حسين عبدعلي
.

:: التجريب بريءٌ براءة الذئب من دم قميص يوسف

مؤسس مسرح الصواري ورئيس مجلس أول إدارة له وعضو مجلس إدارته الحالي وعضو اللجنة العليا للفرق المسرحية لدول الخليج العربي ونائب اتحاد المسرحيين في البحرين.. الفنان إبراهيم بحر يشن هجوماً على استفحال ظاهرة (التجريب) في المسرح البحرين..

 

صحفياً فالعنوان (أسفل الصورة) الذي اخترته لهذا المقال يعتبر جريمة لا تغتفر على الإطلاق.. لكنني تعمدت أن أسرد هذه التعريف المطوّل للفنان إبراهيم بحر الذي أحبه حباً جمّاً وأحترمه احتراما أبوياً قبل أن يكون احترام زميل مهنة، وذلك لأمرٍ ليس في نفس يعقوب ولا نفسي، بل هو فاضحٌ بشكل مريب من خلال المفارقة الواضحة بين التعريف ببحر وبين ما شنّه من هجوم على المسرح التجريبي في صحيفة الشرق الأوسط في عددها 10845 الصادر يوم الخميس الموافق 7/8/2008م..

ما لا أعرفه على الإطلاق هو التفسير المنطقي لهذه التركيبة الغريبة العجيبة بين أن يكون بحر مؤسس ورئيس مجلس أول إدارة وعضو مجلس إدارة المسرح الصواري، المسرح الوحيد في البحرين الذي يحمل على عاتقه تقديم العروض المسرحية الحديثة والاهتمام بالبحث المسرحي، مستخدما في ذلك كل الوسائل والإمكانيات المتاحة والاتصال بالأفكار المسرحية المتقدمة، ويهتم بتقديم التجارب المتميزة في مجال المسرح والثقافة المسرحية.. المسرح الذي من أهدافه تطوير الحركة المسرحية في البحرين بحيث تواكب التجارب المتقدمة في مجال المسرح، وتقديم التجارب الشبابية الجديدة في مجال المسرح وتشجيعها على تقبل الأفكار المسرحية المتقدمة، والاهتمام بخلق ذوق مسرحي جديد يبتعد عن المطالب الاستهلاكية السطحية وينفد إلى إشباع الجوانب الثقافية والروحية لدى الجمهور، حسب ما جاء في منشور الصواري (من نحن) الذي يعرّف المسرح.. ما هو التفسير المنطقي بين كل هذا وبين هجوم مؤسس هذا المسرح المتكرر على الأعمال التجريبية التي يرى أن التوجه للأعمال التجريبية أثر تأثيرا مباشراً في ابتعاد الجمهور المسرحي –حسب تصريحه لصحيفة الشرق الأوسط-؟!..

وعلى الرغم من كرهي الشديد لاستخدام مفردة (التجريب) لوصف الأعمال المسرحية إلا أنني أجد نفسي مضطراً لاستخدامها في هذا السياق تماشياً مع تعبيرات الأستاذ إبراهيم في وصفه للأعمال المسرحية التي يجب أن تكون قائمة على عملية تكرار الاختبار والإكثار منه، بمعنى عدم الارتكان إلى اختبار واحد والتشبث به باعتباره الصواب الدائم، بل تكون هذه الأعمال مرتكزة على حالة ديناميكية تفاعلية غير مستقرة إطلاقا ومنغمسة في البحث والاكتشاف بغرض تدشين فضاءات الإبداع في المسرح.. غير أن بحر يجد أن مثل هذه الأعمال تشكل عنصر مباشر في عزوف الجمهور المسرحي عن حضور المسرحيات في البحرين.. لأنه يرى أن المتفرج يبحث عن المتعة البصرية.. ويرى أن تكون الأعمال مفهومة وسهلة لكي يستطيع المتابعة، لأن المتفرج لا يريد أن يفكر ويناقش ما يطرحه العمل المسرحي، ولكنه يبحث عن الفكرة المفهومة السهلة التي تقدم بشكل فني ممتع ومسل..

بعيداً عن المصطلحات الصحفية فجليٌ أن الفنان إبراهيم بحر يذهب اتجاه (الجمهور عاوز كده).. وإذا كان الحديث حول (الجمهور عاوز كده) فهذا يعني مجموعة من الفتيات اللاتي يكشفن عن جسدهن أكثر مما يسترن، يهزن خصرهن (على وحدة ونص).. يعني ذلك أن تحتوي المسرحية على ثمة أغنية على غرار (أركب الحنطور) و(إلعب إلعب إلعب) أو (بوس الواوا).. هذا ما يريده الجمهور، هل هذا ما يريده إبراهيم بحر للمسرح البحريني؟!..

