يستحضرني كوبٌ من القهوة .. وأنا أوّد الحديث عن تلك التي يصفها محمود درويش بالأغنية التي تنسى دائماً أن تكبر، والتي تجعل الصحراء أصغر، تجعل القمر أكبر.. تلك التي ثمة ارتباط يربطها -لا أعرف ماهيته- يربطها باحتساء البن الصباحي وأنت تقلب صفحات جريدتك.. مما يجعل صباحك أشهى مختلفاً في اللون والطعم والرائحة عن كل الصباحات.. 
نهاد ربيع ذات الثلاثة والسبعين عاماً، أو فيروز كما فضّل حليم الرومي والد المطربة ''ماجدة الرومي''أن يسميّها، حين خيرها بين ''شهرزاد'' و''فيروز'' ليبقى الأخير قرين مشوارها الفني/ قرين القمر.. هي لا تملك جسم شيرين ولا سحنة باسكال ولا بياض كلودا، هى لا تملك إلا إفساد ذائقتنا كما أفسدت ذائقة فاطمة الناعوت في ذات مقال، إذ افترضت أن الحياة ستكون مليئة بالكثير من البهجة لو لم يكن صوت فيروز في حياتها..
جاءت معذبتي..
جاءت فيروز مرة أخرى لتفسد ذائقتنا وتعزز الفجوة بين مفهومي القبح والجمال.. جاءت بعد غياب طال عشرة أعوام من آخر مرة مارست فيه استبدادها الأنثوي عبر أجود الأصوات نقاوة وأكثر الكلمات رفاعة وبموسيقى لا يمكن وصفها إلا بكونها موسيقى..
خبر مجيئها لم يكن ليهز طرفي أو يثيرني لسببين لا ثالث لهما.. أولهما، أنني كنت أعي جيداً أن مسألة الحصول على تذكرة تخوّلني الاستمتاع باستبدادها هو ضربٌ من الخيال، صعب المنال، أو هو في الشبه أشبه بالبحث عن إبرة في كوم قش.. وما مسألة نفاد تذاكرها في غضون أقل من ساعة زمان، إلا سبباً آخر يعزز شعوري باستحالة تحقيق ذلك.. أما السبب الآخر، فيعود لارتباط فيروز بكوب القهوة.. ولا أعرفها دون أن أكون معانقاً لكوب قهوتي، تغسل صباحي (من عز النوم) بـ (مرسال المراسيل)، وتمشطه بـ (كرم العلالي) (في آخر السهرية)..
ألملم ذكرى لقاء الأمس..
ربما هي الصدفة، أو عدم إدراكي لآلية السببية المعقدة كما يحب أن يدعوها (بورخس) تلك التي قادتني للقائها.. مزيجٌ من الأخيلة المركبة/ المربكة هو ببساطة ما يمكن أن تصف به هذا اللقاء.. أن يرزقك الله من حيث لا تحتسب ثمة تذكرة في ظل تضارب الآراء حول عملية بيع تذاكرها، وفي ظل هذا التلهف على الفوز بواحدة منها، كانت أشبه بالصدمة المربكة لدرجة أن تقود سيارتك متجهاً لقلعة عراد حيث موعدنا مع (القمر تحت المشمشمة)، لتكتشف نفسك بين أحضان جزر أمواج!!.. جزر أمواج؟!.. هل هو نوعٌ آخر وجديد من أنواع استبداد فيروز، حينما تلتهم في لحظة كل المسافات والزمن؟!..
تعود بأدراجك ناحية الطريق المؤدي إلى قلعة عراد، يغالبك الشك في كل الطرق التي تحفظها عن ظهر قلب، وينازلك الظن بأن ثمة ما ليس له علاقة بالحقيقة يشوب ليلتك هذه، لكنك تعيشه..
تلوح قلعة عراد.. وأنت تهرول تجاهها، بعدما أركنت سيارتك بعيداً، تفادياً لطابور السيارات الطويل، ومخافة أن يأخذك الوقت عن إطلالتها الأولى/ عن النظرة الأولى.. تلمح الاكتظاظ البشري على البوابة الرئيس وتدافع الجمهور عبرها لحجز مقعدٍ لهم داخل المسرح.. لكأن الشك يطال فكرة ألا تنال كرسياً، لكأن الظن يراودك رجلاً قد يصعقك بخبر امتلاء المسرح، ولن تتمكن من الدخول، فتفز من حلمك الذي لا توّد الاستيقاظ منه.. مع ذلك، فإن لمحة الفرح كانت بادية على كل من ينتظر دوره لتجاوز هذه البوابة للولوج في فردوس فيروز، شيء أقرب للعيد ذلك الذي يدفع بالواقفين لتبادل القبلات بين بعضهم البعض، وكأنهم لم يروا بعضهم دهراً .. ثمة شخص لم يكن كالآخرين، بدا عابساً.. ربّت على كتف خليلي وقال: ''هل لديك تذكرة للبيع؟''.. هز صاحبي رأسه، فأبتعد لشخص آخر يسأله..
