت اتسائل هل ما زالت هنا؟!..
لست من هواة الأعياد الميلاد.. ولكن لا يمنع ذلك.. فهنيئا لكم كل احتفالات ميلادي ههههههههه..

دمتي سالمة
حسين عبدعلي


اضيف في 01 يناير, 2009 10:20 م , من قبل e7sasy24
من البحرين

الشقيقة ملاذ..

شكرا لمرورك.. أعجبتني "مقالك قاتل"..

دمتي سالمة
حسين عبدعلي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com