حسين عبدعلي
.

:: خربشات مدرسية في ذمة الله.. اسألوا "جيران"!

 

 

تراودني نفسي منذ فترة بالانعطاف في حياتي التدوينة عبر إنشاء مدونة جديدة لا تأتي تحت مظلة "جيران" أو "مكتوب" أو غيرها من المواقع، التي تتعهد لمشتركيها مساحة صغيرة في الشبكة العنكبوتية يمارسون فيها نشوة الكتابة.. هذه المراودة –حتى حين- كانت موؤدة بطعنة الروتين الذي يغالب شخصيتي نوعاً ما، أي بمعنى أن الشهقة الأولى لحياتي التدوينية كانت على يد "جيران"، فلتكن كما كانت.. والمشكلة تكمن أنني عندما أفكر في تغيير "جيران" أٌفكر بشكل موازٍ لماهية النقلة الحقيقية والمؤثرة في حياتي التدوينية.. لا أريد أن تكون هذه النقلة شكلية أو مجرد عنوان إلكتروني بينما تكون فارغة المحتوى، هذا التفكير الموازي المتعب هو السبب الحقيقي في وأد فكرة الخروج عن جيران، خصوصا مع امتزاجها في حالة مزاجية حادة في عملية التدوين.. لذلك، فمهما راودتني نفسي وزيّنت وجمّلت لي الخروج عن جيران، مسرفة في عيوب وعراقيل هذا الموقع، وغلّقت الأبواب  وقالتً: "هيت لك"، قلتُ: "معاذ الله"..

 

ما جاء على مدونة الشقيق "الكسيف" المعنونة بـ "خربشاتي المدرسية" لم يكن إلا قد القميص من الدبر، فأن تقوم إدارة جيران الموقرة لحذف المدونة دون سابق إنذار ولا تنبيه ولا إخطار أو حتى تأنيب –حسب ما جاء في رسالة "كسيف"، بالإضافة لمنع تزويده بالتدوينات والتعليقات فيها، لهو ما يجعلني أفكر ملياً في مراودة نفسي من جديد، وأجدني أهِمُّ بها قبل أن تهم بي.. وما نصيحة "الكسيف" في آخر رسالته بأن يفر بجلده من "جيران" كل راغب في مواصلة التدوين، سوى لسان حال نفسي بعدما قرأت ما كتب..

 

لن أطيل كثراً.. ففي نهاية المطاف لا يسعني إلا القول: "وداعاً أيها الكسيف".. وهذه رسالتك انشرها للملأ..

 

 

 

في تصرف يفتقد لأبجديات الذوق والكياسة ولا يستجيب للحد الأدنى من أخلاقيات التعامل

خربشات مدرسية في ذمة الله.. والسبب اسألوا "جيران"

 

 

أخيراً أغضبت " خربشاتي المدرسية " أحدهم ! 

 

 

من هو ؟ صدقوني لا أعرف.  ولكن هناك من استاء، وبلغ الاستياء به حداً جعله يخاطب إدارة جيران لحذف مدونتي.  واستجابت الأخيرة لهذا الطلب بلا تنبيه ولا إخطار أو حتى تأنيب فقد أكون بالفعل دنست طهرانية هذا الموقع، ومسست بعفافه، وعبثت بشرفه، وانتهكت عرضه وطوله.  كما أن الإدارة الموقرة لم تتجشم عناء الطلب بتصحيح أوضاعي وتشذيب ما يمكن تشذيبه بحسب وجهة نظرهم ووجهة نظر من أوعز إليهم لئلا أكون الجار الثقيل الذي يلقي في دوحة جيران الغناء بالأوساخ.

 

ويالتواردالأفكار! فقد كنت على شفا حذف المدونة بنفسي، ولكن من استاء استعجل الأمر، ومن الواضح أن إدارة جيران لينة مطواعة تفعل ما تؤمر على الفور، وتفكر بالإنابة، وتتصرف بالوكالة.. ووالله لم أوكلهم ليتصرفوا نيابة عني، كل ما كان يلزمني القليل من الوقت حتى احتفظ بتدويناتي التي لا أملك نسخة منها وبالتعليقات عليها. 

 

وفي بداية الأمر استغربت هذا التصرف الأخرق الوضيع، فراسلت الإدارة ولم أمانع أبداً في حذف مدونتي إذا كانت تشكل ضغطاً عليهم وتسبب لهم الحرج، ومن الممكن أن تزلزل عروشهم، فلست من المولعين بالفرقعات، وكان طلبي الوحيد هو تزويدي بالتدوينات والتعليقات عليها، ولهم ما شاؤوا بعد ذلك، ولم يكن هدفي إعادة نشرها في مكان آخر، وإنما الاحتفاظ بها لنفسي. 

 

أول الأمر ماطلوا، ثم طلبوا مني رقم هاتفي، ثم اعتذروا عن خطأ غير مقصود حدث مشفوعاً باعتذار آخر هو استحالة إرجاع تدويناتي والتعليقات عليها.. هل يصدق أحد في العالم هذا الهراء!!!  الخطأ الغير مقصود لم يصب إلا الخربشات وآمل ألا يصيب غيرها.  وقد أخبرتهم بكل لباقة هذه المدونة لا شأن لها بالسياسة فأنا آخر من يهتم بها في العالم، وهي لا تمس الأديان ولا تزدري الطوائف، كما أنها لا  تبشر ولا تدعو لأي تفسخ قيمي وانحلال أخلاقي ودعارة فكرية.  كل هذا لم يثنهم عن قرارهم  البائس السخيف، وصفاقة ردودهم الباردة المعبأة بالأباطيل والكذب والبهتان.  

