حسين عبدعلي
.

:: تشي.. سيرة صورة (1)

 

اليقينُ الذي يتكأ برأسهِ على كتفِ سؤال الشّك، يكونُ في أضعفِ إيمانهِ مستفزاً وحمَّال أسئلةٍ لا تلبثُ حتى تتمخّض عن أسئلةٍ أخرى، عن فتنةٍ نائمةٍ تنتظرُ دوماَ من يوقظها..

الصورةُ لها فتنتها أيضاً.. لا تختلف في حيثياتها كثيراً عن فتنةِ السؤال، كلاهمامشربية تطلُ على أفق من الإجابات التي لا تتشكل أبداً.. وفي حومة علامات الاستفهام المشرئبة، أكثر الإجابات سديمية في أفقي والمختومةُ بعلامةِ استفهام لا نقطة، هي كيف يمكن أن تسرد سيرة الصورة؟!.. وهي –أي الصورة- تحملُ فيزيائيتها/ كيميائيتها الخاصة، وجغرافيتها التي لا تستباح..

كيف؟

وأنتَ.. لا تشَدُّ رحالك للماءِ لتفسرهُ بعد الجُهد بالماء..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

أيُّ صورةٍ في العالم، فهي في العَوز أحوج ما تحتاجهُ أجزاء من الثانية، هي مقدار فتح مصراعي الكاميرا وإغلاقه بما يسمح للضوء بالنفاذ من ذلك الثقب الضيق ليمر في عتمة الغرفة المظلمة، ويعكس صور الأشياء مقلوبة على الشريط الفيلمي الأسود.. والضوء عندما ينحني تكون له القدرة على محو كل المسافات، وله أن يشل دوران عقارب الساعة.. أشبه بالعنكبوت الذي يبصق سماً فيشل حركة فريسته..

هي أيضا.. لا تختلف عن غيرها كثيرا.. تلك الصورة التي جمّدت حركة الرجل المتمرد المشهور باسم (تشي)، الذي يتجول عادة معتمراً قبعة سوداء مرسوم عليها نجمة، مرتدياً سترة جلدية بسيطة، ذو الشعر الذي بلغ الطول المثالي، والحاجبان الكثيفان، والشارب الخفيف، فيما أطلق لحيته بغير تناسق أو اتساق، ويمتلك عينان عميقتان تشع نظرة لا تملك إلا أن تربك ما تقع عليه.. هذه الأجزاء من الثانية، كانت كفيلة وكافية لكي تصبغ الصورة مع مرور الوقت بشهرة توازي جوكندة دافنشي، وتكثف في شريطها الفيلمي معانٍ مختلفة، تخوّلها البقاء والتطويع والعالمية، ويكون لها أن تكون الصورة الأكثر طباعة في تاريخ الصورة برمته..

 

الصورة التي أصبحت رسماً، وأصبح الرسم تعبيراً عن موقف سياسي، وأصبح الموقف السياسي فناً، ثم أبتلعها السوق ليجعل منها تجارة لبيع مجموعة من المنتجات التي كان الكثير منها بعيداً كل البعد عن أهداف (تشي) نفسه، هذه الصورة مازالت تسحر عالمنا المعاصر، هي قصة عن قوة صورة منفردة..

من أعطاها طبيعة تكاثر الأرانب؟!..

كيف تحوّلت إلى عملة عالمية؟!..

ما قصة نظرة (تشي) التي مع مرور العقود مازالت تلهم وتلهب الشباب/ الفنانين/ المصممين/ والمنشقين عن العالم؟!..

 

كوبياً بحتاً.. هكذا ببساطة: ماذا فعلت يا كوردا؟

الحديث عن قصة الصورة الرمز (تشي) يجرنا للحديث عن قصتين مختلفتين تماماً، تقاطعتا على مر التاريخ.. القصة الأولى شهرزادية الهوى، كان يا ما كائنها امرأة تباعد بين فخذيها.. تستنشق من الهواء ما يسع رئتيها وأكثر.. تكتمه برهة.. ثم تزفره طفلاً أرجنتيني المولد، يضيق الأكسجين بصدره فيثقله الربو.. يدعى (إيرنيستو جيفارا دي لا سيرا)، درس الطب البشري، لكن حياته التي هي عبارة عن توليفة من خيارات جريئة، وعنف، وتحد في وجه نزاعات ساحقة، قادته ذات وقت لترك حياته المميزة ليسافر عبر أمريكا اللاتينية، بحثا عن هدفٍ أسمى..... أما (ألبيرتو كوردا) هو بطل قصتنا الثانية..

