اليقينُ الذي يتكأ برأسهِ على كتفِ سؤال الشّك، يكونُ في أضعفِ إيمانهِ مستفزاً وحمَّال أسئلةٍ لا تلبثُ حتى تتمخّض عن أسئلةٍ أخرى، عن فتنةٍ نائمةٍ تنتظرُ دوماَ من يوقظها.. الصورةُ لها فتنتها أيضاً.. لا تختلف في حيثياتها كثيراً عن فتنةِ السؤال، كلاهمامشربية تطلُ على أفق من الإجابات التي لا تتشكل أبداً.. وفي حومة علامات الاستفهام المشرئبة، أكثر الإجابات سديمية في أفقي والمختومةُ بعلامةِ استفهام لا نقطة، هي كيف يمكن أن تسرد سيرة الصورة؟!.. وهي –أي الصورة- تحملُ فيزيائيتها/ كيميائيتها الخاصة، وجغرافيتها التي لا تستباح.. كيف؟ وأنتَ.. لا تشَدُّ رحالك للماءِ لتفسرهُ بعد الجُهد بالماء.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد الانتصار وكوبا الجديدة، اكتشف (فيدل) و(تشي) أنهم متورطين في لعبة أكبر الآن، حيث أنهم بين مخالب القوى العظمى في العالم.. في 1960 كانت أعوام (آيزينهاور) من الحرب الباردة، والوضع الحرج، وكانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت في أفضل حالاتها، في حين أراد السوفييت وجود شوكة على بعد 90 ميلا من خاصرة العم (سام).. وكانوا بحاجة إلى قاعدة عسكرية وكانوا مستعدين لدعم هذا بشراء سكرهم.. مخططي الثورة كانوا يدركون أنهم سيواجهون أياما عصيبة، تم شراء شحنة من الأسلحة من بلجيكا، وتم نقلها بقارب اسمه (لاكوبرا)، دخل القارب الميناء الكوبي، وحال ما بدأ العمال بتفريغ حمولة القارب، حدث انفجار كبير.. في البداية لم يعرف أحد ما يحدث، هرع الناس لمساعدة الجرحى، وبعد عدة دقائق، حدث انفجار آخر.. كانت مجزرة رهيبة، فقد الكثيرون أطرافهم وجرح الآلاف، يقال أن ذلك أول أو أحد أولى الأفعال الإرهابية ضد كوبا الجديدة.. في اليوم التالي، تجمع الناس لدفن الموتى، الذين كانوا بقايا أجساد، ذراع أو ساق.. تم تنظيم الجنازة على بعد حي من مقبرة (كولون) حيث ألقى (فيدل) خطابا.. (ألبيرتو كوردا) كان بين الجمهور، قريبا من المنصة، قام بتعديل الكاميرا لتصبح الرؤية شاملة ليرى من كان على المنصة، تقدم (تشي غيفارا) في تلك اللحظة، وقد ظهر في كاميراته، بدا الأمر وكأنه صعد لفترة قصيرة ليشاهد معاناة الناس وهم يبكون على أمواتهم وعلى عائلاتهم.. واستطاع (كوردا) أن يلتقط صورتين فقط، وصل (تشي) وانحنى إلى الأمام، هذه الانحناءة كانت في المكان المناسب، في الزمن المناسب، واللحظة المناسبة، والزاوية المثالية.. (تشك) التقط الصورة الأولى، ثم قام بتعديل الكاميرا من الوضع الأفقي للوضع العمودي، (تشك) والتقط الصورة الثانية، ثم اختفى (تشي) بعد هذا مباشرة.. حين وصل (كوردا) إلى الأستوديو وفي غرفة تحميض الأفلام مجددا، كانت الصورة التي عرّاها الحمض عبارة عن رجلٍ يعتمر قبعة سوداء مرسوم عليها نجمة، مرتدياً سترة جلدية بسيطة، ذو شعر بلغ الطول المثالي، وحاجبان كثيفان، وشارب خفيف، فيما أطلق لحيته بغير تناسق أو اتساق، ويمتلك عينان عميقتان تشع نظرة لا تملك إلا أن تربك ما تقع عليه.. في اليوم التالي لم يتم نشر صورة (كوردا) في الصحيفة، وليس بعد أشهر من ذلك الوقت.. بل تم نشر صورة (فيدل) والعلم الكوبي خلفه.. وصورة أخرى لـ (فيدل) مع متفجرات في يديه.. كان (كوردا) يعي أن صور (فيدل) هي الأهم وليس الصور الأخرى، حتى وقت تصوير صورة (تشي) كان أشبه بمصور يقوم بعمله المعتاد.. صور متتالية لكل الموجودين على المنصة.. تشك..