اليقينُ الذي يتكأ برأسهِ على كتفِ سؤال الشّك، يكونُ في أضعفِ إيمانهِ مستفزاً وحمَّال أسئلةٍ لا تلبثُ حتى تتمخّض عن أسئلةٍ أخرى، عن فتنةٍ نائمةٍ تنتظرُ دوماَ من يوقظها.. الصورةُ لها فتنتها أيضاً.. لا تختلف في حيثياتها كثيراً عن فتنةِ السؤال، كلاهمامشربية تطلُ على أفق من الإجابات التي لا تتشكل أبداً.. وفي حومة علامات الاستفهام المشرئبة، أكثر الإجابات سديمية في أفقي والمختومةُ بعلامةِ استفهام لا نقطة، هي كيف يمكن أن تسرد سيرة الصورة؟!.. وهي –أي الصورة- تحملُ فيزيائيتها/ كيميائيتها الخاصة، وجغرافيتها التي لا تستباح.. كيف؟ وأنتَ.. لا تشَدُّ رحالك للماءِ لتفسرهُ بعد الجُهد بالماء.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أصبحت هذه الصورة مشهورة لأن (تشي) قُتل.. وفي اللحظة التي رحل فيها (تشي) كان رمزاً للثورة في أنحاء العالم، وحينها بدأت الصورة بالاشتهار.. عدد من الفانيين الكلاسيكيين والرسامين والمصممين في ذلك الوقت، قاموا برسم عدد من الملصقات باستخدام تلك الصورة.. حدث ذلك بعد وفاة (تشي) مباشرة.. في شهر أيار من عام 1968 أحدثت الصورة فرقاً حقيقياً خلال تظاهرات الطلاب الضخمة في باريس، ظهرت صورة (تشي) خلالها محمولة على الأعناق وانتشرت.. في المكسيك، بيركلي، براغ، بلفاست وكل أوروبا، في فيتنام وفي واشنطن وفي روسيا.. كانت كحريق هائل يمتد لسانه دون توقف.. يقول الفنان جيم فيتزباتريك من قام بعمل البوستر الشهير للصورة الرمز: "خلال الشغب الطلابي في باريس عام 1968، ظهر تأثير الملصقات كوسيلة تعبير سياسية قوية، وكادت الملصقات تتحول إلى رمز للمقاومة وليس بالضرورة ملصق صورة (غيفارا)، كانت جميع الملصقات تستخدم كرموز للمقاومة مهما كان النظام المعرض للمقاومة، وكانت وسيلة تعبير سياسية مؤثرة جدا لأن من الممكن إنتاجها بكميات كبيرة وبسهولة".. أما كيف انتهى المطاف للصورة لتكون تحت ريشة فيتزباتريك فيضيف: "كان الفيلسوف الفرنسي جين بول سارتر قد التقى بـ (كوردا) في كوبا، ربما قام (كوردا) كما كان يفعل دائما، بإعطاء (سارتر) نسخة من صورته وتنقلت الصورة إلى أن انتهى بها الأمر بين يدي.. وحولتها إلى صورة (تشي) الشهيرة الآن".. شخصيات من خلفيات مختلفة انجذبوا إلى تلك الصورة بسبب ما كان يمثله (تشي).. نُسخت الصورة على أيدي مجموعات ثورية حول أوروبا وحول العالم، واستخدموها لجني الأموال لمنظماتهم التطوعية.. وهنا رأينا النسخ المعدلة من تلك الصورة تخلق، وهي مشتقة من هذه الصورة التي تدور بشكل مباشر حول كوبا، وحول حياة شخص واحد، وقد تحولت إلى رمز للمفاهيم السياسية وللتغيير... في حرب فيتنام كانت المظاهرات المعارضة لحرب فيتنام جارية، كان (بوب ديلان) يثير ضجة، وكذلك فرقة (رولينغ ستونز) و(بيتلز)، وفي الوقت ذاته تمكنت الصورة من الدخول إلى عقول الناس في فترة حركة (الهيبيين) عندما كان الشعر الطويل رائجا.. وهكذا أصبح رمزا للشبان الأحرار في الستينات.. وأصبحت هذه الشخصية الرمزية تمثل قضايا مختلفة في لحظات مختلفة تحدث في نفس وقت وفاته.. الصورة مناسبة جداً لاستخدامها كملصق لأنها مؤثرة جدا حتى كصورة بالأبيض والأسود، وبالطبع كصورة بالألوان الأسود والأبيض والأحمر تأثيرها فعال جدا.. وكانت صورة (تشي) منتشرة في كل مكان في نهاية عام 1968.. شيوعية "فيديل" ضد حقوق النشر.. اصقل