الجلب لو عنده عقــــلْ ما عــض ابن مرهــونْ مرهـــونْ يا قولُ وفعلْ.. حق الوعظ مـــرهونْ اتهــون كل يـــد ورجــــلْ ولعضتك اتهـــــــونْ تفـــداكْ يا وقفــــة أســــد ما عمـــــره اتنافض أنياب ياتـــــه تنهشــه عن ركضـته ما فــــــض انعــــض لكنــــه شــــهم عن وقفته حــــــــافظ هالشارع باسمك ينكتب.. إحسين مر من هون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * إهداء إلى ساق الشقيق الصحفي حسين بن مرهون إثر تعرضه لنهشة غدارة من كلب أخرق ويقال أنه مدسوس أثناء ممارسته الرياضة.. والذي يصفها زميله الشقيق حسام بن توفيق بأنها مؤامرة تهدف إلى ضرب قلب الصحافة الثقافية.. 
أشعر برغبة جامحة أن أكتب لا شيء.. ورقة بيضاء/ وزفير رئتي.. هكذا فقط، لا أقل وأكثر قليلاً.. بيضاء تماماً.. كملاءة مريضٍ بالسرطانِ يكتبُ مذكرات يومهِ الأخير، ويدخن سيجارته الأخيرة.. بيضاء كَيَدِ موسى حين أخرجها من غير سوء.. كقلبِ أمي، وجبين أمي، و"مشمر" صلاتها حين تتوسل الله أنْ إهدنا صراطك المستقيم.. كلحية جدي مغسولة بملح البحر، تنتظرهُ جدتي وهي تدهن شيب ضفيرتها بالزيتون.. بيضاء كقفازاتِ عروسٍ تعصرُ بياض كفن زوجها الذي لم يعد حتى الآن من المعركة، أو ككذبة قال عنها بعضهم أنها بيضاء في يومٍ ما: إنه سيعودُ في اليوم الـ ما ذاته.. بيضاء كضميرٍ حي.. أو كحمامة صعبة التآلف.. أو كرغوة الصابون.. أشعرُ.. لأني تعبت من الشعور.. ولكي لا أندم غداً..
تصبحين على خير *** قالت: لكأن الليل كان أقصرَ؟!، أو هكذا شُبّه لي.. أو هكذا قيل حتى.. أو هكذا المفروض يا سيدي.. *** هي نسبية الأشياء يا سيدتي، هي نسبية الأشياء.. تصبحين على خير.. *** ..... ما بالك كلّما خرجنا.. تموت؟! *** الرجال حيواناتٌ منوية، كلما خرجت تموت.. والموت حق.. وسؤال منكر ونكير حق.. والنوم حق.. تصبحين على خير.. *** سروالك الذي لا ترتديه بالعادة، يطبعُ خيوطه بَكَرةً بَكَرةً على فخذي العاري كل صباح.. ***** سأبتاع سروالاً جديداً في المرة القادمة.. تصبحين على خير.. *** ...... ......... ...... الليلةُ عيد ميلادي *** كل عام وأنتي بخير تصبحين على خير.. *** لم ترد.. لكنها استيقظت من النوم قبلي، كي تغسل وسادتها، وتصنع لي كوباً من القهوة.. 