تشك.. تشك.. ومن بينهم (تشي).. ولو كان لتلك الصورة أهمية له لالتقط منها ثلاث أو أربع أو خمس لقطات ولم يكتف باثنتين عابرة.. إلى جانب صورتي (فيدل) نشرت الصحيفة صور الناس وهم يبكون.. واللحظة التي مشى فيها (فيدل) و(تشي) و(دورتيكوس) بين الجماهير.. لكنها لم تنشر صورة وجه (تشي) في ذلك اليوم.. ومع ذلك أحب (كوردا) تلك الصورة كثيرا وكان مذهولا جدا بها، نظرة (تشي) كانت تعبر عن الألم الذي شعر به.. وكان (كوردا) يعرف ماذا يملك، كان يعرف أنه يملك شيئاً مميزاً في تلك الصورة بالتحديد، لكنه لم يعرف كيف سيكون تأثير هذه الصورة على العالم.. الأسطورة اختفت لكنها في كل مكان في مثل هذا اليوم – اليوم الذي أنشر فيه الموضوع على هذه المدونة- وبالتحديد في 3 أكتوبر 1965، "فيدل كاسترو يعلن أن "ارنستو تشي غيفارا" تخلى عن جنسيته الكوبية ورحل ليقاتل "القوى الامبريالية" خارج كوبا.. وكاختفائه السريع من على المنصة بعدما التقط (كوردا) الصورة، اختفى (تشي) من المشهد.. وفي رحيله قصة تطول، لكن أصلها يعود إلى أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية، بعد شعوره بغضب شديد حين قام السوفييت بإبرام صفقة مع الأمريكان، بدون علمه هو و(كاسترو) نتج عنها بالتالي هزيمته، الصراع لجعل كوبا دولة صناعية، أراد تعليم الكوبيين، أراد نقلها إلى مستوى جيد، وقد فشل في ذلك.. وهو الذي لم يكن ينهي أي شيء يبدأه بتاتا.. كان ينتقل إلى شيء آخر دائما، وكان يترك وراءه أشياء غير مكتملة.. الأسطورة التي بدأت تنتشر عن (تشي) أصبحت مفقودة، أو حريٌ القول أنها بدأت تدخل في طريق المتناقضات.. ففي الوقت الذي بدأت فيه بالاختفاء والتلاشي تماماً، كانت ثمة شائعات تشي بأنه في كل مكان في الوقت ذاته.. في (فيتنام)، وشائعات بأنه في (أفريقيا)، وأخرى في (بوليفيا).. اختفت الأسطورة لكنها تظهر في كل مكان.. في 19 اكتوبر 1967 .. مجلة (باريس ماتش) نشرت نسخة من صورة (كوردا) على صفحة كاملة، ولا أحد يعرف كيف حصلت عليها، جاء ذلك في مقالة عنوانها (أين تشي؟).. ووقتها لم يعرف من التقطها لكن تم تذييل الصورة بـ "الصورة الرسمية للرفيق (تشي غيفارا)".. وفي المقال نفسه، كانت هنالك صورة صغيرة لـ "ساحة الثورة" حيث الحشود تلوح بملصق عليه صورة (تشي).. الصورة نفسها.. ولا أحد يعرف أيضاً من التقط الصورة للحشود.. لمحةٌ هنا.. وأثرٌ هناك، لم يكن واضحاً أين ظهرت الصورة التي التقطها (كوردا) لأول مرة.. لكن حين سألت مجلة (باريس ماتش) "أين (تشي)؟" كان هناك ملصق واحد تحمله الجماهير يحمل الصورة الرمز.. أين تم نشر الملصق لأول؟! المؤكد أن (باريس ماتش) لم تكن الأولى، إذ كانت الصورة معروفة في أجزاء من هذا العالم قبل مقالها.. وتشير أوراق الصحف أن أول مرة نشرت فيها الصورة كانت في صحيفة (ريفيليوشين) في عام 1961، خلال إعلان فحواه أن (تشي) يريد التحدث عن نشاط ما أو ما شابه ذلك.. وكانت صورة صغيرة، ولا يبدو أنها أثرت بأحد، ولا حتى بالأشخاص العاملين في الصحيفة.. ولكن كيف حصلت (باريس ماتش) المجلة الرائجة التي استطاعت أن تسكن ضمائر الناس إلى حد كبير على صورة (كوردا)؟!.. تقول القصة أن (فيلترنيلي) هو البداية.. و(فيلترنيلي) هو ناشر في (ميلان) بـايطاليا له دار نشر خاصة به، حيث يحررون كتباً وملصقات.. ويقال أنه ناشر متطرف مع سياسة متطرفة جدا.. وكان أكثر الناشرين إثارة في (ميلان) في ذلك الوقت.. والقصة تقول أيضا أن (فيلترنيلي) جاء إلى كوبا واتصل بـ (كوردا) للحصول على صورة لـ (تشي) وقد نسخ (ألبيرتو) نسختين من الصورة الرمز، وأعطاها (فيلترنيلي) في اليوم التالي. سنة لم يكن له فيها برار.. أين تبخر المناضل المثال؟ بالمناسبة.. الجواب على سؤال "أين تشي؟" فهو كالآتي: "كان يؤجج نيراناً أخرى في الكونغو".. فلقد كان دائم التحدث عن توسيع الثورة.. على اعتبارها حالة لابد منها.. وكان من الصعب تنظيم حركة تمرد في تلك القارة، فعزم الدكتور (أوسكار ميل) رفيق (تشي) في الكونغو على الرحيل من الكونغو إلا أن (تشي) كان مصرا على البقاء لآخر لحظة.. بعد أن رحل مباشرة، كان يفكر في الذهاب إلى بوليفيا.. فقد طلبته الاستخبارات المركزية في (سانتو دومينغو)، وهناك روايات أخرى تقول أن (فيدل) قتله، ورواية أخرى تقول أنه كان مختبئا وأنه لم يتمكن من الخروج من الكونغو.. هذه القصص تتداولها الناس لكن لم يتخيل أحد أنه في بوليفيا.. في بوليفيا كان الفشل ذريعاً، تمت هزيمة (تشي) على يد جيش ضعيف جدا.. البديهة تقول إن كان ثمة متمردين تسللوا لدولة ما، بغض النظر عن كونهم غرباء عليها أم لم يكونوا، فإن هذه الدولة ستدافع عن نفسها.. قام الجيش بما يتوجب عليه فعله.. لقد دافع عن نفسه.. في مذكراته عن الأيام الأخيرة في بوليفيا.. يبدو واضحاً أنه رجل يعرف ما سيحدث لمستوى معين، لم يشعر (تشي) بالخوف، وهذا بدا واضحا لـ (فيدل) لدرجة جعلته في نهاية المطاف يعين رجالا لمراقبة (تشي) كيلا يعرض نفسه للخطر باستمرار، أو أن يزج بنفسه بالمقدمة ويتعرض للقتل.. مثل (الساموراي) القديم في اليابان، ترى أن (تشي) كان يبحث عن الطريقة الأجمل للموت.. الموت من أجل الشرف والحرية والبلد.. تلك الصرخة التي أطلقها باتجاه قاتله (تيران): "صوب جيدا لأنك على وشك أن تقتل" هذا النداء سمعه الناس في جميع أنحاء العالم.. وبعدها صمت (تشي) لكن أسطورته مازالت تتحدث.. عظمتا كتف وجسد نحيل.. تباً انظر إلى صورتي! رحلته الطويلة في (بوليفيا) وموته وعرض جثته، كالسيد المسيح في غرفة الغسيل في المستشفى في (فالي غراندي) كل هذا كان بمجمله حدثاً ضخماً.. الجسد النحيل الذي أخذت جبال (بوليفيا) منه مأخذها، أنهكته فبرزت عظمتي كتفيه بشكل واضح.. النظرة الساكنة التي تلاحق ناظرها من أي زاوية كان ينظر فيها، وكأنها تنظر إليه أينما اتجه.. هذه كانت صورة (ألبورتا) لجثة (تشي)، وهنا يدخلنا (ألبورتا) في فتنة صورته عندما بهّرت حبكة الأحداث ودفعت الناس لخلق مقارنة بين (تشي) الممدد وبين صورة المسيح المشهورة على الصليب.. كان الأمر بالنسبة لهم وكأنه المسيح، أو هكذا تأخذنا فتنة الصورة.. بعد اغتيال (تشي) في بوليفيا حين أقاموا جنازته في "ساحة الثورة" وألقى (فيدل) خطاباً للجماهير، احتشدت الناس وكان (كوردا) بينهم يؤدي واجبه اليومي عبر التصوير، دخل بين الجماهير حاملا عدسته، وصل إلى ساحة (بلازا) ورأى صورته هناك، والإعلام منكسة خلف المنصة.. استدار نحو مساعده وقال: "تبا! انظر إلى صورتي".. العام الذي يلي وفاة (تشي) تمت تسميته بعام البطل المتمرد، من المحتمل أنه منذ ذلك التاريخ، تمت تسمية صورته باسم "البطل المتمرد" "guerrillero heroic".. كانت تلك الصورة على العكس تمام من صورة (تشي) الميت.. هذه صورة (تشي) وهو حي..



السبت, 03 اكتوبر, 2009
حتى اليوم لا أحد يعرف إن كانت قد ظهرت أول مرة في ايطاليا أو في أكتوبر 1968 في باريس.. لكن الأكيد أن هذه الصورة نشرت قبل موت (تشي)..
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











