كنت اقرأ قرآن وكأن المكان في بيت حجي جاسم.. طلعت في الزرنوق في تقريباً خمسة جلاب.. دخلت من الطبيلة وأول ما وصلت نص الزرنوق داخل البيت شفت الجلاب تنهد علي لما وصلت ركضاً أركض ما يمدي وين بروح.. وصلت بالكثير نهاية الزرنوق وكانوا الكلاب على وشك انهم يعضوني.. حسيت إني لازم اوقف.. وقفت وقلت بدافع عن نفسي وداخلي شي يقول ما راح تقدر.. بس الجلاب ضروسها قواي.. وتحس انهم ما يعضون يآكلون.. وفي نفس الوقت تحس إن كل هذ مجرد تمثيل يعني يسوي كل شي ولما يوصل لقبل العضة بثواني يوقف.. المهم إني قدرت اشرد وادخل البيت (الصالة) وأقفل الباب.. كان الباب الباب القديم الخشب المهم صكيت الباب.. بس الباب مو راضي ينصك كلّه.. البيت كانوا داخل.. انصك الباب بس في فتحة منه.. جت أختي وتشوفني مجود الباب.. وصوت الجلاب بره يخوف.. وانا اقول لها في جلاب.. بس كانت تبغي تشوف من الفتحة.. اقول لها راح يدخلون.. قالت لا.. بس بشوف.. بس شوي وحسيت اني تعبت من كثر ما مجود الباب.. وحسيت ان اختي كلما كانت تبغي تشوف اكثر.. توسع من الفتحة لين دخلوا الجلاب.. ونفس اللقطة السابق انهدوا علي.. وكنت احاول اصدهم بس ما اقدر اسوي شي.. وهم في اللحظة اللي يوصلون لما قبل العضة بشوي يوقفون.. وكأنهم كانوا يبغون بس يخوفونك.. دخل واحد من الباب.. واحد شباب اسمر.. ما اعرفه.. وبرود اعصاب.. وقف عند الباب.. وأول ما وقف راحت الجلاب وراه.. وقال انه يبغي بيزات.. او بخلي الجلاب تنهد في البيت.. رفضت واللي بتسويه سوّه.. صفر صفره انهدت الجلاب عليّ مره ثانية وكنت اجود رقبة واحد وتحس بقوته.. وتشوف الثاني بينط عليك.. دخلت العايلة من المطبخ.. أخوي نزل من فوق.. ولما شفت التموا كلهم قلت أي انجان انا بس ويه اختي نزلوا.. قلت ليه كم ادفع وتمشي؟! فرد بهدوء.. وسخرية.. وبدم بارد.. الحين كم أدفع؟!.. من شوي اللي بتسويه سوه.. قول انت كم تدفع؟!.. قلت انت الحين اللي جاي مو احنا جين لك.. أنت قول وقوم فارقنا.. قال ابغي دينار (بسخرية).. وصفر على جلابه وطلعوا من الصالة.. وصار بروحه.. والعايلة كلها تسألني ويش صاير؟!.. من هذا؟!.. المهم هالصبي طلع ورقة وقلم وقعد يكتب اسامينا واحد واحد.. وقدام كل اسم يكتب رقم.. واذا واحد منا تكلم او عارض يشخبط على رقمه ويزيده عشر دينار.. عاد وهو يكتب تحولت السخرية عليه.. ان فلان بـ 30 دينار.. واشمعنى انا بـ 80 إلا يقول كلما سمعت صوت بزيد عشرة دينار.. اربعين دينار.. وصار الكل يضحك عليه.. وهو حس انهم يسخرون منه.. وانا واقف عند باب الصالة اراقب وين الجلاب.. حسيت انهم مو موجودين.. وهو حس إني اراقب.. وحس البيت يتسخرون منه.. صفر إلاّ الجلاب نازلين من فوق.. وأنا واقف قبالهم تحت الدرج.. حسيت انهم راح يقفزون أول ما يوصلون منتصف الدرج علي.. لازم اهرب.. ولازم اهرب