 

كوبيا بحتا.. هكذا ببساطةٍ معقدة أو بسهلها الممتنع يمكنك أن تصف (ألبيرتو كوردا) الذي التقط أشهر بورتريه في القرن العشرين.. وفي عهد (فولخينسيو باتيستا) رئيس كوبا 1959-1952 كانت الصورة الرائجة لكوبا هي أنها ملاذ اللهو المتواصل، وحيث يغرس شيطان العربدة قرنيه.. وعليه، لم يبتعد (كوردا) مصور الأزياء المحترف عن احتفالاته الكاريبيه، حيث شراب الرم والسيجار وموسيقى التانغو، وحيث يكتظ أستوديو (كوردا) بالكتاب والمثقفين والرسامين والشعراء وعارضات الأزياء والراقصين والمغنيين والممثلين.. هو بالعادة يختلط بشخصيات بعيدة عن الثورة.. هذا عالم (كوردا).. هذه هافانا..

في غضون ذلك.. وفي أمريكا اللاتينية كان صديقنا (إيرنيستو) يجوب القارة مع رفيقه على متن "الجبارة"، هكذا يصف الدراجة النارية المزعجة بضجيجها في يومياته، التي امتطاها وصاحبه في رحلة الـ 4500 كيلومتر، كانت بالنسبة له عين الإبرة التي ولج منها إلى فضاء القارة المنهوبة، لتحيك بخيوط السلاح قصة أسطورة..

 

كتب ذات مرة: "التجول في أنحاء أمريكا غيّرني أكثر مما توقعت".. ويقول صاحبه في الرحلة: "بدأت الرحلة تؤثر في إيرنيستو حين رأى الثورة التي حدثت في بوليفيا، وبسبب الطريقة التي كنا نسافر بها كنّا على اتصال مع أحط الطبقات الاجتماعية في الدولة وهم الأكثر فقراً"..

الفقر الذي لو كان رجلا لنحره الإمام علي (ع) في ذات حديث، شاهده (إيرنيستو) متفشياً خلال رحلة الدراجة النارية.. الكثير من أعمق قناعاته الثورية جاءت وليدة السخط على الظلم الاجتماعي.. تحفّزّت معتقداته السياسية، فقرر رفض الأنظمة الاجتماعية التي خَلَقَت مثل هذا الظلم..

كتب في مذكراته التي كان يحتفظ بها في دراجته الخاصة بالرحلات: "لقد كنت ممتلئا بروح التعاون والتكافل"..

من (غواتيمالا) جاء يسعى على أملٍ أن يصبح طبيباً ثائراً.. من سيعالج الفقراء والمهمشين وأمراض الشعب التي يسببها الظلم السياسي؟ سؤالٌ لا تأتي إجابته سوى بالمسير نحو مصدره، باتجاه قلب الأنظمة السياسية التي تسبب الظلم الاجتماعي، تلك التي تسبب سرطان الفقر والبؤس المزمن.. ما كان الوقت يشي بزمن التسوية، خصوصا وأن (غواتيمالا) قدمت أفضل برهان لفشل ذلك.. وما كان من شيء سوى السلاح الذي يتكأ على أكتاف القرويين أثناء ثورتهم الزراعية لتحقيق مستقبل اشتراكي.. قاده طريقه في نهاية المطاف إلى المكسيك وإلى رجل دخل التاريخ من خلاله، رجل كان يبحث عنه أو العكس تماما، رجل هو كل ما تحتاجه لبدء ثورة ناجحة في أمريكا اللاتينية..

ساعات قليلة فقط، وتعهد (إيرنيستو) بالانضمام إلى (كاسترو) لإطلاق ثورة شعبية في كوبا.. 18 شهرا أخرى فقط -وبالتحديد في عام 1956- كانت كفيلة لحشد 82 رجلا متطوعا على متن (غرانما) القارب الصغير الذي بالكاد يمكنه حمل 20 شخصا.. تلثموا بستار الليل، وأبحروا في المياه المعتمة باتجاه كوبا لمحاربة جيش مدرب.. هنا كانت بداية صنع التاريخ.. وهنا كان الأصل المبكر لأسطورة (تشي) الشاعر المثقف الذي استبدل القلم بالبندقية وعينه (فيدل) رفيقاً..