 

ومع الأسف الشديد ما دام الإخوة والأخوات في جيران قد حسموا أمرهم نهائياً، فعندي تعليق بسيط ونصيحة أود تسجيلهما قبل أن أطوي نهائياً هذه الصفحة. 

 

أما التعليق فهو: عمري التدويني قصير جداً، أقل من سنة، وقد وفرت لي هذه المدة صداقات متينة - واقعية وافتراضية - لم أكن لأتخيلها، واللافت أن هذه الصداقات تحققت لدى جمع ينتمون لثقافات ومناطق ومرجعيات نظر عديدة، والأهم من أجيال مختلفة، بل حتى أولئك الذين وجدوا صعوبة في فهم بعض المفردات المحلية الدارجة كانوا يتفاعلون بإيجابية مع الخربشات.                           

 

وفي هذا السياق، أود أن أشكر أصدقائي الذين كانوا المحرك الحقيقي للخربشات في عمرها القصير، والذين أكن لهم كل مودة وتقدير واعتبر ذرات الغبار التي تصدر عن ملامسة أحذيتهم الأرض أفضل من جيران.  وهم ابتهال سلمان التي تنبأت في وقت مبكر جداً بإغلاق هذه المدونة، وحلفائي مجتبى والإمبراطور ورباب وملاذ " جنان لاحقاً "، والأخ العزيز خالد " ماشي صح "، وعائشة سلدانة وشيماء الوطني وحسين مرهون وأحمد جكي وعلاوي والدكتورة فطوم وسعاد الخواجة وجعفر العلوي وحسين عبدعلي وباسمة القصاب وعلي الملا ومارون الراس وهدى وفاطمة عباس وبنت الموسوي وفيرونيكا وودادو وكنكرية البحرين وغيرهم العشرات من عمدة مصر إلى حامل مسك دمشق.   وهناك من دون شك حسين الجمري الذي أصبحت ارتقب طلته البهية كل خميس عبر ملحق فضاءات في صحيفة الوسط.  وبفضل هؤلاء وغيرهم الذين غابوا عن الذاكرة وقت الكتابة، فلا مدونة عندي الآن حتى أعود إلى أسماء المعلقين والمعلقات، الذين بفضلهم وصلت الزيارات في بعض التدوينات إلى نحو 3000 زيارة قبل التصرف الأخرق الموتور لدى هذا الموقع التعيس.

 

أما النصيحة فلكل راغب في مواصلة التدوين أن يفر بجلده من جيران، أخس موقع استضافة، وفي تاريخهم المشبوه لم تكن هذه أول مدونة تحذف فقد سبق لهم حذف المدونة الأولى على مستوى الترتيب في لبنان، وربما غير ذلك.  هناك العديد من مواقع الاستضافة أكثر نزاهة ونظافة، وعلى كل من يملك مدونة أن يحتفظ أولاً بأول بتدويناته والتعليقات عليها حتى لا يتعرض للانتهاك كما فعل هؤلاء الصغار مع خربشاتي العزيزة، فقد حرموني العودة لها في ساعات الاكتئاب وأوقات الحزن لسرقة ابتسامات من التعليقات الطريفة والمفيدة.

 

وياللمفارقة نحن نسمع في الأشهر الأخيرة عن حجب المواقع، ولكن وبفضل هؤلاء، فقد تجاوزوا خطوة الحجب إلى مرحلة الحذف النهائي الذي لا يقبل الأخذ والرد.  جيران تعساً لكم.     

 

                                     

"  الكسيف "
 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متضامنون كسيفون:

-          سعاد وهذيان حروفها

-          الإمبراطور سنبس وقصره العامر

-          حسين محمد حسين الجمري وتراثنا وتاريخنا

-          Yagoob’s Dome

-          الياسمينة رباب
-          فاطمة هي بالذات

(12) تعليقات

:: أفا.. يا اتحاد المسرحيين.. أفا!!

 

أستعير (الأفا) في عنوان هذه التدوينة من رد الفنان خالد الرويعي على ما قاله الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي رئيس اللجنة العليا لمهرجان الفرق المسرحية الأهلية في دول مجلس التعاون العاشر بدر الرفاعي، أثناء الندوة التطبيقية للمسرحية السعودية "موت مؤلف" –وبين علامتي تنصيص أنوّه أنّ حديث الرفاعي لم يأتِ في الندوة التطبيقية لمسرحية الرويعي (المحمل) بل جاء في ندوة العرض السعودي- ، حيث نوّه الرفاعي خلالها بأن مكان عرض (المحمل) الذي حرم مجموعة من الجمهور من التفرج على العرض، وسبب إشكالية في تلقي من حضر بسبب وجود (صدى) كبير، جعل الحوارات غير مفهومة، هذا المكان هو من اختيار مخرج العمل، وهو –أي المخرج- يتحمل نتائج ذلك، في حين أشار الرفاعي ضمن تنويهه أن اللجنة المنظمة وفرّت للمخرج كل احتياجات العمل اللازمة.. وخلال المؤتمر الصحفي الذي أقامه المركز الإعلامي لمهرجان المسرح الخليجي العاشر لجميع الوفود، ولم يكن مخصصاً لوفد البحرين ليكشفوا بعض الحقائق التي لم تصل بالكامل للأمين العام بدر الرفاعي كما ادّعت بعض الصحف الكويتية، عرّى الرويعي المعاملة البدائية والسيئة التي تعاملت بها اللجنة المنظمة مع الوفد البحريني، مستعرضاً بشكل مختصر المشاكل الجمّة التي واجهت الوفد، مختتماً مداخلته بقوله: (أفا.. يا كويت)..