بره البيت.. بس شلون اخلي لجلاب يلاحقوني ما يدخلون البيت.. هالحزه حسيت إني قاعد احلم ترى.. قعدت من النوم.. الأحد 13.09.2009 03:44 صباحاً خوف شديد الشعور بالعرق كبير سرعة خفقان القلب ..... كل ما سبق هو عبارة عن نقل لما كتبته على قصاصة ورقية قريبة من سريري، بعدما استيقظت من النوم مباشرة.. حاولت أن أنقله كما هو.. بأخطائه الإملائية والنحوية واللغوية.. بكلماته المتقاطعة والمبهمة.. بربكة حالة الحلم المستمرة بعد الاستيقاظ.. بالجفاف الذي يعتري بلعومك.. بدقات القلب التي لم تهدأ.. بالنفس المتقطع.. بالمفردات التي كنت استخدمها لحظة استيقاظي، تلك التي تعينني على تذكر ما كنت أريد كتابته أكثر مما هي كتابة بحد ذاتها.. ولو كان الأمر بيدي لكنت نقلت لكم أيضاً تلك (الشخبطات) عندما أحذف كلمة لأكتب كلمة أخرى، ولو الأمر بيدي أيضاً نقلت لكم رعشة الخط وتداخله التي توحي بسرعة الكتابة، السرعة التي تخاف فيها أن يتلاشى الحلم من ذاكرتك قبل أن تنتهي من تدوينه.. أنقل لكم ما سبق.. وأنا أعي جيداً أن القصة قد لا تكون واضحة تماما بهذا الشكل من الكتابة.. أنقل وأنا مدرك تمام الإدراك أنني بعد مرور فترة من الحلم، وبما أن الورقة في متناول يدي فإنه باستطاعتي إعادة كتابة الحلم بقلم رشيق أدبي مشوق وجميل.. لكنني فضّلت الاحتفاظ ببكارة اللحظة وألا أفضها.. آثرت الاستغناء عن بعض التفاصيل التي يمكن سردها في الحلم، كوصف المكان بأزقته والزمان بتسارعه على نحو أدق، والتطرق للشخصيات وحتى أنني أوّد أن أسرف في رائحة المكان وملمس العرق المتصبب على جبيني.. فما كتب أعلاه كان بمثابة كودات تذكير، هذه الكودات تقودك لتفاصيل أشمل، ولكنني حين ذهبت نحو الاحتفاظ ببكارة النص، قبلت خسارة هذه التفاصيل.. أصر على كتابته كما كتب أول مرة، لأنني عندما أمسكت القصاصة التي دوّنت عليها الحلم، وشرعت في قراءة ما كتبت من كودات، شعرت أن هذه الكتابة أجمل كشكل وكمضمون، من تلك التي تذهب فيها نحو بحبحة القول، وانتقاء المفردات وقياسها.. شعرت أن هذه الجمل المتداخلة والغير متناسقة أحياناً، والتي هي باللهجة الدارجة التي تقفز للفصحى أحياناً أخرى، تلك الكلمات التي ومع سرعة الكتابة والحالة المربكة أصر على وضع علامة (التنوين) عليها أو أتأكد من وضع (الشدّة)، هذه الحالة بمجملها هي بحد ذاتها كتابة أو حالة كتابة.. في الواقع.. فإن الأحلام التي تبقى في ذاكرتي نادرةٌ جداً.. وقليلة أيضا تلك التي أفزّ فيها من نومي، أفتح عيني لكنني لا أزال أراها تمر أشبه بالسديم أمامي.. نادرة لحد يدفعني لكتابتها على الورق كلما استيقظت.. ليس بقصد الاحتفاظ بها، ولا بقصد البحث لها عن تفسير، ولا بقصد أي شيء على الإطلاق.. بل بقصد لا شيء.. سوى كتابتها.. أوّد الاسترسال في (كتابة الحلم البكر) باعتباره أسلوب كتابة