 

قبعة «فيديل» أم مشرط الطبيب!

في الجبال الكوبية الكثيفة لـ (سيرا ماسترا) استجمع المتمردون قواهم وحلموا بكوبا الجديدة، قادت الشهور أعواماً من النضال ضد قوات أكبر عدداً وأفضل تجهيزاً.. انضم إلى المحاربين وعرف بالدكتور (إيرنيستو) لكنه برز كـ (تشي) الثوري.. في النهاية كان عليه أن يقرر إن كان سيمسك بأدواته الطبية أم بصندوق الرصاص، وأختار الرصاص.. لم يكتشف (تشي) أنه قادر على الصمود تحت وابل الرصاص فحسب بل أنه لا يخاف أيضا.. وأنه كان مستعدا للتضحية بنفسه وبأنه لم يكن يخاف الموت.. هذه قوة ساعدته على أن يكون محاربا مميزاً بين المحاربين..

الإعلان التليفزيوني الذي أعلن انتصار الثورة كان كالآتي:

"من حصنه في جبال (سيرا ماسترا) البرية، ظهر الكوبي (فيدل كاسترو) منتصرا، بعد عامين من حرب العصابات ضد نظام (باتيستا).. الآن وبعد فرار (باتيستا) ظهر زعيم جديد، إنه (فيدل كاسترو) من عدة نواح لديه الكثير من الخطط والسياسات لكن من المؤكد أن يكون مسيطراً على الحقبة الجديدة لكوبا التي بدأت للتو"..

(تشي) هو الاسم الذي أطلقه الكوبيون على (إيرنيستو)، تحول بعد الثورة الكوبية إلى شخصية عالمية، إثر استلامه لمنصب أول محقق أعلى والمدعي العام في سجن (لاكابانا) لمجرمي الحرب، وأصبح وزير الصناعة ومديرا للبنك المركزي في الوقت الذي لم يتجاوز الـ 28 من العمر..

 

رحلة مصور الأزياء المحترف

في زمن الحروب، يكون للكاميرا طبيعة البندقية.. رصاصها الضوء، والصوت التي تطلقه أثناء التقاط الصور المتتالية يكون شبيها برشاش الكلاشينكوف.. ووقتها كان (فيدل) يعي جيداً دور الضوء في لعبة الحرب، فأحاط نفسه بالمصورين، ليقوموا بتوثيق الثورة وحضوره، ولإعطاء مادة دعائية لكل ما يذهب إليه.. كما توجه لغلق وكالات الإعلان في كوبا ليتجه المصورون للانشغال والاشتغال بإغراق الصحافة بصور الثورة..

مجلة (لايف) عام 1959 كانت تعرض صور مختلفة للثورة، ولأن الثورة مرتبطة بالموت والفوضى، كانت لعبة ذكية أن تعرض في أحد أعدادها صورة الشخص الذي يفترض أنه المسئول عن الثورة يقف أمام النصب التذكاري لـ (لينكولن) وهو لا يرتدي قبعته..

 

لم يجد (كوردا) نفسه على أرصفة الطريق في عام 1960 عندما تم إغلاق وكالات الإعلان.. فهو في الوقت الذي لم يعمل في الصحيفة بشكل مباشر، إلا أنه كان يتجول بين ثنايا الثورة، حاملا آلة تصويره الكبيرة (35 ملم) بندقية على كتفه، يصوّبها ويطلق، ثم يأخذ الأعمال التي تعجبه إلى الصحيفة، وبالتالي تختار الصحيفة ما ترغب في نشره..

 

سـألـه تشي: هـــل قطعــت قصــب السـكــر؟

 

فتاة صغيرة.. تستند على جدار شبه متهالك.. شعرها القصير الذي يخفي عينها اليمنى لم يستطع إطلاقا أن يخفي كمية الحزن الرهيب الذي تختزنه عينها اليسرى.. بهذا الحزن كانت تنظر إليه وهي تحضن بيديها قطعة خشبية بالية على أنها دميتها.. كانت هذه لانينا (la nina) أول صورة انتقالية لعمل (آلبيرتو كوردا) من مصور أزياء ومصور إعلانات تجارية إلى تكريس حياته للثورة..