في السادس عشر من ديسمبر.. هناك حيث مولدي مزيجٌ من العويل والفرح.. الألعاب النارية التي كانت تزين السماء في جزء من الجزيرة، كان جزءها الآخر محفوف بالسواد.. أهزوجة "العرضة" في الطرف الآخر كان يحل محلّها صوت رادود القرية وبكاء أمي.. هذا مولدي.. وهذا الماء أسرد صورته.. صورة الماء أسرفُ في هذياني، فأسرد سيرة الماء علّه يطبطب على حمّاي.. أتذكر قارئة فنجاني في حومة الحمى، يوم وقفتُ أمامها عبوسا صامتا حتى جف فنجاني المقلوب، كان شفافاً لا رسم فيه سوى الماء.. فقالت باستغرابٍ فاضح: "مجهولك يا هذا.... " وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى وقالت: "مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم".. وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى، دعست سبابتها فيه لتدير قعره برفق، وقالت: "مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعينٌ مفقوءة تتربص بك.. وأفعى سامةٌ مبتورة الذنب تحاول لدغك، لكنك... " وسكتت.. لكنني لم أسأل.. وضعت الفنجان جانبا وحدقت في عيني وقالت: "مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعذرني يا ولدي.. لا أستطيع قراءة فنجانك.. فأنا لا أفقه لغة الماء".. لم أدفع كلفة فنجاني.. مضيت كما كنت، عبوسا صامتا، ولم أسأل.. شفافٌ كالماء.. ************* "تستندُ على ذاكرةٍ مثقوبة، لكنّك لا تنسى يوم مولدكَ أيها القابض على المسافات.. وقتذاك، لم تستطع أمك أن تمارس غوايتها.. لم تستطع أن تستدرج فتى الكف الذي لم يبلغ الحلم بعد ليُدخل الكف سراً من الباب الخلفي، والذي كان في موكب العشرين من صفر المتوقف أمام عتبة داركم لقراءة زيارة الإمام الحسين (ع) عند الوطأة.. "أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمّات ثيابها.. وأشهد أنك من دعائم الدّين وأركان المؤمنين.. وأشهد أنّك الإمام البّرُ التقي، الرّضي، الزَّكي، الهادي، المهدي.. وأشهد أن الأئمة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى والعروة الوثقى والحجة على أهل الدنيا.. وأُشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أني بكم مؤمنٌ وبايابكم موقنٌ بشرائع ديني وخواتيم عملي، وقلبي لقلبكم سلمٌ وأمري لأمركم متَّبع.. صلــ... " زيارة وارث لم يكن الصوت شجيا.. لكن أمك تدوس على آهاتِ "الطلق" لتكرر ما يردها من مكبرات الصوت.. تنجح في إتمام جملة، وتعجز عن أخرى.. بينما جارتك العجوز تتخبط بيمينها لتمسح العرق عن جبين أمك بقطعة قماش بالية.. وأنت.. يضيق بك الفضاء وينقبض.. يضيق وينقبض.. يطردك إلى فضاء آخر لا تعرفه.. فتنزلق إلى يد السيدة.. عجوز الحي التي تهتم بكل حالات الولادة.. كل عويل العشرين من صفر زغردات مخاضك.. كل البكاء كان بوح طلتك الأولى.. كل اللطم تصفيق نفاسك.. كل الهواء كان في مشيمتك.. المشموم الذي تلقيه النساء على الفرس الأبيض المدبوغ بالأحمر تشبها بذي الجناح كان لك.. لكنهم نفضوا سيرتك كما نفضت السيدة الماء عن يدها بعدما لفتك في قماش أبيض، وأودعتك حضن أمك، وقالت: "سموه حسينا".. حتى أبوك ما بورك له.. ركض أخوك ليخبره بمجيئك وسط الموكب، ليقلّبك في يديه أشبه بدميةٍ ذات لحم ودم.. ثم أودعك حضن أمك، وقال: "سموه حسينا".. عطيشٌ اسمك.. جافٌ مولدك.. فالتٌ من بين أصابع الماء، يسرد سيرة الجٍّب.. لم يكن المكان يتسع لك.. وما الحديث غير افتراء.. كذبٌ أشبه بدم قميص يوسف، لكنك كنت عارٍ.. لو همت في ماءك لنمت عجينا من طين.. علقةٌ وطين مخاض".. كل شمسٍ تشدُّ رحالها في ليلٍ ليست فيه.. لقبرٍ لا تبلغه.. كانت تسرد سيرتي.. تقرض جزع وحدتها بعنان ذاكرتي، وتقول: "أرأيت؟!.. لست وحدك في كل هذا الليل.. ولا تملك فيه ثمة خليل" 