أنا هنا لا أخفي ضغينة معينة ضد الكويت ولا ضد اللجنة المنظمة، ولا ضد الأستاذ بدر الرفاعي، بغض النظر إذا كان ما تعرّض له وفد "المحمل" من عراقيل ومشكلات كانت وليدة الصدفة وربكة التنظيم، أم إذا كانت مقصودة.. وأنا هنا لا أملك رداً مقنعاً أرد به البيان الذي أصدره اتحاد المسرحيين- البحرين على هامش الدورة، والذي يستنكر فيه أشد الاستنكار التصريحات الصحفية التي أدلى بها مخرج مسرحية "المحمل" خالد الرويعي، معتبراً موقفه موقف متوتر وغير لائق حيال المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ومن سعادة الأمين العام بدر الرفاعي، معتبرين أن ما جاء على لسان الرويعي مساساً بتقاليد الحب، والاحترام المتبادل بين البحرينيين والكويتيين، بل إنه مساس يجرح عمق العلاقات الكويتية البحرينية وتاريخها الذي يشهد بالمواقف الأخوية الرائعة والمتساندة على امتداد التاريخ.. لكنني هنا أملك أن أستعير (أفا) الرويعي، وأقول من صميم القلب: "أفا يا اتحاد المسرحيين!!.. أفا يا اتحاد المسرحيين!!.. أفا يا اتحاد المسرحيين!!".. ليست واحدة.. ولا اثنتين.. بل ثلاث..

هذه (الآفـات) الثلاث نابعة من صدمة حقيقة، ومن صفعة غير متوقعة من قبل اتحاد المسرحيين لا يصفعها على وجه الوفد البحريني المشارك في مهرجان الفرق المسرحية الأهلية بالكويت وحسب، بل هي على وجه كل مهتم بالمسرح البحريني.. هذا الاتحاد الذي جاء في نظامه الأساسي وبالتحديد في الباب الثاني والمعنون بـ "أهداف الاتحاد واختصاصاته" ضمن المادة 11: "أن هذا الاتحاد سيسعى إلى تمثيل المسرحيين والتحدث باسمهم داخل المملكة وخارجها"، وهنا أضع كلمة (خارجها) بين علامتي تنصيص.. وفي موضع آخر يضيف النظام الأساسي: "أن هذا الاتحاد سيتولى الدفاع عن مصالح المسرحيين أمام الهيئات الرسمية والفنية داخل البحرين وخارجها، ورعاية الفنانين المسرحيين الأعضاء بالاتحاد وتقديم المساعدات المالية لهم في حالة المرض أو العجز"، وأعود مرة أخرى لأضع كلمة (خارجها) بين علامتي تنصيص.. هذه المقتطفات هي بالفعل تعكس الحاجة الحقيقية إلى أي اتحاد مسرحيين في العالم، لكن المشكل في أن أي اتحاد مسرحيين في العالم لم ولن يقوم بما قام به اتحاد المسرحيين البحريني، حينما أشهر سيفه في وجه أعضاءه وممثليه على حساب التطبيب والهدهدة على كتف الآخرين، وصون علاقات شخصية..

تُحسَب الرجال بمواقفهم، كذلك الجمعيات والاتحادات تكون مواقفها في الشدّة مقياساً لثباتها وتحقيق أهدافها المنشودة.. أما التلكؤ وضرب أهم ما جاء في النظام الأساسي للاتحاد بعرض الحائط، فأبسط ما نسميه هو الخذلان والنكوص..

الغريب في الأمر أن هناك ثلاثة من أعضاء مجلس إدارة الاتحاد هم مشاركين حقيقيين في العمل، باعتبارهم ممثلين أساسيين في "المحمل" ويعي الثلاثة جيداً أن ما ذكره خالد في تصريحاته لم يأتِ بها من السماء، ولم تكن من باب "ما أنزل الله بها من سلطان"، بل هي معوقات حقيقية عان الوفد الأمرين منها.. هذا بالإضافة إلى تواجد عضو رابع  شمّر عن أكمام قميصه مشكوراً ليرتقي (السقلات) يعين الوفد في تركيب الديكور، ولديه الإلمام الكافي بما واجه الوفد..

الاتحاد الذي سحب يديه من العمل منذ بدايته، معتبراً أن مهمته مقتصرة على تشكيل فرقة مسرحية تحت مسمى "فرقة البحرين المسرحية" وعلى اختيار النص ومخرج لهذا النص، مشددين على المخرج أن يكون طاقم العمل مزيج من الطاقات العاملة في مختلف المسارح الأهلية، بينما الأمور المتعلقة بالتنظيم والإنتاج فيرى الاتحاد أنها من مسؤوليات قطاع الثقافة والتراث الوطني، ولا دخل له فيها.. يأتي هذا الاتحاد ليبسط يديه على العمل ويتبناه مجدداً بعد كل ذلك في بيانه السابق الذكر، معتبرين المسرحية التي شارك بها المسرحيون البحرينيون بإشرافه..