مستقل، لكنني أفضل تأجيل الحديث عنه لوقت لاحق، وأوّد في نفس الوقت أن أجر الحديث نحو الأرجنتيني الجميل (بورخيس).. فعند انتهائي من كتابة كودات الحلم على الورق -وبالتحديد عند الرابعة فجراً- توجهت نحو مكتبتي الخاصة وسحبت من بين الكتب كتاب "سبع ليال" لـ بورخيس.. فأنا أذكر ذات حلم أنني بعد استيقاظي وكتباته مباشرة لجأت لنفس الكتاب لصفحة رقم 41 المعنونة بـ "كوابيس".. وبعد قراءته مجدداً جئت وإياكم نتقاسم جمال طرحه.. يذهب بورخيس في مقدمة ورقته "كوابيس" لوصف علم النفس بالمنصرف للحلم ليناقش آليات الأحلام أو موضوعات الأحلام، لكنها لا تذكر شيئا عن حدوثه كشيء مدهش وغريب.. وينقل ما كتبه بول غروساك في مقالته "بين الأحلام" في كتابه (الرحلة الفكرية): "أنه من المدهش أننا نستيقظ كلّ صباح صحيحي العقول –نسبياً عاقلين- بعدما نكون قد مررنا عبر تلك المنطقة من الظلال، تلك المتاهات من الأحلام".. الحديث عن الأحلام أشبه بالقبض على الضباب.. أو ملاحقة السراب.. لأننا لا نستطيع أن نحلل الأحلام مباشرة، كل ما نملكه فقط أن نتحدث عن ذكراها، ومن الممكن في كثير من الأحيان أن لا تتطابق ذكرى الأحلام مع الأحلام نفسها.. والبعض يرى أننا نستمر باختراع الحكايات عندما نستيقظ ونسرد هذه الأحلام لاحقا.. بورخيس ينقل أيضا ما جاء في كتاب (عزاء الفلسفة) الذي ألفه بوثيوس (آخر الرومانيين) حيث يقول: "يجلس المتفرج في مضمار الخيل ويرى من صندوقه الخيول عند بوابة الانطلاق، يرى ما يشبه التجهيزات للسباق نفسه، ووصول أحد الخيول إلى خط النهاية.. يرى كل هذا بشكل متعاقب". بعدئذ يتخيل بوثيوس متفرجا آخر.. هذا المتفرج الآخر هو المتفرّج على متفرّج السباق، دعونا نقول إنه الله.. الله يرى السباق كله.. إنه يرى في لحظةٍ أزليةٍ خاطفة البداية، السباق، والنهاية.. يرى كلّ شيء في لمحة واحدة.. لا يؤثر على ما نفعل، فإننا نتصرف بملء إرادتنا الحرة، لكن الله يعرف في هذه اللحظة مصيرنا النهائي.. الحالم يرى ما يراه بنفس الطريقة التي يرى فيها الله من أزليته الشاسعة الكونية برمتها.. وما يحدث عندما نستيقظ هو أننا – بما أننا تعوّدنا على حياة ترابية- ننزع إلى إعطاء بنية سردية لأحلامنا، بالرغم من أن أحلامنا كانت متشعبة ومتوحدة.. الكاتب الانجليزي "ج. و. دَن" يرى أنّ كلا منّا يمتلك نوعاً من الأزلية الشخصية المتواضعة: أزليةٌ نمتلكها كلّ ليلة.. سوف ننام الليلة، وفي هذه الليلة الثلاثاء سوف نحلم بالأربعاء.. وفي اليوم الذي يليه بالخميس.. وهلم جرى.. يدعونا بورخيس لتأمل المثال التالي: "لنفترض أنني حلمتُ بإنسان، وبعدها مباشرة حلمت بصورة شجرة.. أثناء اليقظة أستطيع أن أمنح هذا الحلم تعقيداً ليس فيه: أستطيع أن أفترض أن هذا الإنسان قد تحوّل إلى شجرة، أنّه كان شجرة، وفيما أعدّل الحقائق، أقوم