سيفك يا كوردا! بعد ظهور الملصق وتبني الناس لهذه الصورة كرمز، اعتبرها الجميع خاصة بهم، وكانت مسألة حقوق الطبع والنشر غير واضحة لدى معظم الناس في تلك الفترة، في حين رفضت كوبا في تلك المرحلة قوانين حقوق النشر الدولية، فـ (فيدل) الشيوعي لم يؤمن بفكرة حقوق النشر، فكانت الصور مجانية، وكانت الأفكار مجانية، وهي موجودة من أجل مشاركتها مع الآخرين، وفكرة حقوق النشر أمرٌ ملعونٌ نوعاً ما.. والشعور السائد آنذاك هو في حالة وقعت الصورة أو الملصق بين يديك، فلك الحق وحرية نسخها مراتٍ أخرى، وأفاد هذا الأمر صورة (تشي) لأنها غير مقيدة بحقوق النشر.. ولذلك تضاعفت صورة (تشي) واستخدمت بطرق مبتكرة.. (كوردا) الذي كان مؤمناً بالثورة، كان عليه تقبل حقيقة عدم تمتعه بأية سيطرة على هذه الصورة، وأنه لن يتمكن من فرض ذلك، إذا أراد العيش في كوبا التي يريدها، لم يكن هناك ما يستطيع فعله اتجاه ذلك.. لكنها غيرت حياة (كوردا) من ناحية عاطفية، لم تجعله ثريا أو صاحب ملايين، كان فخورا بتلك الصورة، وكان سعيدا بأنها استخدمت بشكل جوهري.. (فيلترنيلي) الذي حصل على نسختين لم يتقاضَ (كوردا) قرشا واحدا على أي شيء.. في حين كان مكتوبا على الصورة (حقوق النشر تعود لـ فلترنيلي).. إلى أي مدى احتال (فلترنيلي) على المبتكر بعد كتابة اسمه على الملصق، وعدم دفع النقود مقابله؟!، هذا أمر تتم مناقشته كثيرا، في الوقت التي ظهرت لاحقا حكاية يرددها (كوردا) باستمرار هي أن (فلترنيلي) جنى ثروة من تلك الصورة، وهذا المصور الكوبي لم يحصل على قرش واحد، ولم ينسب الفضل لـ (كوردا) بالتقاط الصورة.. في الوقت الذي يقال أن (فلترنيلي) كان ثريا قبل حصوله على الصورة، وفي الرد على نسب الالتقاط هو أنه في تلك الفترة لا تنسب الصحف الصورة التي تعرضها لمصوريها.. كان ذلك ينطبق على الفنانين أما المصورين فلم ينسب الفضل إليهم في ذلك العصر.. ولذلك لم يعرف أحد قبل عام 1980 أن كوردا هو من التقط الصورة.. جيم فيتزباتريك جعل حقوق نشر الصورة مجانية أيضاً، وكان ذلك أحد أسباب تكاثرها بشكل فوري كما يعتقد، جعل نسخته معفيةً تماماً من حقوق النشر، كما سمح لكل من يريد استخدامها، وشجع الناس على ذلك، فلقد كان يريد لها أن تتولد كالأرانب.. وهذا ما حدث لقد تضاعفت الصورة، ولفتت انتباه العالم إليها.. كانت أشبه بكرة الثلج المتدحرجة التي لا يمكن إيقافها، وكلّما طال تدحرجها ازدادت في الحجم وكبرت.. تعددت التأويلات.. من رمز شيوعي إلى علامة تجارية كانت تلك لحظة متفردة عندما ظهرت الصورة لأول مرة، وبدأ يظهر عنصر جمالي جديد في الطباعة، عبر إزالة توزيع الضوء ومميزات صورة (كوردا) وتحويلها إلى صورة ظلية بأسلوب (وارهول).. كان ذلك انفتاحاً تأويلياً للمشاهد بتفسيره بأية طريقة يريدها، يمكن أن يستخدم أي شخص خيالاته في هاتين العينيين، بالإضافة لعدم معرفة إذا كان الرجل أسود أم أبيض أو صينيا أو هنديا إنه يشبه كل الأعراق ويبدو كرمز للجميع.. وتحولت إلى جزء من الثقافة الشعبية في جميع أنحاء العالم.. وبذلك كان للصورة أن تحمل سيميائيتها الخاصة، التي تتكاثر دلالاتها لدلالات أخرى.. دلالات لا متناهية.. في زمن (جايمس دين) و(مارلين مونرو) التي هي مرحلة مؤثرة جدا في تاريخ السينما، حيث أحدث أولئك الأبطال تأثيرا هائلا في العالم، وحيث وجدت الصورة طريقها بسلاسة