المسرحية التي يدّعي الاتحاد أنه أشرف عليها تحكي قصة مطولة من المعاناة لكي تظهر النور، فلقد توجه الفنان خالد الرويعي في يناير الماضي إلى الكويت، أي قبل بدء المهرجان بأربعة أشهر، لكي يعاين الصالات المتوفرة للعروض المسرحية المشاركة في المهرجان، وحينها عُرض عليه صالة الدسمة وصالة كيفان فقط.. ولأنه مخرج العرض فله الأحقية المطلقة في اختيار الفضاء المناسب بما يتوافق مع رؤيته الإخراجية للنص.. فطلب الرويعي توفير قاعة أخرى، أو صالة نادي رياضي أو في أضعف الإيمان توفير صالة مدرسة، والغريب أن اللجنة المنظمة رفضت توفير أي صالة من الصالات السابقة.. وعليه، اقترح خالد معاينة المجلس الوطني، وكان المجلس الوطني أفضل الفضاءات السيئة.. في البداية رفضت اللجنة توفير هذه الصالة أيضاً لأسباب لا يعلمها إلا الله، كما أن الله أعلم في عدم توفير أي مدرسة أو نادي رياضي.. ومع هذا الرفض، واصل الرويعي اختراع الحلول لتوفير فضاء يتناسب مع "محمله"، فاقترح على اللجنة أن يتم تكبير مساحة ركح صالة الدسمة عبر توصيلات خشبية، ويتم العرض في صالة الدسمة، ومع ذلك جاء رد اللجنة بالرفض على ذلك، متعذرين بعدم توفر الوصلات الخشبية لتكبير خشبة صالة الدسمة..

رجع خالد لأفضل الأماكن السيئة وهو المجلس الوطني.. حيث لا تتوفر فيه إضاءة ولا أجهزة للصوت ولا خشبة مسرح ولا كراسي للجمهور ولا ولا.. وهذا الطلب ليس بغريب على الإطلاق، فعندما استضافت مملكة البحرين المهرجان في دورته السابقة، طلب الوفد الإماراتي توفير صالة مختلفة عن الصالة الثقافية، وعندها وفرت اللجنة المنظمة للمهرجان صالة وزارة التربية، وحولتها إلى صالة عرض مسرحية بتوفيرها لكافة مستلزمات العرض من خشبة، وكراسي مدرجة، وإضاءة، وصوت.. إلخ.. وكذلك الأمر في الدورة التي استضافتها قطر الشقيقة، عندما طلب الفنان نفسه توفير فضاء مختلف عن العلبة الإيطالية لعرض مسرحيته "إيفا"، قامت اللجنة المنظمة آنذاك بتوفير صالة رياضية وإعدادها الإعداد الكامل لكل ما يتطلبه العرض.. ولكن في هذه الدورة ارتأت اللجنة أن يتحمل خالد كل ذلك، ويوفرها بنفسه.. وهذا الطلب هو غريب بذاته، ففي نهاية المطاف الوفد البحريني هو ضيف وما هكذا يعامل الضيف، ولا هكذا تؤكل الكتف..

في نهاية فبراير جاء الرد بالموافقة على أن يكون المجلس الوطني فضاء لعرض مسرحية "المحمل" محمّلين الرويعي مهمة تحويل هذه القاعة إلى صالة عرض مسرحي من الألف إلى الياء..

إلى هنا والسؤال الذي يبرز للسطح، هل كان يجب على الفنان خالد الرويعي أن يصر على اللجنة المنظمة توفير صالة مناسبة للعرض حسب ما يشتهيه، وعند عدم توفيرها يعلن انسحابه من المهرجان، وبالتالي يتوقف المهرجان على حسب ما جاء في النظام الأساسي لمهرجان الفرق المسرحية الأهلية  في دول مجلس التعاون، ما مفاده أنه عندما تنسحب دولة ما أو لا تشارك في المهرجان يتأجل المهرجان إلى أن يكتمل نصاب دول الخليج قاطبة؟!.. هل كان هذا الفعل سيرضي اللجنة المنظمة وسيرضي الأمين العام وبالتالي سيرضي اتحاد المسرحيين؟!.. مع إن فكرة الانسحاب هي حق من حقوق خالد وهي الطريقة التي تلوي ذراع اللجنة المنظمة، ولكنه مع ذلك لم يفكر مجرد التفكير أن يلّوح بها كورقة تهديد أو لي ذراع.. تساير مع الصعاب لأن في نهاية المطاف كان الهدف أن يصل "المحمل" إلى ميناءه سالماً..