لنفترض حسن النية ولنفترض أن مؤسس مسرح الصواري وأحد أعمدة المسرح البحريني لا يذهب بالمسرح البحريني نحو هذا الحضيض، بل يعني بذلك تلك الأعمال الكلاسيكية الجادة، التي لا تتسم بالغموض ولا التعقيد، ولا تعني بعملية البحث المسرحي، ولا ترنو لتقديم عروض مسرحية متقدمة.. ولنبتعد عن المصطلحات المسرحية المعقدة، فيمكننا القول أن الفنان يطمح بعروض مسرحية تكون شبيهة بمسرحية (سوق المقاصيص)، (ربع المكده)، (البراحة)، (خور المدعي)، (ليلة عرس رشدان).. وغيرها من الأعمال المسرحية البحرينية..

حسن النية هذا يدفعني لأمرين.. الأمر الأول هو أن كل هذه الأعمال كانت وليدة جهود مسرح أوال لا مسرح الصواري، وبالتالي ما الفائدة من اجترار الصواريون لأعمال أشقاءهم في مسرح أوال؟!.. وحريٌ القول ما هو العذر المقنع لبقاء مسرح الصواري وعدم دمجه مع مسرح أوال في مسرح واحد وتحت مسمى واحد؟!.. وبالتالي ما هو السبب وراء تأسيس الفنان إبراهيم بحر لمسرح الصواري؟!.. ما هو السبب وراء بقاءه عضوا في مسرح لا يميل مقدار أنملة لمثل هذه الأعمال وجليٌ أن المسرح يبتعد عنها كل الابتعاد؟!..

الأمر الآخر الذي تدفعني له حسن النية هو النظر بشكل منطقي لواقع الأعمال المسرحية السالفة الذكر.. منطقياً، ليس هناك من ينكر تأثير (البراحة) و(سوق المقاصيص) على المسرح البحريني، وليس هناك من يقلل من شأنها.. ولكن يبدأ المشكل عند الفنان إبراهيم بحر عند ظهور المسرح التجريبي، ليحمّلهُ الفنان وزر غياب الجمهور عن العروض المسرحية.. والسؤال الذي يدور بالأذهان، في حالة ظهور هذا النوع من المسرح الغامض والمعقد والذي لا يقدم للجمهور ما يريده الجمهور، من المنطقي افتراض أن هذا الجمهور سيعزف عن حضور مثل هذه المسرحيات، لكن أين المنطقية في عزوفه عن الأعمال المسرحية الأخرى، البسيطة والتي تقدم له ما يريد؟!.. بشكل آخر يمكننا أن نصف الحالة وكأنها وجود صنف واحد لمنتج واحد، يقبل عليه الناس وينال إعجابه.. ولكن عند ظهور صنف آخر لهذا المنتج لم ينل إعجاب المستهلك هذا لا يعني أن المستهلك سيغض الطرف عن الصنف الأول الذي يستمتع به.. على سبيل المثال (لا الدعاية) الناس ولفترة بسيطة كان بين يدها صنف واحد أو صنفين من منتجات بيبسي هو الكولا والميرندا البرتقال، ولكل صنف مستهلكيه الذين يقبلون عليه بشراهة، عندما قامت نفس الشركة بإنتاج مشروب غازي آخر مثل (البيبسي الممزوج بالليمون) لم ينل إعجاب المستهلك ولم ينل القدر الوافي من الإقبال، هل يعني ذلك أن تمتنع الناس عن شراء منتجات الشركة الأولى (كولا وميرندا برتقال)؟!.. إن كان ثمة من يجيب بنعم، فلله در المنطق!!..