"Burn After Readig؟! فيلم بايخ.. وما أنصح أي واحد يشوفه.. وما يستحق دينارين ونص تخسر عليه".. أحدهم قال لي قبل مشاهدتي الفيلم هكذا ببساطة يعلق أحدهم على فيلم "إحرق بعد القراءة Burn After Reading" للأخوين الرائعين جويل وإيثان كوين صاحبي الفيلم المثير "لا بلد للمسنين No Country for Old Men"، الذي نال ثلاث جوائز أوسكار في العام الماضي.. وفي ردّي قبيل مشاهدة الفيلم على هذا التعليق قلت: "كل هذا الوصف بـ (البياخة) وعدم استحقاقه للدينارين والنصف هو دافع ولا أروع بالنسبة لي لمشاهدة الفيلم".. ولا يأتي إصراري لمشاهدة الفيلم تعنتاً ولا غروراً، ولا تسقيطاً لما ذهب إليه صاحب التعليق في تعليقه على الفيلم، فأنا موقنٌ تمام التيقن أن له حرية التعبير عن رأيه كما أن اختلاف الذائقة حق مشروع لكل شخص، وما يُعجب زيد قد يثير غثيان عمر.. وإنما إصراري كان وليد الكثير من الأمور التي تشفع للفيلم وتدفع لمشاهدته بغض النظر إن أخفق أو نجح القائمين عليه، واستند منها على أمرين: أولهما تصدي الأخوين كوين لكتابته وإخراجه.. وثانيها كون الفيلم يضم كوكبة رائعة من النجوم مثل: الممثل القدير جون مالكوفيتش، جورج كلوني الحاصل على أوسكار أحسن ممثل مساعد عن دوره في فيلم "سيريانا" سنة 2006، براد بيت، الممثلة فرانسيس ماكدورميند زوجة أحد الأخوين والحائزة على أوسكار أفضل ممثلة عن "فارجو"، إلى جانب الاسكتلندية تيلدا سوينتون والتي نالت جائزة أفضل ممثلة مساعدة العام الماضي عن دورها مع جورج كلوني في فيلم "مايكل كلينتون". ببساطة وعلى نحو ساذج يمكننا أن نعتبر الفيلم يقوم على فكرة بسيطة وهي وصول اسطوانة رقمية بالصدفة إلى براد بيت (تشاد) الشاب المغمور من جيل الآي بود والذي يعمل في نادي صحي مع ماكدورميند (ليندا) المهووسة بعمليات التجميل والتي تراها بوابة العبور إلى قلب رجلٍ ما تنتقيه من إحدى مواقع التعارف بالشبكة العنكبوتية، ليكتشفا أن الاسطوانة تحوي معلومات وأرقام مهمة لها علاقة جهاز الاستخبارات الأمريكية السي آي أي.. نكتشف مسبقاً أن هذه الاسطوانة عبارة عن مذكرات ومدونات مالكوفيتش (أوزبون كوكس) الذي كنا قد رأيناه في المشهد الأول من الفيلم وهو يفقد وظيفته بدعوى أنه مدمن على الشراب، لكن إدارة المخابرات تريد التخلص منه، وعليه ينوي (كوكس) كتابة مذكراته التي وقعت في يدي (تشاد) و(ليندا) فتراودهما فكرة استثمار هذا القرص عبر ابتزاز (كوكس) أو عبر بيعه إلى السفارة الروسية بعد تمنّع الأول عن الدفع.. بشكل متوازٍ يدخل جورج كلوني (هاري) الآلة الجنسية في الفيلم ومفتش الضرائب الذي يخون زوجته وتبادله الأخيرة الخيانة، فيقيم علاقة مع سوينتون (كيتا) زوجة مالكوفيتش (كوكس)، وفي نفس الوقت يتعرف على (ليندا) من خلال الشبكة العنكبوتية. تتداخل القصة في جوف أختها، فيقوم بقتل (تشاد) بمحض الصدفة التي قادت (تشاد) لدخول بيت (كوكس) بحثا عن معلومات أخرى، وهو –أي هاري- الذي