بسبب لانينا ترك (كوردا) عالم الصور التجارية وأجساد عارضات الأزياء المثالية، ليحزم حقيبته وراء (فيدل)، لكنه لم يكن مصوره الرسمي.. وبما أن (تشي) الذراع اليمنى لـ (فيدل) فلقد عزم (كوردا) أن يلتقط صورة لـ (تشي).. في الوقت الذي لم يكن الأخير من النوع الذي يسارع لتعديل ياقة قميصه كلّما شم رائحة عدسات التصوير، بل على العكس تماماً، لم يكن يحب أن يتم التقاط صوراً له.. كان مصدر إزعاج لكل المصورين الذي يأخذ كاميراتهم ويقول: "دعني أرى ماذا لديك هنا" ويقوم بالتقاط الصور.. وهو الذي يملك آلة تصويره الخاصة التي لا تفارقه، والتي كانت مصدر رزقه في المكسيك، ولهذا فقط تعرف أنه لا يحب أن يلتقط أحدهم صورة له..

هل هناك ثمة مصور يحب أن يتم التقاط صورة له؟!!..

لم يثنِ إزعاج (تشي) للمصورين (كوردا).. بل توجه له وقال: "يا رفيق، لقد جئنا هنا لمقابلتك"، فسأله (تشي) إن قام بتقطيع قصب السكر سابقاً ومن أين هو.. فقال له (كوردا) بكل فخر أنه من (هافانا) لكنه لم يقم بتقطيع قصب السكر بتاتاً.. فوضع (تشي) منجلا بيده وقال: "بعد أن تنتهي من تقطيع القصب لمدة أسبوع، يمكنك أن تلتقط صورة لي"..

مرّ أسبوع كامل و(ألبيرتو) منهمك بتقطيع القصب في الحقل إلى أن حصل على الموافقة لتصوير (تشي)..

انتصب (تشي) أمام عدسة (كوردا).. ضغط برفق على قبعته السوداء المرسوم عليها نجمة لكي يعدّل من وضعها.. ولم يكن بحاجة لثمة جهد لكي تشع عيناه عمق النظرة.. تشك.. تشك.. تشك.. أطلقت الكاميرا رصاصها.. انتهينا..

هروّل (كوردا) نحو الأستوديو.. ذهب إلى غرفة تحميض الأفلام.. دقائق وتبرز الصورة على الورق أشبه بالكتابة بالحبر السري.. شيئاً فشيئا تبرز صورة (تشي).. لكنها لم تكن الصورة الرمز، لم تكن الصورة المنفردة بقوتها ولا الأكثر طباعة على مر التاريخ..

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 25 سبتمبر, 2009 01:31 م , من قبل anoor73
من المملكة العربية السعودية

حسين ...
أتابعك، جميلة المقالات التي تبحث في أصل الصورة، فلسفتها، حكاياتها التي تتوارى خلف خطوطها ...
مقالك رائع بكم المعلومة التي يقدمها ..
دمت 


اضيف في 25 سبتمبر, 2009 09:38 م , من قبل e7sasy24
من البحرين

الجميل عباس
الأروع تواجدك شقيقي وضوء مرورك الذي يبهي هذه الصفحة..
في زمن المعلومة وتسارع تدفقها بشراسة، لاشك الصورة تلعب فيه دور أساسي.. ودور مهم بكل ما تعني مفردة مهم من أهمية.. المشكل يا صديقي هو أننا وللأسف الشديد مازلنا أميين في قراءة الصورة.. في سبر أغوارها، فلسفتها.. الآخرون يفعلون كما يفعلون في كل الأمور الأخرى، ينطلقون أشبه بسوبرمان نحو أفق جديدة، أفق أوسع، أفق لا تحده أرض ولا تغطيه سماء.. بينما نحن نبقى دائما في الذيل وما وراءه..

أكرر شكري لتواجدك..
ملاحظة: وصلتني اسألتك.. وها هي تشاكسني.. سأبعث باسألتي لا أجوبتي إليك في أقرب فرصة..

دمت في حفظه
حسين عبدعلي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


Copy right @ e7sasy24 – hakhak90@hotmail.com