استرسالاً في نفس النقطة.. أوّد أن أشير إلى أن مسرح أوال، لم يبخل جهده طوال هذه السنوات في تقديم مثل هذه العروض الذي يتحدث عنها الفنان إبراهيم والتي يراها أنها العصا السحرية لجذب الجمهور نحو حضور العروض المسرحية.. ولكن الواقع يأتي على عكس ما يراه ويشتهيه بحر.. أين الجمهور عن مسرحية (ربع المكده) التي قدمها مسرح أوال قبل أعوام؟!.. أين الجمهور عن مسرحية (سبع ليال) التي أعادها خليفة العريفي في مهرجان أوال السابق؟!.. فنحن لو جمعنا عدد جمهور كل هذه المسرحيات لن يساوي عدد جمهور عرض واحد لمسرحية كويتية تجارية تقدم في البحرين خلال أيام الأعياد.. كل جمهور هذه المسرحيات لن يساوي عدد جمهور مسرحية واحدة عرضها المخرج محمد القفاص..  وعليه، هل يتحمل المسرح التجريبي جريرة عزوف الجمهور عن حضور هذه المسرحيات والاتجاه نحو المسرحيات التجارية؟!.. وعليه أيضا، نستنتج أن الجمهور الذي يتوافد على المسارح التجارية بهذه الضخامة، دليل ولا أروع إلى أن الجمهور يجد في مثل هذه الأعمال ما ينفس عن همومه، وما يريده من متعة وسهولة لكي يستطيع المتابعة، وفيها لن يحتاج المتفرج أن يفكر أو يناقش ما تطرحه، على اعتبار أن المتفرج يبحث عن الفكرة المفهومة السهلة التي تقدم بشكل فني ممتع ومسل كما أسلف الفنان إبراهيم بحر، وبالتالي لا أجد لحسن النية من فائدة..

اللامنطقية تتفشى بشكل فاضح بعد كل ما سبق في تصريح بحر التالي: "لابد للاتحاد أن يكون رقيبا على نصوص المسارح التجارية خاصة القادمة من الخارج ويفضل أن يكون العرض مصورا لكي يسهم في رفع الذوق العام للمتفرج ويرفع من قيمة الأعمال المسرحية التي تصل من الخارج، لأنه من صميم أهداف الاتحاد".. فإذا كنت أبحث عن تفسير في بداية هذا المقال عن المنطقية بين مهاجمة إبراهيم بحر للتجريب وبين كونه مؤسس المسرح التجريبي الوحيد (إن صح التعبير).. هنا أطالب بتفسير آخر حول مسألة رفع الذوق العام للمتفرج في حين يطالب بحر سابقا أن تكون الأعمال المسرحية مسايرة لذوق المتفرج نفسه ولما يريده!!.. في حين تجدر الإشارة إلى الاتحاد المسرحي لا يتحمل مسؤولية الأعمال التجارية القادمة من الخارج لكونه مجرد اتحاد وليس نقابة للمسرحيين!!.. ((وهنا لن أطالب بتفسير آخر، فتكفي المطالبات السالفة!!))..

 

·         على هامش الهجوم:

-          ضمن إجابة الفنان إبراهيم بحر حول تقييمه للوعي المسرحي في البحرين أشار إلى أن هناك فجوة كبيرة بين الفنان المسرحي والجمهور، والمسؤول عنها هو الفنان نفسه.. وهذه الفجوة بدأت في الظهور مع بداية المهرجانات المسرحية التجريبية، حيث إن الفنان يعمل لكي يشارك في تلك المهرجانات ونسي أن الجمهور بمختلف طبقاته وفئاته ومستوياته لا يبحث عن التجريب حاليا، خصوصا أن بعض الفنانين المسرحيين لا يعون ما هو التجريب وكيفية الوصول إليه..

وهنا أشيد على يد الفنان على أشارته لعدم فهم الفنان المسرحي لمفهوم التجريب، على اعتبار أنها مفردة مطاطية تحمل من المعاني ما لا تحتمله حروفها، وليس على اعتبار ما يرمي إليه الفنان إبراهيم بحر باعتبار التجريب قالب معين يمكن الوصول إليه من خلال عدة عمليات حسابية..

تستحضرني هنا إجابة الأستاذ إبراهيم خلفان عندما وجه إليه سؤال حول مفهومه الخاص حول المسرح التجريبي وماذا تعني له كلمة (التجريب)، جاء ذلك خلال أحد الأفلام القصيرة حول المسرح التجريبي في البحرين.. إجابة خلفان جاءت عفوية ومختصرة، ولكنها تعكس مدى عمق المفهوم لدى هذا الفنان ومدى استيعابه لهذا النوع من المسرح.. فإجابته كانت (ما أدري).. تأتي هذه الإجابة البسيطة شكلاً، العميقة مضموناً ودلالةً، لتبين أن أية محاولة لتأطير مفهوم التجريب ضمن قالب محدد ومعين هو انتهاك لمفهوم التجريب نفسه..