باختراع حكاية".. أنا هنا لا أدعو لتبني فرضيات "بورخيس" حول الحلم والكوابيس، وهو الذي في نهاية المطاف لا يدعوك لشيء محدد أصلا، ولو كان "بورخيس" يفرض نظرية ما حول الحلم فمن المؤكد أنه يحلم.. أنا هنا أدعو لاعتبار الأحلام عمل جمالي، حتى تلك المخيفة والمرعبة والقابضة للأنفاس، عمل قد يستحق أن يكون نسق أدبي مستقل، على اعتباره أكثر التجليات الجمالية قدماً.. إنها تستعير بغرابة شكلاً درامياً، فيه نكون المسرح والمتفرجون والممثلون والقصة..
أدعوكم لحضور معرض "ولهان يا محرق" الذي سيقام على هامش فعاليات "تاء الشباب"، وذلك يوم الجمعة 14-15 أغسطس، عند الساعة الخامسة مساء.. وسيكون في مدينة المحرق بالقرب من بيت الكورار..
تراودني نفسي منذ فترة بالانعطاف في حياتي التدوينة عبر إنشاء مدونة جديدة لا تأتي تحت مظلة "جيران" أو "مكتوب" أو غيرها من المواقع، التي تتعهد لمشتركيها مساحة صغيرة في الشبكة العنكبوتية يمارسون فيها نشوة الكتابة.. هذه المراودة –حتى حين- كانت موؤدة بطعنة الروتين الذي يغالب شخصيتي نوعاً ما، أي بمعنى أن الشهقة الأولى لحياتي التدوينية كانت على يد "جيران"، فلتكن كما كانت.. والمشكلة تكمن أنني عندما أفكر في تغيير "جيران" أٌفكر بشكل موازٍ لماهية النقلة الحقيقية والمؤثرة في حياتي التدوينية.. لا أريد أن تكون هذه النقلة شكلية أو مجرد عنوان إلكتروني بينما تكون فارغة المحتوى، هذا التفكير الموازي المتعب هو السبب الحقيقي في وأد فكرة الخروج عن جيران، خصوصا مع امتزاجها في حالة مزاجية حادة في عملية التدوين.. لذلك، فمهما راودتني نفسي وزيّنت وجمّلت لي الخروج عن جيران، مسرفة في عيوب وعراقيل هذا الموقع، وغلّقت الأبواب وقالتً: "هيت لك"، قلتُ: "معاذ الله".. ما جاء على مدونة الشقيق "الكسيف" المعنونة بـ "خربشاتي المدرسية" لم يكن إلا قد القميص من الدبر، فأن تقوم إدارة جيران الموقرة لحذف المدونة دون سابق إنذار ولا تنبيه ولا إخطار أو حتى تأنيب –حسب ما جاء في رسالة "كسيف"، بالإضافة لمنع تزويده بالتدوينات والتعليقات فيها، لهو ما يجعلني أفكر ملياً في مراودة نفسي من جديد، وأجدني أهِمُّ بها قبل أن تهم بي.. وما نصيحة "الكسيف" في آخر رسالته بأن يفر بجلده من "جيران" كل راغب في مواصلة التدوين، سوى لسان حال نفسي بعدما قرأت ما كتب.. لن أطيل كثراً.. ففي نهاية المطاف لا يسعني إلا القول: "وداعاً أيها الكسيف".. وهذه رسالتك انشرها للملأ.. في تصرف يفتقد لأبجديات الذوق والكياسة ولا يستجيب للحد الأدنى من أخلاقيات التعامل خربشات مدرسية في ذمة الله.. والسبب اسألوا "جيران" أخيراً أغضبت " خربشاتي المدرسية " أحدهم ! من هو ؟ صدقوني لا أعرف. ولكن هناك من استاء، وبلغ الاستياء به حداً جعله يخاطب إدارة جيران لحذف مدونتي. واستجابت الأخيرة لهذا الطلب بلا تنبيه ولا إخطار أو حتى تأنيب فقد أكون بالفعل دنست طهرانية هذا الموقع، ومسست بعفافه، وعبثت بشرفه، وانتهكت عرضه وطوله. كما أن الإدارة الموقرة لم تتجشم عناء الطلب بتصحيح أوضاعي وتشذيب ما يمكن تشذيبه بحسب وجهة نظرهم ووجهة نظر من أوعز إليهم لئلا أكون الجار الثقيل الذي يلقي في دوحة جيران الغناء بالأوساخ. ويالتواردالأفكار! فقد كنت على شفا حذف المدونة بنفسي، ولكن من استاء استعجل الأمر، ومن الواضح أن إدارة جيران لينة مطواعة تفعل ما تؤمر على الفور، وتفكر بالإنابة، وتتصرف بالوكالة.. ووالله لم أوكلهم ليتصرفوا نيابة عني، كل ما كان يلزمني القليل من الوقت حتى احتفظ بتدويناتي التي لا أملك نسخة منها وبالتعليقات عليها. وفي بداية الأمر استغربت هذا التصرف الأخرق الوضيع، فراسلت الإدارة ولم أمانع أبداً في حذف مدونتي إذا كانت تشكل ضغطاً عليهم وتسبب لهم الحرج، ومن الممكن أن تزلزل عروشهم، فلست من المولعين بالفرقعات، وكان طلبي الوحيد هو تزويدي بالتدوينات والتعليقات عليها، ولهم ما شاؤوا بعد ذلك، ولم يكن هدفي إعادة نشرها في مكان آخر، وإنما الاحتفاظ بها لنفسي. أول الأمر ماطلوا، ثم طلبوا مني رقم هاتفي، ثم اعتذروا عن خطأ غير مقصود حدث مشفوعاً باعتذار آخر هو استحالة إرجاع تدويناتي والتعليقات عليها.. هل يصدق أحد في العالم هذا الهراء!!! الخطأ الغير مقصود لم يصب إلا الخربشات وآمل ألا يصيب غيرها. وقد أخبرتهم بكل لباقة هذه المدونة لا شأن لها بالسياسة فأنا آخر من يهتم بها في العالم، وهي لا تمس الأديان ولا تزدري الطوائف، كما أنها لا تبشر ولا تدعو لأي تفسخ قيمي وانحلال أخلاقي ودعارة فكرية. كل هذا لم يثنهم عن قرارهم البائس السخيف، وصفاقة ردودهم الباردة المعبأة بالأباطيل والكذب والبهتان. ومع الأسف الشديد ما دام الإخوة والأخوات في جيران قد حسموا أمرهم نهائياً، فعندي تعليق بسيط ونصيحة أود تسجيلهما قبل أن أطوي نهائياً هذه الصفحة. أما التعليق فهو: عمري التدويني قصير جداً، أقل من سنة، وقد وفرت لي هذه المدة صداقات متينة - واقعية وافتراضية - لم أكن لأتخيلها، واللافت أن هذه الصداقات تحققت لدى جمع ينتمون لثقافات ومناطق ومرجعيات نظر عديدة، والأهم من أجيال مختلفة، بل حتى أولئك الذين وجدوا صعوبة في فهم بعض المفردات المحلية الدارجة كانوا يتفاعلون بإيجابية مع الخربشات. وفي هذا السياق، أود أن أشكر أصدقائي الذين كانوا المحرك الحقيقي للخربشات في عمرها القصير، والذين أكن لهم كل مودة وتقدير واعتبر ذرات الغبار التي تصدر عن ملامسة أحذيتهم الأرض أفضل من جيران. وهم ابتهال سلمان التي تنبأت في وقت مبكر جداً بإغلاق هذه المدونة، وحلفائي مجتبى والإمبراطور ورباب وملاذ " جنان لاحقاً "، والأخ العزيز خالد " ماشي صح "، وعائشة سلدانة وشيماء الوطني