يلاحظ تعقب أحدهم له طوال الفيلم، إلى أن يكتشف أن من يتعقبه مرسل من قبل زوجته لتثبت خيانته فيقوم بتطليقها.. هذه الأحداث البسيطة في ظاهرها العميقة في باطنها، تخفي وراءها حالة من العبثية، نراها تتجلى في مصائر الشخصيات الست، وفي تعّقد الأحداث وتقاطعها على نحو غير متوقع عبثي، بالإضافة لكون هذه الشخصيات جميعها –بشكل أو بآخر- شخصيات خاسرة، تريد أن تفعل شيئا، لكنها في كل مرة تفشل.. عندما يزجنا الأخوين في قصة الاسطوانة الرقمية فهما على الوجه التحديد لا يتحدثان عن اسطوانة وحسب، بل هما يعريان أمريكا المعاصرة بصورة ساخرة سوداء: التجسس، الجشع، والخيانات المتعددة، والبارانويا المتصاعدة، وعدم الثقة في الذات، والتشكيك في الآخر.. سوداوية الكوميديا التي يتبعها كوين وإن جاءت مكثفة في فيلمهم الأخير، إلا أنها لم تكن اليتيمة في أفلامهم بشكل عام، وقد كانت هذه الكوميديا ملموسة وواضحة في "لا بلد للمسنين". إذ أنها لا تعتمد مطلقا على (الأوفيه) أو (النكتة) المنطوقة، كما نجدها عند المونولوجست إيدي مورفي، ولا على التكشير بالوجه أو استخدام المؤخرات لإضحاك الناس كما هي عند مارتن لورنس.. هنا الكوميديا كوميديا الموقف، كوميديا شر البلية.. ولذلك عمد الأخوين على خلق مسافة بيننا وبين ما نشاهده، مسافة بين الشخصيات أنفسها وبين الشخصيات والمشاهد. لا يريد منّا الأخوين أن نبكي في اللحظات الإنسانية كما تذهب إليه المسلسلات الخليجية، فليس مطلوبا منك أيها المشاهد أن تبكي، فأنت في نهاية المطاف مجرد مشاهد. ليس مطلوب منك الضحك في كل مشهد يكون فيه الأداء كاريكاتوريا مبالغاً فيه، فحتى هذا الأداء الكاريكاتوري المبالغ مقصود ومن حتميات عبثية الأخوين.. وليس من مهمات الشخصيات في الفيلم أن تترك لدى المتفرج انطباعا بالرضا أو الاستعطاف أو بالمقابل الازدراء والكره.. بمعنى آخر لا يود الأخوين أن يكون المتفرج حاضرا بقلبه، بل ليأتي بعقله فقط.. في ختام هذا المقال، أرجوا ألا يفهم كل ما سبق على أنه دعوه صريحة لمشاهدة الفيلم، فقد تكون ردة فعلك أيها القارئ بعد مشاهدته أنه " فيلم بايخ.. وما أنصح أي واحد يشوفه.. وما يستحق دينارين ونص تخسر عليه"..
محمود درويش وداعا 
أذكرُ جيداً ..وأنت الذي ثقبتَ ذاكرتي سريعاً، بمقدارِ سرعةِ رحيلك.. أذكرُ يومَ تسلمتُ كلمةً المخرجِ التي ستدرج في كتيبِ عرض مسرحية متروشكا، حيثُ ذكرَ فيها السعداوي أنّ المسرحية مهداةٌ إلى حميد مراد.. وقتها توجهتُ بسؤالي إلى الأستاذ عبدالله: لماذا حميد؟!.. فأجابَ ببساطةٍ ودونَ تكلّف: "لفترةٍ.. كان يزورني دائماً في الحلم.. فأحببتُ أنْ أهديه هذا العرض".. ولأن الكتيب خرج بصورة مختلفة، لم تدرج الكلمة فيه.. أذكرُ جيداً.. حينما وصلني خبر عودتك من مصر.. كنتَ جالساً في صالة مقر الصواري، حيث شاشة التلفاز.. سلّمت عليك، وحمدت الله على سلامتك.. وبعدها، عندما حان وقت بروفة مسرحية متروشكا، سحبت كرسيا وجلست تراقب.. أذكر القهوة التي احتسيناها في المطبخ مع الصديق خليل الرميثي.. نبرة صوتك عندما كنت تسرد تفاصيل رحلتك إلى مصر.. تقاسيم وجهك.. وقتها، لم أكن أعرفك إلا منذ فترة بسيطة.. ولكن دفء حديثك/ دماثتك هي من أسقطت كل الحواجز.. حينها فقط شعرت أني أعرفك منذ زمن.. أذكر جيدا.. في أحد المرات التي كنا نصور فيها مشهدا من