وعليه شدّ فريق من الوفد رحاله مبكراً إلى الكويت، سابقاً البقية بثلاثة أيام فوراءهم مهمة غريبة أول مرة تحدث في كل مهرجانات الخليج المسرحية، وهي تحويل صالة لا تمت إلى المسرح بصلة إلى صالة مسرحية كاملة.. وعند وصول الوفد إلى مطار الكويت تجري العادة أن يتم استقبالها في المطار من قبل مرافق مندوب من اللجنة المنظمة، وهكذا أمر المهرجانات في العالم أكملها، لكن وفد "المحمل" يصدم بأن هناك آسيوي في انتظارهم، وتكتشف أن هذا الآسيوي لا ناقة له ولا جمل، ولا علاقة له بالمهرجان ولا هم يحزنون، وأنه ليس سوى عامل في الفندق.. والصدمة الأكبر أن هذا العامل الآسيوي وفّر سيارة واحدة لا تكفِ لفريق العمل بأكمله ليضطر الفريق استخدام تاكسي ليوصل البقية إلى الفندق..

ولأن الفريق لم يكن في رحلة استجمام أو راحة أو في سفرة سياحية، فعند وصوله إلى الفندق تم الاتصال بـاللجنة المنظمة لكي تتم زيارة المجلس ومعاينته من قبل الفريق والبدء بالتخطيط لمهمة تحويله، إلا أنه تم رفض طلب الفريق متعذرين بأن يوم وصول الفريق يصادف السبت، وهو إجازة رسمية.. في حين وُعد الفريق أن يتم ذلك عند الساعة الثانية ظهراً من اليوم الثاني بعد عقد المؤتمر الصحفي للمهرجان..

الجدير بالذكر أن شحن ديكور المسرحية تم عبر البر، وذلك لأن شحنه عبر الطيران سيكلف مبالغ كثيرة، في الوقت الذي كانت فيه ميزانية العمل في طريقها إلى الصفر.. ولذلك تم إعلام اللجنة المنظمة قبل أسبوع وأكثر بأن الديكور سيتم شحنه براً والعملية ليست بحاجة إلى اختراع قنبلة نووية، بل ببساطة هي بحاجة إلى إرسال تصريح عبر الفاكس إلى الحدود الكويتية بذلك.. المشكلة أن الشاحنة التي تحمل الديكور وصلت إلى الحدود الكويتية، ومرّ يوم كامل دون أن يصل التصريح إلى الحدود الكويتية، مرّ يوم ثانٍ والشاحنة مكانها، والتصريح لم يأتِ، قبعت الشاحنة يومها الثالث، واشتط سائقها غضبا منذراً بأنه سيعود إلى مملكة البحرين إذا لم يصل التصريح، وفي نهاية اليوم الثالث وصل التصريح بالسلامة.. تصريح بسيط عبارة عن ورقة A4 يتم إرسالها بواسطة الفاكس احتاجت إلى ثلاثة أيام لتتمكن اللجنة المنظمة للمهرجان من توصيلها إلى الحدود الكويتية التي تبعد في أقصى الحالات مسافة ساعة زمن..

في هذه الأيام الثلاث لم يكن فريق العمل يشحذ طاقته في تفجير أفكاره التي تصب لمصلحة العمل، ولكنه كان مشغولا في أمور أخرى هي ليست من مهماته أصلا.. وصل الفريق إلى صالة أشبه بصحراء جرداء، وأبسط ما هو بحاجة إليه هو خشبة مسرحية بسيطة، ولأن اللجنة المنظمة سحبت يدها كليا من العمل، فانشغل الفريق بها، ولكن من أين يتم توفير ذلك؟!.. من أين لفريق بحريني متواجد في الكويت أن يوفر خشبة مسرحية؟!.. لو كان في دولته لتمكن من ذلك بكل بساطة، والأدهى أن اللجنة المنظمة لا توّد حتى أن تقترح مجرد اقتراح بعض الأماكن في الكويت التي يمكنها أن توفر مثل هذه الخشبة.. وبإصرار الفريق أن يصل "محملهم" إلى ميناءه سالما، ولوجود مدير الإنتاج إسحاق عبدالله وحسب معرفته البسيطة ببعض الفنانين الكويتيين من هنا وهناك تمكن من توفير هذه الخشبة بمبلغ نقدي تحمله الوفد..

ما جاء ذكره على الخشبة يطبق كليا في مسألة توفير الإضاءة للعرض.. تمكن إسحاق عبدالله عبر أصدقاءه في الكويت من توفيرها مقابل مبالغ نقدية دفعها الوفد من ميزانيته.. وكذلك أيضا مسألة توفير البروجكترات التي تم تركيبها قبل العرض بليلة واحدة فقط، لأن ميزانية العمل نفذت كلياً وليس باستطاعة الوفد تأجيرها أكثر من ذلك..

ولأن الميزانية المحددة للعرض نفدت بالكامل، ومازال هناك بعض الأمور التي يجب توفيرها، تحمل الرويعي ذلك ودفع من جيبه الخاص ما لا يقل عن 800 دينار، وكذلك فعل إسحاق عبدالله، ليتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه، على أن يقوم قطاع الثقافة والتراث الوطني إرجاع هذه المبالغ، وذلك عبر وعد شفهي من القطاع قطعه عبر الهاتف الجوال..

ومن الصدف أن تكون اللجنة قد وعدت بتوفير أجهزة الصوت للعرض.. وبعد انتظار طويل لهذه الأجهزة ولمهندس الصوت حتى كاد الفريق أن يستغني عن الصوت بجهاز استيريو منزلي، جاء مهندس الصوت الذي تم إخباره قبل ساعة فقط، أن هناك وفد بحريني بحاجة إلى أجهزة الصوت.. وقد أبدى استغرابه التام من الوفد الذي قام باستئجار كل هذه الأشياء في حين أنها متوفرة ومكوّدة في المخزن حسب قوله..