 

-          خلال إجابة الفنان إبراهيم بحر إذا ما كان يعاني المسرح البحريني من انعدام المنهجية التي تكفل له الاستمرار والتطور في ظل المستجدات الفكرية والتقنية.. فيقول: "ليست هناك منهجية واضحة لدى أغلب المشتغلين في المسرح البحريني، فهم غالبا مقلدون تقليدا عشوائيا لبعض رموز المسرح البحريني، خصوصا التجريبيين، وهذا ما يشكل كارثة مسرحية يجب الالتفات لها لأنها بالفعل قد استفحلت"..

واضحٌ لمن له احتكاك بسيط أو أقل من ذلك أن الرموز التي يلمح لها بحر ضمن إجابته السابقة، لا يتعدون أصابع اليد الواحدة.. على اعتبار أن أعمال الأستاذ عبدالله السعداوي والأستاذ إبراهيم خلفان والناقد يوسف الحمدان وتجارب الفنان خالد الرويعي ركائز المسرح التجريبي في البحرين، وبالتالي يجرنا الحديث حول أولئك الذي يرى الفنان إبراهيم بحر يشكلون كارثة مسرحية –حسب قوله- والذين يقومون بتقليد هذه الرموز تقليداً عشوائياً!!..

الذين يتصدون لعملية الإخراج في البحرين لا يتعدون أصابع اليدين في أحسن الأحوال إذا ما استثنينا الأسماء السابقة.. وهؤلاء العشرة لا تكون كل تجاربهم تجريبية –إن صح الوصف-.. وبالتالي لا أدري أين مكمن الكارثة المسرحية التي يراها بحر في المسرح البحريني، هذا على اعتبار أن مسألة التقليد العشوائي صحيحة.. وبالنسبة لي فهي ليست بمفرٍ من الشك والشك كله..

 

-          في نفس الصفحة التي جاء فيها الحوار مع الأستاذ إبراهيم بحر كان هناك حوار سريع مع الأستاذ عبدالله ملك، وملك لم يبتعد في آراءه كثيرا عن بحر، فحمّل المسرح التجريبي مسؤولية عزوف الجمهور عن حضور العروض المسرحية.. ولكن تجدر الإشارة إلى أن رئيس مجلس إدارة مسرح أوال عبدالله ملك، كان ومازال واضحاً حول رؤيته المسرحية التي ترتكز على المسرح الكلاسيكي –إن صح التعبير- والتي يتبناها – بشكل أو بآخر- مسرح أوال.. وبالتالي لا يمكن إلا احترام وجهة نظرة من باب عدم افساد القضية مادام هناك ثمة اختلاف، وعلى أساس أنه في نهاية المطاف لا ينتمي إلى المسرح الذي يحمل على عاتقه مثل هذه العروض التي تدفع بالجمهور للنفور من المسرح..

 

-          المفارقة في الصفحة.. أنها اختتمت بمقال للناقد المسرحي السعودي أثير السادة.. كانت تحت عنوان (ما يشعله السعداوي، وما يطفئه التجريب) والتي عزز وجدد من خلالها المطالبة بتفريغ الأستاذ عبدالله السعداوي.. المتهم الأول بولوج فكرة التجريب إلى المسرح البحريني..

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 10 اغسطس, 2008 05:38 م , من قبل e7sasy24
من البحرين

العزيزة/ عاشقة الصواري..

تم حذف التعليق لما فيه من تهجم واضح لبعض الشخصيات..

شكرا لتعاونكم..
حسين عبدعلي


اضيف في 27 اغسطس, 2008 04:28 م , من قبل الإمبراطور سنبس
من البحرين

مـرحباً ..

مفردة المسرح التجريبي قرأتها لأول مرة حينما بدأت أقرأ كتاب مصرح الصواري قراءة في تجربة عبد الله السعداوي المسرحية

و يبدو أن التجريب مهضوم، كما هو المسرح الكلاسيكي مهضوم .. جيل الهمبرقا للأسف الشديد تربى على المسرحيات الكويتية التي تقصتر على القهقهة و القهقهة فقط، و حالياً " البصاقة الزايدة "

شدني الموضوع لإستذكار إحدى تصريحات السعداوي التي تفيد بأنه ولو توقف الجمهور عن المتابعة فإن مسرح التجريب سيبقى قائماً .. لأن المثثلين في كل مسرحية يعيشون تجربة وهم سيبقون مرتبطين بهذه التجارب من خلال إستمرارية التمثيل و التجريب و إن انعدم الجمهـور




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com