مشاهد مسلسل (عيون من زجاج) حين تلعثمت لأكثر من مرة.. فأرتبكت.. همست فأذني: (خلك ريلكس وبتسوي زين.. أدري أنت أتسوي أحسن من جذي).. أذكر كل ذلك وأكثر.. وذاكرتي مثقوبةٌ منذ أن جاءني خبر رحيلك.. كنت أقود سيارتي متجها إلى العمل.. وعندما وصلت اتصلت فيني الصحفية في صحيفة الوقت الأخت زينات دولاري تسألني عن وقع الخبر.. وقتها اكتشفت ثقب ذاكرتي، عندما نسيت كل الكلام.. قالوا: في لحظة.. يمر أمام عينيك شريط حياتك بأكمله.. وبعدها تسلم الأمانة.. وأقول: في لحظة.. مرت أمام عيني كل ثانية جمعتني بك.. وفاة الفنان حميد مراد تلهب مشاعر زملائه في الوسط الفني- صحيفة الوقت إدعس هنا قصتي مع الفنان المرحوم حميد مراد- فهد مندي إدعس هنا
أن يهديك عزيزٌ وردة.. هذا يعني أن تضعها في مزهرية مع قليل من الماء، وتراقب ذبولها مع مرور الأيام.. أن يهديك أحدهم ساعة من ماركة ساركار مرصعة بالألماس، فلن تجد هذه الهدية سوى الدرج مطرحا لها، ومحل بيع الساعات في أوقات الضنك المادي.. لكن، أن يهديك قصيدةً كتبها فيك، فليس لمثلها سوى القلب مسكنا، والخلود حياة.. "قميص الطفل الذي خرج ولم يعد!!" قصيدةٌ أهداني إياها أستاذي عبدالله السعداوي، فور انتهاءه من كتابتها.. قميص الطفل الذي خرج ولم يعد!! أرجوك أيها الربيع البائس.. الجالس القرفصاء أمام عتبات البحر.. وهو يرضع التبغ والعار.. أرجوك أيها الرصيف الحزين يا صدري المتساقط المختنق بالسعال الجارح ورياح البراري الموحشة.. يا جرذاً يطول كيوم غائم فوق رؤوسنا كالسقف المتداعي.. أيها الوجه الذابل كطرقات خاوية.. يا نداءات العبيد المنهمرة كالجراد والسأم.. وحيداً تحلم بملاءة سوداء، وجثة القهر والشوارع الدامسة.. أيتها الأذرع الهائجة في الغبار.. عشرون عاماً.. وأنا أدق الأبواب.. عشرون عاماً.. والرياح تقتلع أرجلنا الحافية والعيون الأكثر صفاء.. وأنت، تحصي تجاعيد الأرض، وتتثاوب في فم امرأة عاهرة.. أرجوك أيها الليل.. يا جسداً مغطى بالخريف المقهور/ بذكريات الجرب.. مثل العصافير الميتة وناموس الجمر.. مثل خطواتي المفعمة بالنبيذ والفوضى.. مثل صباح النعاس والخيبة والتوتر.. مثل السيف الذي يطعنك في الخاصرة.. مثل أجيال بلهاء تنام في شقوق أبواب الوريد.. مثل وميض الخنجر الملطخ بالكآبة والذباب.. مثل العيون المحشوة بالإثم والخراب.. مثل ملايين السنيين الدموية الخارجة من نهر الشوك.. مثل ضياع الأطفال المشردون بالجوع ودخان الملاريا، وهي ترحل دونما عودة في البراري القاحلة.. عبدالله السعداوي
وئيدٌ.. .. لهُ تربةٌ مفتونةٌ بالموتِ، جاء منها.. جاء إليها.. وهم يستعجلونك بالذبحِ، قُل الذبح عرسٌ إلاّ قليلا.. وئيدٌ.. .. منذ نطفتهِ دفنّاهُ، وأهلْنا الرّملَ فوق جثتهِ، كان يبكي.. يبكي؟!.. فملئنا الفاه بالرمل، لكي نبكي عليه.. .. منذ صرختهِ الأولى.. شهقته الأولى.. وكل ابتساماتهِ موؤودةٌ.. وكل هدهداتهِ موؤودةٌ.. مناغمة الأمّ لهُ في ساعةِ السحر، موؤودةٌ.. دميتهُ المبتورةُ القدم، التي يخرج من رأسها القطنُ، موؤودةٌ.. موؤودةٌ.. كل الأساطيرِ التي تروى لطفلِ الحي، موؤودةٌ، بخور مولدهِ.. ختانهُ.. كراسةُ الصف، وزغردات العرسِ.. والمشمومِ.. وأطفال أطفالهِ حينما يلعبون بدميته المبتورةُ القدم، تربتهُ التي جاء إليها.. وئيدٌ.. وما هم سئلوا بأي ذنبٍ.. ولا هم يحزنون.. 