إلى جدران غرف الشباب وعلى خزائن ملابسهم.. كانت صورة (تشي) أيضاً تتلمس طريقها في عالم المشاهير الجديد.. عاملٌ آخر بدأ يضعه ضمن العظماء والمشاهير، إلى جانب كونه ثورياً وليس ثرياً.. فهو نجم كبير، وهو نجم يحمل رسالة، وهكذا بدأ يظهر مزيج بين النجم وبطل الثورة داخل الثقافة الشعبية.. ربما (كوردا) وحده بين المصورين المحيطين بـ (كاسترو) يستطيع أن يخلق في حركة واحدة في وجه واحد صورة يمكن أن تمثل ذلك النوع من الطموح والبطولة وتمرد الشباب الموجود في الثورة، حيث كان يركز كثيرا على خلق شيء جميل، لذا قام بتقليم الصورة.. الصورة الأصلية كانت تحوي شجرة نخيل على الطرف الأيمن من الكادر، وصورة جانبية لرجل في الطرف الآخر.. قام (كوردا) بإزالتها من الصورة الأصلية لإضافة التناسق الجميل للصورة.. ولكن هذا التقليم لم تأتِ ثماره جمالية وحسب، بل قام بفصل اللحظة عن التاريخ.. وهذا عمل مصور فنان.. إنه يحاول ابتكار شيء جميل منفصل عن تلك اللحظة التاريخية، فعندما ننظر إلى الصورة لا نقول أن (تشي) كان في تجمع (لاكوبرا)، ولا تلك النظرة المشحونة والمتداخلة الأحاسيس بين الحزن والغضب، كانت مقتصرة على ضحايا (لاكوبرا) فقط.. فنحن لا يمكننا تلقي صورة (تشي) المقلّمة كما نتلقى صورة (أيوجيما) الشهيرة، من الحرب العالمية الثانية أو صورة الفتاة العارية التي تركض في شوارع فيتنام.. هذه الصور محددة في زمان ومكان.. إنها صور إعلامية تاريخية التقطت في زمان محدد ومكان معين، وبالتالي هي تعكس دلالات زمكانية محددة.. لكن صورة (تشي) هي ابتكار فني بذاتها.. إنها صورة شخصية فنية منزوعة من المكان والزمان وهذا جزء من قوتها الرمزية.. (ستيف ماكوري) مصور قناة (ناشونال جيوغرافيك National Geogaraphic) كان قريباً جداً من لعبة اللامكانية واللازمانية في صورته الشهيرة للفتاة الأفغانية، ذات الثانية عشر ربيعا، والتي تمتلك عينان غريبتا اللون، والنظرة الأغرب.. وقتها كانت الفتاة في صفها الدراسي بأفغانستان، ولكن كادر عدسة (ماكوري) استطاع أن ينزعها من بيئتها ويلطشها بصبغة عالمية.. ولذلك اعتبرت من أهم البورتريهات في ذلك الوقت.. الصورة الرمز لا تخص أحداً، هكذا تفترض العامة، و(تشي) في الواقع يخصهم جميعا.. يخص الكوبيين، اليابانيين، الإنجليز، الألمان، الأمريكيين.. هو للطفل الذي في سنته الأولى ويرتدي جوارب تحمل صورة (تشي)، وللشاب الذي لصق صورته على لوح تزلجه، وللشابة التي طبعتها على دراجتها النارية، أو على القمصان، والمشروبات الغازية، وعلب السجائر، المحافظ، ربطات العنق، القبعات، الأبجورات، الملابس الداخلية بشقيها الرجالي والنسائي، العطور والساعات والأحذية، الأجهزة الإلكترونية، كراسات المدارس، الآلات الموسيقية.. إنه (تشي) في كل مكان.. إنها التجارة ولعنة السوق.. الصورة دخلت عالم الفكاهة وبرامج الكوميديا، واستخدمت في برنامج (سمبسونز) و(ساوث بارك) وهكذا يتم ابتكارها من جديد باستمرار.. الانترنت أيضاً لعب دور حقيقي وزاد من عملية الانتشار.. حيث تُحمّل ليتم التقاطها واستخدامها، إنها تتمتع بالحرية التي تسمح لها بالانطلاق في العالم، والتسويق لأي شيء إذا أردت ذلك.. الصورة وبين علامتي تنصيص باتت مهرجان ضخم من العولمة.. الرأسماليون أيضا.. تلك التي تفترس كل شيء، وهذا يشمل ألد أعدائها.. كان (تشي) عدوا خطيرا