تتجاوز البوابة الرئيس بعد انتظار تحسبه دهراً، لكنك لا تنتهي إلى حيث ما تشتهي.. إلى اللحظة التي تفضح فيها ليلتك بمدى حقيقتها أو بمدى روعة خيالها.. فتصطدم بطابور آخر يسلبك هاتفك المتنقل إلى حين انتهاء الحفل، تسمع من وراءك يهربد متذمراً: ''ما هي العلّة في أخذكم لهواتفنا؟!.. ما هو السبب''.. وفي داخلك تجيب: ''لا يهم.. ليأخذوا ما يشاءون.. وليدعوني أمر''..
مررت.. لكنه هناك طابور آخر يقوم بتفتيشك بجهاز أشبه بأجهزة المطارات.. وبالقرب منك تتعرى حقائب النساء بواسطة جهاز تبتلعها من جهة، لتتقيأها من جهة أخرى..
عادروب الهوى..
مشيت والهوى يقيس خطواتي التي تتوسع شيئاً فشيئاً، بحثاً عن كرسي يرجع أنفاسي.. مال رأسي نحو السماء ألاحظ غياب القمر.. وقتها، أسرفتُ في سرد أعذار غيابه.. فليلتنا هذه لا تقوى على حمل قمرين في الوقت ذاته وسط سماءها..
الأربعون موسيقياً ومنشداً تسللوا تحت خفقان قلبك المتسارع لأخذ مقاعدهم على خشبة المسرح.. يهز المايسترو يده اليمنى لتنساب موسيقى (ميس الريم) لأذنك، فتشعر بأنك والقمر جيران، على الرغم من عدم بزوغه بعد..
ما إن يبدأ عزف أغنية (في قهوة ع المفرق).. ينم شدقيك عن ابتسامة عريضة، مؤكداً ارتباط فيروز بالقهوة، وقتها كنت بحاجة ماسة لكوب قهوتي.. ووقتها نمّت عن الجمهور صرخة اهتز لها الكرسي الذي كنت جالساً عليه، هممت برأسي محدقاً إلى عمق المسرح،لتظهر فيروز تختال في مشيةٍ أقل ما يقال عنها، أنها أروع ما يفترض على أنثى أن تخطو بها على الخشبة.. عانقت المايكروفون وكأنها تعانق بحب كل شخص موجود.. أخذت تغني : ''في قهوة ع المفرق في موقده وفي نار.. نبقى أنا وحبيبي نفرشها بالأسرار''.. لنطير بعدها بخافقين صوتها مع (طيري يا طيارة).. لنصل إلى بيروت لـ (لبنان يا هالغالي)..
ميلان كتف السيدة فيروز المقتصدة في حركتها إلى حد الاهتزازات البسيطة فيه، أو تكتفي بهزة يدها اليسرى.. اقتصاد يصل إلى انتقال طفيف في عينها بين الجمهور وبين حركات يد المايسترو، التي تشعل بها ثورة النوستالجيا.. هذا الميلان للكتف عندما يزيد عن حدّه المسموح به ناحية اليسار، فهذا يعني أنها ستغادر الخشبة كما جاءت بخطواته الثابتة..
لكنه مجرد فاصل موسيقى لا يتعدى الثلاث مقطوعات، لتعود مرة أخرى، لتأخذ عشاقها إلى محاضرة في تعليم الحب، عبر (لا إنت حبيبي ولا ربينا سوى)، ونحو (عم يلعبوا الأولاد).. فتنساب في توليفة رائعة من أغانيها مثل: (لبعدك بتذكر يا وطن)، (ع الطاحونة)، (كيفك أنت)، (آخر أيام الصيفية)، (عودك رنان)، (اشتقت إلك)، (حمرا سطيحاتك حمرا)، (بعدنا)، وكانت (سهرتنا ع ادراج الورد).. وغيرها من أغانيها القديم المتجدد..
تخللت هذه المعزوفات استراحة من عشرين دقيقة، كانت فرصة مناسبة للسيدة فيروز بتبديل فستانها الرمادي اللون، إلى فستان أبيض بدت فيه أكثر جمالاً وتألقاً.. وكانت مناسبة لي للراحة من إزعاج أحد المتفرجين من إحدى الدول الشقيقة، الذي كان همه الأول والأخير أن يهز جسده بصورة غريبة، وكأنما الحفلة كانت حفلة لإحدى مطربات (الهشّك بشك) ولم تكن للسيدة!!.. وبالنسبة له كانت فرصة ليريح حنجرته التي تعبت من كثر الزعيق والمطالبة بأغنية (عودك رنان) التي أعتقد وأجزم أنه لا يعرف غيرها على الإطلاق..
قهوة ع المفرق
خطواتي التي كانت تعبر البوابة الرئيس مرة أخرى خارجة من المسرح كانت أكثر هدوءً، لكن نفسي المضطربة كانت أشد اضطراباً بين حقيقة هذه الليلة أم أنها مجرد حلم عابر.. وأحوج ما احتجته وقتها، هو بعض القهوة.. وأن ألملم ما بعثرته فيروز مني..
أضف تعليقا
من البحرين