ومن سوء الطالع، أن يكون جهاز التحكم بالإضاءة الذي حمله الوفد إلى الكويت عبر شاحنة نقل الديكور قد عطب بعد هطول المطر عليه في الطريق.. وتمكن كعادته إسحاق عبدالله من توفير هذا الجهاز وطبعا بمقابل مبلغ نقدي.. ولكن كي يتم تشغيله الفريق بحاجة إلى فني كهربائي ليتم توصيله بالكهرباء الرئيسية بالصالة.. وقد وفرت اللجنة المنظمة مشكورة جداً ويا ليتها لم تفعل هذا الفني الكهربائي، الذي قام بتوصيلات كهربائية خاطئة فيدمر الجهاز ويحرقه..

على الرغم من كل ما سبق، تمكن الوفد البحريني من تقديم مسرحيتهم "المحمّل".. رغم كل الصعوبات التي أذكرها وما خفي أعظم.. حتى في الندوة التطبيقية للعرض البحريني، توقع البعض أن المخرج البحريني خالد الرويعي سيشن هجوما حاداً على اللجنة المنظمة، لكنه لم يفعل.. لم يأتِ بذكر كل السلبيات والعراقيل والمعاملة الجافة التي قوبل بها الوفد البحريني.. لم يذكرها ليس لأنها لم تكن، لكنه فنان حقيقي يعي جيداً أن البكاء على اللبن المسكوب ليس من شيمه..

على الرغم من كل ما سبق أيضا، وعلى الرغم من سكوت الرويعي، يظهر الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدر الرفاعي ليحمل الرويعي مسؤولية مكان العرض، ومبينا أن اللجنة المنظمة وفرت له ما يحتاج وأكثر!!.. والأغرب من كل ذلك، أن يصدر اتحاد المسرحيين بيانا يتهم فيه الرويعي بموتر العلاقات البحرينية الكويتية، ومعتبرا ما قاله في رده على الرفاعي غير لائق ويمس تقاليد الحب والاحترام بين الدولتين..

 

على هامش (الأفات)

في السياق ذاته.. الكاتبة الكويتية هديل الفهد تعرّي سوء التنظيم والانتقادات وعدم الاحترام في الدورة العاشرة في مقالتها بصحيفة "السياسية" الكويتية والمعنونة بـ "مهرجان الخليج المسرحي.. "فشلة" ونوم في العسل".. للمتابعة ادعس برفق هنا..

(0) تعليقات

:: نصف كوب قهوة

 

اسحبُ سبّابتي من الجهاز الماسح للبصمة المعلّق على يمين الباب الرئيس لصحيفة الوطن، بعدما يجيبني صوت امرأةٍ، أتخيلها دوماً داكنة السمرة ذات شَعرٍ كثيف أجعد ونظارة طبية سميكة تتدلى على طرف أنفها، شبيهةٌ إلى حدٍ ما بـ "غلوريا فوستر" العرافة في ثلاثية فيلم "الماتريكس".. وفي كلّ مرةٍ تلامس فيها أنملة سبابتي طرف الجهاز تحدّق في سحنتي برهة بعينٍ جامدةٍ تقفز فوق إطار نظارتها العلوي، تتحسس أصبعي بسحر ضوئها وتقول:

"مسموح لك بالمرور"

حينها يظهر على شاشة الجهاز الالكترونية الخضراء رقم 811206637، هذا اسمي أو هكذا تعرفني الأجهزة الحكومية، فأنا بالنسبة لهم مجرد رقم.. وحينها أيضاً، لا أملك من الوقت إلا ثوانٍ معدودة، أدفع فيها الباب دفعة تخوّلني الدخول إلى مبنى الصحيفة، وإلا سأكون حبيسا خارج الصحيفة، أنتظر إصبعاً آخر تمسحه المرأة من جديد، وتحدّق في سحنته وتسمح له بالمرور..

هكذا نحن.. لا نملك من فعل الدخول أو الخروج إلا نصفهما أو أقل بقليل.. لا يسمح لنا بالعبور إلاّ بإذن امرأةٍ لا نملكُ إلاّ تخيلها.. "مسموح لك بالمرور" أو "حاول مرة أخرى" هي الجملتان اليتيمتان التي تسلب بهما هذه المرأة النصف الآخر من فعل دخولنا أو خروجنا من مبنى الصحيفة..

في الحقيقة.. تكتشف أنك بالفعل لا تملك من الأشياء سوى نصفها، أما النصفُ الآخر منها فيملكهُ شخصٌ آخر، ربما تعرفهُ حقَّ المعرفة، وقد لا تعرفهُ على الإطلاق، وربما تعرفهُ من خلال تسميات وكُنى مثل "هُم" أو "السياسة العامة" وفي الأغلب "مَنْ فوق" وغيرها من التسميات التي ترسم هالة سديمية/ ضبابية حول هذه الشخصيات أكثر من أن تحاول كشفها أو فضحها.. وبعيداً عن ماهية التسمية الحقيقية، وأبعد من كونك ملم أو مدرك لهذه الشخصيات من عدمه، فإنها –بشكل أو بآخر- تشاطرك نصف الأشياء التي لا تملك إلاّ نصفها، شئت أم أبيت، سخطت أم رضيت..