ومتعصبا، وكان معارضاً للرأسمالية لكنها افترسته في آخر الأمر، فقد تم استغلال صورة (تشي).. هذه الإمبراطورية التي تساوي ملايين الدولارات.. لا أعتقد أن (تشي) سيحب استغلال صورته بهذه الطريقة، فلو مازال حيا لأدينت المتاجرة بهذه الصورة، فنفس النظام الذي كان يحاول إسقاطه هو الذي دعم تصنيع الصورة ونسخها في كل مكان.. لدرجة هناك قمصان عليها الصورة مع كتابة (هذا القميص مقدم لكم برعاية الرأسمالية)، فهو بشكل أو بآخر تذكير للناس بأن الرأسمالية هي السبب في وجود هذا القميص.. وهنا تحول (تشي) من رمز مقدس إلى إله سطحي ولديه مجموعة من المعجبين.. الدم.. العنف.. السلاح.. القتل.. سيمفونية (تشي) والجزء الكبير من رسالته وحياته.. اليوم صار (تشي) أقرب إلى حمامة السلام، أو شبيهاً بصليب المسيح (ع)، وأحيانا يتم استخدام صورته في التظاهرات المعارضة لعقوبة الإعدام.. هذا ما يغضب الكثير من الناس ممن يعارضون ما يحدث في كوبا، ويريدون إحياء واستعادة ما يقولون أنها الحقيقة حول (تشي).. يمكننا إذن نسيان أمر الإعدامات والثورة المسلحة التي تبدو بعيدة جدا عن الواقع، مع وجود الوسائل الأكثر ديمقراطية للتغيير التي يتقبلها اليساريون أكثر، أصبحنا الآن نفضل رؤية (تشي) مجردا من السلاح، حوله حمامات بيضاء أو زهور أو رموز أخرى للسلام لكننا لا نراه مع المسدس إلا نادرا، وهو الذي فضّل المسدس على إبرته الطبية وقلم الشاعر.. وإذا كان (كوردا) ليس مهتما للناس الذين يصنعون القمصان ويجنون حفنة من الدولارات هنا وهناك ببيعها، ما داموا يفعلون ذلك باحترام للصورة، فهو لم يكن يريد للصورة أن تروج الأمور السيئة كالكحول والسيجار والتبغ، لكنه لاحقا أدرك أن أناسا كثيرون يستفيدون من شيء يجب أن يستفيد منه هو أيضا.. ومع اندماج كوبا بالاقتصاد العالمي، وحيث كانت تنشد الاستفادة من ذلك حدث تغير كبير في مجرى الصورة بشكل عام في كوبا، حيث تقر الآن بحقوق الطبع الدولية في الوقت الحاضر.. وعليه، وكّل (كوردا) محاميا في أواخر التسعينيات ساعيا لنيل حقوقه في هذه الصورة.. في كانون الأول عام 2000 ربح دعواه الشهيرة والأخيرة ضد (سميرنوف) وربحها.. وقاضى (سواتش) لأنهم أنتجوا ساعة استخدمت الصورة وربح تلك القضية أيضاً.. في حين طالبت عائلة غيفارا أن تعمم وتصبح رمز كوبا، في الوقت الذي قاتلت فيه عائلة (كوردا) من أجل الاحتفاظ بالحقوق معهم.. الدلالة المكلفة.. هذا القميص برعاية الرأسمالية الصورة بدأت تأخذ نموذجاً شاملاً يحدد حدود العلامة التجارية، فهي تمثل هذا وليس هذا.. واليوم تبدأ علامة حقوق الطبع العالمية بارزة على الصورة وهي عبارة عن حرف (آر) وسط دائرة صغيرة.. وعليه، لا تختلف صورة (تشي) عن شعار (نايكي سووش) أو (كوكاكولا) أو (ماكدونالد) أو (أديداس) التي تضع التي تضع هذا الرمز ليحمل مضامين الشركة، والشعار الذي لا يحمل معنى شعار ضعيف.. يقولون: " أية صورة كان لها أن تترك بصمتها على التاريخ، إنما تكسب ذلك من الاستخدامات التي استغلت لأجلها وليس لأن المصور أراد ذلك.. بل لأنها استخدمت بطريقة معينة، وتحولت إلى شيء آخر" وأي شيء تحولت إليه صورة (تشي)؟!.. علامة استفهامٍ أختم فيها هذا التجربة والانشغال بصورة (تشي) الرمز.. وقد يعيدني للبداية..




الجمعة, 09 اكتوبر, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