ها أنتِ ذا.. ها أنتِ ذا.. ها أنتِ.. * الصورة للفنان أنس الشيخ
تجريني لأجمل العادات..
هاأنتِ..
تأخذيني للجهة التي أحب..
اتأرجح بين الصحوةوالغفوة.. لم تأخذني الغفلة إلى ويحها.. ولا إلى التخبط في العمى.. شيءٌ من النوريقتحم نسغ غرفتي.. خلوتي.. فيقض مضجعي.. والنظرة الزائغة في فراغ الهواء تهيم فيالعتمة.. ليس هذا النور لك.. ولا تنتشيك رائحة الظلام.. لو كنت أنت، أنت.. لماارتضيت بخديعة الموت.. وبياض الفجيعة..
قال الذئب:
"امكث هنا.. واسردقلبك، تسمعك وتأتيك، ولا تكون وحدك أبدا".. فيخرج الذئب عني، وتكونين في هئيةالماء..
لكنه الماء.. أعرفه في ساعة الظمأ بوادٍ غير ذي زرع، وتفتت الأكبادبعد يباسها.. يجف ثدي الأم من الحليب، فتعجز عن ارضاع صغيرها.. غدت تسعى.. والطفليرفس سطح الأرض بعقبيه من شدة العطش. لتتحقق نبوءة السماء، وتلفظ الأرض زمزما.. ماءيسيل على البسيطة فيغسلها بسر المعجزة، فتتطهر.. له أن يسيح فيملأ كل شيء، لكنه لايعرف لغة السراب، ولا غواية السديم.. ليكون مزارا يقصده الحجاج بجرارهم، يستشفعونبقطرة منه، ويشربون حتى الثماله، ويملئون الجرار لذويهم، لتنالهمالبركة..
لكنه الماء.. غال بنفسهِ غير متأثمٍ، أن يروي عطش سيدي الإمامالحسين
تنتخبين لي الضلالة في الكأس الأخير..
هاأنت..
تقهقهين كلما أوغلت في سكرتي..
الخطيئة التي كانتتسرح بالقرب من شباك غرفتي المطل على الجهة الغربية من القرية، لاهية.. عارية غيرحصنة.. لم تلحظ شحوب الماء، الذي بدا كليلٍ أخفى تحت رداءه ضوء القمر..
قالوا:
"إنها (أم السعف والليف).. تتولد في الفراغ السماوي المكبدبالغيوم، ساعة السكون. فينحدر ساقها ليلامس سطح الأرض. بينما يبقى رأسها ذو الشعرالكثيف الأخضر قابعا في السماء. تفك لثام السحاب عن وجهها عندما يضحها القمر، فتدثرالفضيحة بأكل كاشف الفضيحة. تقضم ببطء بياض القرص المنير، تحت مرآى جحفل من النجوم،إلا إنهم يلوون أعنتهم نحو سيد الظلام، يقدمون له الطاعة والقرابين، ويشكون حالقمرهم..
تثور ثائرة سيد الظلام، ويأخذه الغضب إلى غضب أشد ضراوة وفتكا، إلىغضب يتمثل أمام عيني أم السعف والليف جسدا دون ظل.
خلسة وفي الحلكةالدامسة.. تداري خطيئتها التي كانت تسرح في سماء القرية أمام شباك غرفتي. تمسح (أمالسعف والليف) فتات القرص على شفاه الحوتة، النائمة على سطح البحر عند الأفق. حينها، تخرج اللهاة من أفواه أهل الحي منفرجي الأشداق، بعيون غاب عنها السواد، تعلوصرخاتهم.. فيعيدها الصدى:
"الحوتة أكلت القمر.. الحوتة أكلت القمر.. الحوتةأكلت القمر.. أكلت القمر.. ـلت القمر.. القمر.. مر ..مر"
حينها فقط.. أدركت(أم السعف والليف) أن لا ظل لديها. فما لم يسلبه سيد الظلام، سلبه أهاليالقرية.