تبدأ فكرة الملكية النصفية المحتومة للأشياء تراودني كلّما أنهيت اختبار الباب الرئيس للصحيفة.. فعادتي أن أخطُّ الخطى ملقياً بالسلام على من أصادفه في دربي إلى حيث نصنع كوباً من الشاي أو القهوة.. ولا شيء يهوّن مصيبة يوم وظيفي كادح كان أم سلس، سوى كوب من القهوة.. المشْكل هنا يكمن حينما أصادف الزميل الصديق الصحفي مهنّد أبوزيتون وأنا أحمل كوب القهوة، فهو دائماً ما يسلبني الكوب وفي أحسن حالاته المزاجية يقاسمني نصفه.. هل يجب أن أمتعض لأنه سلبني كوباً تعود ملكيته لي، أم في واقع الأمر أنني لا أملك من ملكية هذا الكوب سوى نصفه أو أقل قليلا؟!..

منطقياً.. إذا كان مسحوق البن الذي استخدمه لصنع القهوة تعود ملكيته للصحيفة، وفي بادرة طيبة منها فقد وفرت أيضا مبيض القهوة وقليل من السكر بالإضافة إلى الشاي والأكواب، فإن هذا المخلوط العجيب الذي اتكأ عليه دوماً لترطيب جفاف مزاجي اليومي لا أملكه بالكامل، بل يقاسمني إيّاه جميع موظفو صحيفة الوطن.. وبالمعادلة التالية:

حسين + مهند = 2 من (موظفي الوطن)

وبما أن كوب القهوة = موظفي الوطن

إذا حسين + مهند = 2 من (كوب القهوة)

وبقسمة طرفي المعادلة على 2 تكون كالآتي: (حسين + مهند) /2 = كوب القهوة

وبالتالي نستنتج الآتي: حسين + مهند يتقاسمون كوب قهوة واحد..

ولكن السؤال الذي يتبادر للذهن، هل صنع كوب القهوة بنفسي يعطيني أحقية الانفراد بملكية هذا الكوب؟!، على اعتبار أن الملكية هنا تأتي بما يوازي "سلطة مباشرة يثبتها القانون لشخص معين، على شيء مادي معين بذاته تخوله استعماله واستغلاله والتصرف فيه"..

من منظور رأسمالي الذي يرتكز نظامه على الملكية الخاصة، فإنه يقر إقراراً لا شك فيه بأن ملكية كوب القهوة سالف الذكر تعود لي، ولا أحقية على الإطلاق لتدخل مهند في هذا الكوب، بل إن هذا النظام يوسوس ويبلبل في أذني أن أهيمن على أدوات إنتاج القهوة في صحيفة الوطن، وأقوم ببيع كوب القهوة على غرار "كوستا كوفي" بما لا يقل عن دينار بحريني واحد.. وبما أن المنافسة والمزاحمة في الأسواق تعتبر إحدى ركائز أسس هذا النظام، فعليه سيقوم مهند أبو زيتون بصنع القهوة أيضاً وبيعها بنصف السعر متخذاً بحرية الأسعار وفق متطلبات العرض والطلب، واعتماد قانون السعر المنخفض في سبيل ترويج قهوته وبيعها على حساب قهوتي، وعليه تشتد المطاحنة بيننا إلى أن ينكسر قرني أحدنا، مفترضين سلفاً عدم دخول ثالث في السوق..

الرفاق الاشتراكيون يرون أن كوب القهوة تعود ملكيته لي معتبرين الملكية الفردية مرتكزاً لحرية الفرد، إلا أنهم يقيدون هذا الملكية ويدعون إلى أن تصبح اجتماعية في جوهرها ووظيفتها وتوجهاتها.. وعليه، وفقاً لمصلحة الجماعة ومصلحة اقتصاد الصحيفة فإن الرفاق يرون أن ملكية كوب القهوة تعود إلى الصحيفة حتى ولو قمت بصنعه، نظراً لتملكها وسائل الإنتاج، ووفقاً لمقولة: "ثروة البلد أياً كان صاحبها خاضعة لحق الجماعة".. وعلى نحو آخر، فإنه يمكن للصحيفة أن تستقطع جزءً من رواتب موظفيها في سبيل توفير وسائل إنتاج القهوة بما لا يفوق فنجان قهوة واحد لكل موظف، بغض النظر عن مسماه الوظيفي، على اعتبار أن كل الموظفين ينصهرون في وحدة اجتماعية واحدة وتامة، وألا طبقية في المجتمع التقدمي الاشتراكي..

ومن منظور إسلامي فيرى الإسلام أن الله عز وجل هو مصدر الملكية ومانحها، وبالتالي فإن الإنسان مستأمن على تحقيق الرشد في التعامل مع الملكية واستغلالها وصيانتها، دون أن تصبح الملكية في حد ذاتها وسيلة للإخلال بوضع الآخرين، فالإسلام جاء مقراً للملكية الفردية إلا أنه لم يدع هذا الحق على إطلاقه بلا قيد أو حد، بل يخضعها لواجبات تكبح توغلها في المجتمع، مثل الزكاة والخمس والخراج والمبادرة الفردية والصدقات.. وعليه يتأرجح كوب القهوة بين أن يكون ملكية خاصة لي منحها لي الرب، وبين أن يكون ملكية عامة من باب الصدقة والمبادرة الفردية وحق المجتمع على الفرد..

