حسين عبدعلي
.

:: سمّوها ما شئتم لكنها (حوّام)

"بلا شفقة يضرب النحات على المرمر كي يخلص الصورة التي ترقد في الحجر، لذلك عليه أن يكون بلا شفقة.. لذلك عليكم/علينا جميعا أن نتألم ونموت ونتحول إلى غبار"..

فريدريك نيتشه

لم يكن حسين محروس في (حوّامه) شفوقاً، بل كان في الشَبَهِ أشبه بقلب جزارٍ خالٍ من الرحمة وهو يسلخ الشاة فيفصل اللحم عن العظم بطرف سكينه، وبقبضته ينزع الكبد من بين الأمعاء.. محروس لا يصنع الالتفاتة، بل يضرب بسبّابة من حديد على زر كاميرته/قلمه، كي يخلص حوّام التي ترقد في الضوء، لذلك كان بلا شفقة، ولذلك بات علينا أن نتألم ونطيب.. نبكي ونضحك.. نموت ونتحول إلى غبار..

محروس المثيرُ للجدل، المقلق، المربك، الذي يتقن خلخلة العواطف وسرد الجسد.. في (حوامه) ليس هناك ثمة بون لثمة سؤال.. كل الأسئلة لا أهمية لها.. هل يشرّع للخيانة أم يشيع الحب؟!.. لا يهم.. ولا أهمية أن نختلف حول (مريم) إن كانت طهوراً مقدسة أو فاسقة فاجرة خبيثة عاهرة.. حتى تلك الأسئلة التي تبرز متراكمة بعد الانتهاء من الراوية، لا تلبث حتى تتحول إلى أسئلة أخرى.. لا فسحة للإجابات في حضرة (حوّام)، ليس هناك غير القلق يحوم على جسد مريم..

مريم.. التي ألفتتْ في مشيتها، على وشك من أي شيء.. مريم التي لا يعرف قلبها الفراغ.. سلسلة العشاق، لا تترك عاشقاً إلا وهي في حضن آخر.. تحترف التوزيع الغلط.. فيتداخل العشاق في العشاق.. كانت مسكونة بالشيطان، فهمس محروس في أذنها: "أولى بك وأجدر أن ترعى نمو شيطانك! فأمامك ما تزال أيضا هناك بعد طريق إلى العظمة"..

"الرجل في أعماق نفسه خبيث، أما المرأة فسيئة في العمق" هكذا قال زرادشت، وهكذا أو كذلك كانت مريم.. اثني عشر رجلا كانوا ضحية عمقها، مذ فيصل في مرحلة الابتدائية، مروراً بمعلم الخط في جمعية الفنون الذي يتلذذ بملامسة يدها وهما يمرران القصب معاً بيسر على الورق فيسمعان صريره، حتى أخ قريبتها في المشفى وخال صديقتها و(سوبرغلو)، إلى عباس وزكريا وعارف.. قد يكون ذلك لسوء عمقها، وقد يكون لأنهم يريدون الخطر واللعب.. لذلك هم يحبّون مريم كأخطر أنواع اللعب..

هكذا تكون في الشك.. هكذا تقبع في الظن.. لعبة محروس وفتنة الحياد بعيداً عن اليقين السديمي الذي يقبع في الصورة، لكنه بلغة التصوير يكون (out of focus).. يخفيه كما يخفي الكثير من الشخصيات ببراعة في عمق الصورة، ليظهر ما يريد منها بشكل فاضح وواضح في بؤرة عدسته (in focus).. كم عدد أفراد العائلة؟!.. لا يهم.. في الجلسات العائلية، تجلس العائلة كلها، لكن من يجلس بالقرب من زكريا؟!.. أين الأم؟!.. ماذا يفعل سلمان (الأب)؟!.. لا يهم.. فقد عدّل محروس عدسته ليظهر منهم ما يريد، ويقبع الآخرون في الضباب..

"الحمام نسوان"

هكذا يقول زكريا.. والحمام لا يخون، لأنه لا يشعر أنه يخون، هذه فطرته.. الحمام لا يشعر بالذنب، ولا يرى أنّه ناكراً للعهد.. والحمام نسوان.. لذلك كل خياناتهن ليست خيانة.. بينما كل الخيانات مأثومة وملعونة ما دامت وليدة شهوة رجل.. تنضح اللعنة والإثم في صورة عباس وعارف، وتفضحه سلبيات صور عباس.. هل في ذلك شيءٌ من المنطق؟!.. لا يهم.. كما لا يهم أي نعتٍ تختارونه لمريم أكثر النساء نعوتاً في العائلة، سمّوها "منظرة النسوان"، "الزقرتية"، "ملكة جمال الهند"، "عاهرة"، "طاهرة"، "قحبة"، "شريفة".. لا يهم سمّوها ما شئتم من الأسماء، وبتسميتكم تلك تكونوا إحدى شخصيات الرواية.. لكن الكاتب حسين محروس أختار لها (حوام)..

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 27 اكتوبر, 2008 09:06 ص , من قبل nadiazad
من البحرين

حسين عبدعلي
سموها ماشئتم فهي (حوام)
قراءة مميزة وعميقة


و


أتأذن لي بعودة..؟؟


اضيف في 30 اكتوبر, 2008 10:49 م , من قبل Girl
من البحرين

ما شاء الله حسين

يا ريت أقدر أكتب مراجعة لحوام أو مقال أو أي شي، بنفس عينك أو كلماتك الثاقبة

يا ليت

وأكرر... ما شاء الله


اضيف في 19 نوفمبر, 2008 09:36 م , من قبل عمار شعبان
من البحرين

كعادتك يا عزيزي حسين... متألق ومبدع...

بالتأكيد... حوام... روايتي القادمة...

تحية...




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com