يا أنتِ..
إليّ إذن بطعنةٍ لا تتقن الرأفة،تخترق السرّة وتسحل الأحشاء..
"مجهولك يا هذا.... " وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى وقالت: "مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم".. وسكتت.. لكنني لم أسأل.. حدّقت في الفنجان مرة أخرى، دعست سبابتها فيه لتدير قعره برفق، وقالت: "مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعينٌ مفقوءة تتربص بك.. وأفعى سامةٌ مبتورة الذنب تحاول لدغك، لكنك... " وسكتت.. لكنني لم أسأل.. وضعت الفنجان جانبا وحدقت في عيني وقالت: "مجهولك يا هذا.. لا لون فيه ولا ثمة رسم.. أعذرني يا ولدي.. لا أستطيع قراءة فنجانك.. فأنا لا أفقه لغة الماء".. لم أدفع كلفة فنجاني.. مضيت كما كنت، عبوسا صامتا، ولم أسأل.. شفافٌ كالماء.. ************* "تستندُ على ذاكرةٍ مثقوبة، لكنّك لا تنسى يوم مولدكَ أيها القابض على المسافات.. وقتذاك، لم تستطع أمك أن تمارس غوايتها.. لم تستطع أن تستدرج فتى الكف الذي لم يبلغ الحلم بعد ليُدخل الكف سراً من الباب الخلفي، والذي كان في موكب العشرين من صفر المتوقف أمام عتبة داركم لقراءة زيارة الإمام الحسين (ع) عند الوطأة.. "أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمّات ثيابها.. وأشهد أنك من دعائم الدّين وأركان المؤمنين.. وأشهد أنّك الإمام البّرُ التقي، الرّضي، الزَّكي، الهادي، المهدي.. وأشهد أن الأئمة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى والعروة الوثقى والحجة على أهل الدنيا.. وأُشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أني بكم مؤمنٌ وبايابكم موقنٌ بشرائع ديني وخواتيم عملي، وقلبي لقلبكم سلمٌ وأمري لأمركم متَّبع.. صلــ... " زيارة وارث لم يكن الصوت شجيا.. لكن أمك تدوس على آهاتِ "الطلق" لتكرر ما يردها من مكبرات الصوت.. تنجح في إتمام جملة، وتعجز عن أخرى.. بينما جارتك العجوز تتخبط بيمينها لتمسح العرق عن جبين أمك بقطعة قماش بالية.. وأنت.. يضيق بك الفضاء وينقبض.. يضيق وينقبض.. يطردك إلى فضاء آخر لا تعرفه.. فتنزلق إلى يد السيدة.. عجوز الحي التي تهتم بكل حالات الولادة.. كل عويل العشرين من صفر زغردات مخاضك.. كل البكاء كان بوح طلتك الأولى.. كل اللطم تصفيق نفاسك.. كل الهواء كان في مشيمتك.. المشموم الذي تلقيه النساء على الفرس الأبيض المدبوغ بالأحمر تشبها بذي الجناح كان لك.. لكنهم نفضوا سيرتك كما نفضت السيدة الماء عن يدها بعدما لفتك في قماش أبيض، وأودعتك حضن أمك، وقالت: "سموه حسينا".. حتى أبوك ما بورك له.. ركض أخوك ليخبره بمجيئك وسط الموكب، ليقلّبك في يديه أشبه بدميةٍ ذات لحم ودم.. ثم أودعك حضن أمك، وقال: "سموه حسينا".. عطيشٌ اسمك.. جافٌ مولدك.. فالتٌ من بين أصابع الماء، يسرد سيرة الجٍّب.. لم يكن المكان يتسع لك.. وما الحديث غير افتراء.. كذبٌ أشبه بدم قميص يوسف، لكنك كنت عارٍ.. لو همت في ماءك لنمت عجينا من طين.. علقةٌ وطين مخاض".. كل شمسٍ تشدُّ رحالها في ليلٍ ليست فيه.. لقبرٍ لا تبلغه.. كانت تسرد سيرتي.. تقرض جزع وحدتها بعنان ذاكرتي، وتقول: "أرأيت؟!.. لست وحدك في كل هذا الليل.. ولا تملك فيه ثمة خليل" 
<<الصفحة الرئيسية