في باطن أي منظور من المنظورات السابقة هناك ثمة ما يشي بفقداني لنصف الكوب، إن كان هذا الفقد ناتج عن هيمنة السوق أو جاء باسم مصلحة الجماعة أو حتى المبادرة الفردية، فإنني من الواضح أنني لا أملكه بالكامل، وأن هناك دائماً ذريعة لمن يشاركك فيه..

بعيداً عن هذا الكوب الملعون.. أعرف زيداً من الناس كان يظن منذ مولده إلى أن كتب الله أجله، ويخط اسمه بالبنط العريض على شاهد قبره، أنه يملك مسماه، فهو يظن كل الظن وإن كان آثماً أن زيد بن فلان بن فلان ملكه الخاص ولا يشاطره أحد هذا المسمى.. من ناحية أخرى، تكتشف أننا لا نملك من أسمائنا سوى النصف، ويقاسمنها إيّاها من اختاروا لنا تلك الأسماء..  

يكبر زيد ويرتدي زي التخرج الجامعي، ومازال في غارقاً في ظنه أنّه ينفرد بما وصل إليه من توفيق، في حين هناك من يهمس في أذنيه أن هذا التوفيق من رب العالمين ومن ثم من سهر والديه المتواصل وطحنهما المتواصل عليه لكي يثابر ويجتهد..

تعيّن زيد صحفي في إحدى الصحف اليومية، وفي أول يوم وظيفي كان أشبه بطالب متفوق يعد العدة ويرتب أموره لخوض مغمار الصحافة، لاصقاً على شاشة حاسوبه جميع طموحاته وآماله.. جاء الخبر الأول، ثم الثاني، ثم الثالث والرابع نزل في الصفحة الأولى.. وزيد هو زيد يظن أنه عصامي وكل نجاح أو خطوة جديدة إلى مراتب عالية تأتيه بجده واجتهاده ولا يعتمد في ذلك على غيره من عشيرة أو قبيلة أو حتى إرث، لكنه على ما يبدو أنه ينسى قراءة الصحيفة كل صباح، ليكتشف أن كل الأخبار التي حملت اسمه ما كانت لتنشر لو لا تدخل قسم الديسك لتحويرها إلى ما يرضي "من فوق" وما يرضي السياسة التي تتخذها الصحيفة..

يشتري زيد سيارة جديدة.. ولأن في بطاقة ملكية السيارة قد كتب عليها "زيد بن فلان بن فلان".. فالمسكين كان يعتقد أنه يمتلك السيارة.. وفي واقع الأمر لا يدري أن البنك الذي اقترض منه قيمة السيارة يقاسمه ملكية السيارة حتى ينتهي من دفع القرض الذي يستغرق سبع سنوات.. وبعد سبع السنوات من عمر زيد، يشبك زيد أصابع يديه في بعضها البعض ويشدها فوق رأسه ليرخي عضلات كتفيه، ويبيع سيارته التي أهلكتها السنون السبع، ليشتري سيارة أخرى جديدة، يقاسمه البنك نصفها لسبع سنوات جدد..

الزواج سنّة الحياة وإكمال لنصف الدين.. أوه، إذا طول الفترة السابقة وزيد لا يملك كل دينه بل كان يعيش على نصفه لا أكثر.. ولكي يمتلك النصف الثاني لا بد من زواجه.. وتزوج زيد.. لكنه لا يعي أن الزواج الذي يهبه نصف الدين يسلب نصف حياته، فليس حياته ملك له وحده، فهناك امرأة أخرى تشاطره هذه الحياة بحلوها ومرها.. وبعد سنة من الزواج جاء المولود الأول.. وبقدوم هذا المولود يكون زيد خسر ما تبقى له من الحياة ونصف حياة زوجته..

مع المولود الجديد الذي كبر، وصار يعي جيداً سبب اهتزازات سرير والده.. بات لازما على زيد أن يوفر غرفة خاصة لزيد الصغير.. وعليه، فكر زيد أن يشتري قطعة أرض صغيره، يبني عليها عشاً يكفيه وزوجته وابنه.. وهنا أقول له: "عند أمك.. مش بوزك.. ولا حتى تحلم فيها.. قلنا تملك من الأشياء نصفها.. عاد أرض وبيت ولا حتى تشم يحتها"..

مرت السنين وزيد لا يملك إلا أن يحلم بهذا البيت، وبطبيعة الحال فإنه لا يستطيع أن يحلم بالحلم كاملا إلا نصفه، ففي كل مرة يرن المنبه لإيقاظه.. وفي مرة من المرات ظل المنبه يرن ويرن وزيد لم يستيقظ من حلمه..

كانت الناس تحسده أخيراً لأنه يمتلك شيئا الآن بكامله، وليس هناك من يشاطره إيّاه.. فهو يمتلك قبره.. وفي العادة ليس هناك من يود أن يقاسم الآخر في القبر.. ولكن بعد عدة سنوات امتلأت المقبرة بالقبور وصار من المحتوم أن يفتح قبر زيد ليدفن بالقرب منه شخصاً آخر.. حينها فتح زيد عيناه وقال: "ويش هالحاله وياكم حتى القبر تبغون نصه؟!"..

(8) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com