ملاذ هنا؟!!..
جميل حد الارباك أن يكون ملاذك هذه المدونة الخجول.. جميل لحدٍ لا أعرف ما أقول..
الأخت ملاذ.. أشعر جيداً بالخيبة التي تنتابك.. وشعرت بها أكثر عندما حضرت الحفل.. حينما جلست على المقعد ونفسي تهمس لنفسي: "ماذا لو لم يحالفك الحظ بهذه الورقة التي تخوّلك رؤية فيروز؟!.. هل كنت ستندم؟!".. والحقيقة أنني لو لم أحضر الحفلة كنت أجبت: "لا.. لن أكون من النادمين".. ولكن بعد الحفلة وبعد ذهابي للحفل فحريٌ بإجابتي أن تكون: "كنت سأبكي"..
كل الشكر لمرورك الجميل..
حسين عبدعلي
من سوريا

" القهوة صوت المذاق "
وصوت فيروز رائحةٌ لا تدرك بالحواس؛
صوتان تعشَّقا برائحةٍ.. فكان أرابيسكاً يزيّن أرواحنا فتدمنه بعد حين لنمتلك مذاقُ الحبِّ ولون الضوء، ولنقبض باللمس على ما تبعثر من الأمل.
هكذا اختصرت فيروز حواسنا بصوتها..
و " أفسدت ذائقتنا "
فليدم لنا اكتمال الحواس، ولتدم لنا فيروز والقهوة صهيلاً يلف صباحاتنا.
ولتدم أنت صديقي " حسين عبد علي " جميلاً، ومشرقاً ( رغم أنف الحمقى يلي ما سمعو غنية أسامينا )
محمد سعيد
من البحرين

العزيز الصديق محمد سعيد..
لو كان الأمر بيدي لكنت استضفتك على كوب من القهوة في (ستار بوكس).. لكنني أغبط الشقيق جعفر العلوي، والذي غبطته لرؤيته لفيروز حين استضاف دمشق، لكن الله لا يترك عبده، فوهبني رؤيتها من حيث لا أحتسب.. وفي الحقيقة.. ما زلت أغبطه لأنه رآها مرتين وأنا لمرة واحدة.. هذا ما همست به لصاحبي وأنا أشير نحو الشقيق جعفر الذي كان يجلس أمامي في الحفل..
شكرا لتواجدك شقيق.. ودام صباحك فيروزي الهوى..
حسين عبدعلي
أهلاً حسينا
شكراً لك أيها الممثل - الفنان - المشخصاتي ع المقال.
لكنني أرى أنك لم توفق في " أقل من أسطورة " أظن فيروز فاقت الأساطير.. لأننا لا نملك أساطير بالمعنى الذي يجافي الخرافات والشعوذات ولهرار.
ألا يكفي ان تنام ملء جفونها ويسهر الخلق جراها ويختصم.. لمدة 60 سنة تقريباً، وأليس مثيراً أن ترى أسطورة تتحرك وتتنفس.. وليست قابعة في كتب الأوهام ودواوين الركاكة ؟!!! أظنك يا شقيق ظلمت نفسك بهذا العنوان.. ولم تظلم فيروز.. فقد تجاوزت مرحلة أن يظلمها أحد قبل 40 سنة ؟!!
الأسطورة تشيخ تهرم تكبر، لكنها أسطورة.. أما فيروز فلا يجوز ان أتقول أكثر من مطربة.. حرام، حرام إنها قديسة تمسح بالسحر على القلوب.
تحياتي لك.
الكسيف شوي يعني مو واجد
من البحرين

الكسييييييييييييف..
أهلا بعودتك هنا يا شقيق.. يا صاحب القلم اللاذع..
بالنسبة لعنوان الموضوع يا شقيقي، فأنا لا أختلف معك كثيرافي مدى أسطوريتها أو أنها أقل قليلا.. فهذا العنوان هو مقتطع من كلمة شهيرة إلى المرحوم جورج خوري رئيس ادارة تحرير مجلة الشبكة، يصف فيها فيروز.. ويقول:
"ما أشهى الحديث عن فيروز... هي أكثر كثيراً من مطربة, وأقل قليلاً من أسطورة... إنها نهاد حداد..."..
لا أدري راودتني فكرة التغيير الطفيف في العنوان.. لكني آثرت بعدها أن أحافظ على بكارته..
دمت سالما شقيق..
حسين عبدعلي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من البحرين
شقيق

رغم إني لا أزل أشعر بسيف الخبر الذي يجثم على رقبتي حين أخبرت بأن لم تتبقى لي ورقة بائسة للدخول ، لكنني أمارس التداوي بوصفات فيروز ، فيروز الروح، و الورود التي تعانق أحلامنا، فيروز التي تحملنا تجاه النقاء و تخلصنا عبر تراتيلها البيضاء،استمع زغاريدها الشفافة صبحا و عشية.....و أجن بها حين تقول( كيفك إنت؟) بصوتها الذي لا يمكن أن يشيخ يوما
.......
كل الشكر على هذي الحروف النابعة من أعماقك..
ليلتك جميلة تشبه أغنية لفيروز
و كفى
تحياتي
ملاذ