وحسين مرهون وأحمد جكي وعلاوي والدكتورة فطوم وسعاد الخواجة وجعفر العلوي وحسين عبدعلي وباسمة القصاب وعلي الملا ومارون الراس وهدى وفاطمة عباس وبنت الموسوي وفيرونيكا وودادو وكنكرية البحرين وغيرهم العشرات من عمدة مصر إلى حامل مسك دمشق. وهناك من دون شك حسين الجمري الذي أصبحت ارتقب طلته البهية كل خميس عبر ملحق فضاءات في صحيفة الوسط. وبفضل هؤلاء وغيرهم الذين غابوا عن الذاكرة وقت الكتابة، فلا مدونة عندي الآن حتى أعود إلى أسماء المعلقين والمعلقات، الذين بفضلهم وصلت الزيارات في بعض التدوينات إلى نحو 3000 زيارة قبل التصرف الأخرق الموتور لدى هذا الموقع التعيس. أما النصيحة فلكل راغب في مواصلة التدوين أن يفر بجلده من جيران، أخس موقع استضافة، وفي تاريخهم المشبوه لم تكن هذه أول مدونة تحذف فقد سبق لهم حذف المدونة الأولى على مستوى الترتيب في لبنان، وربما غير ذلك. هناك العديد من مواقع الاستضافة أكثر نزاهة ونظافة، وعلى كل من يملك مدونة أن يحتفظ أولاً بأول بتدويناته والتعليقات عليها حتى لا يتعرض للانتهاك كما فعل هؤلاء الصغار مع خربشاتي العزيزة، فقد حرموني العودة لها في ساعات الاكتئاب وأوقات الحزن لسرقة ابتسامات من التعليقات الطريفة والمفيدة. وياللمفارقة نحن نسمع في الأشهر الأخيرة عن حجب المواقع، ولكن وبفضل هؤلاء، فقد تجاوزوا خطوة الحجب إلى مرحلة الحذف النهائي الذي لا يقبل الأخذ والرد. جيران تعساً لكم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ متضامنون كسيفون: - الإمبراطور سنبس وقصره العامر - حسين محمد حسين الجمري وتراثنا وتاريخنا
اسحبُ سبّابتي من الجهاز الماسح للبصمة المعلّق على يمين الباب الرئيس لصحيفة الوطن، بعدما يجيبني صوت امرأةٍ، أتخيلها دوماً داكنة السمرة ذات شَعرٍ كثيف أجعد ونظارة طبية سميكة تتدلى على طرف أنفها، شبيهةٌ إلى حدٍ ما بـ "غلوريا فوستر" العرافة في ثلاثية فيلم "الماتريكس".. وفي كلّ مرةٍ تلامس فيها أنملة سبابتي طرف الجهاز تحدّق في سحنتي برهة بعينٍ جامدةٍ تقفز فوق إطار نظارتها العلوي، تتحسس أصبعي بسحر ضوئها وتقول: "مسموح لك بالمرور" حينها يظهر على شاشة الجهاز الالكترونية الخضراء رقم 811206637، هذا اسمي أو هكذا تعرفني الأجهزة الحكومية، فأنا بالنسبة لهم مجرد رقم.. وحينها أيضاً، لا أملك من الوقت إلا ثوانٍ معدودة، أدفع فيها الباب دفعة تخوّلني الدخول إلى مبنى الصحيفة، وإلا سأكون حبيسا خارج الصحيفة، أنتظر إصبعاً آخر تمسحه المرأة من جديد، وتحدّق في سحنته وتسمح له بالمرور.. هكذا نحن.. لا نملك من فعل الدخول أو الخروج إلا نصفهما أو أقل بقليل.. لا يسمح لنا بالعبور إلاّ بإذن امرأةٍ لا نملكُ إلاّ تخيلها.. "مسموح لك بالمرور" أو "حاول مرة أخرى" هي الجملتان اليتيمتان التي تسلب بهما هذه المرأة النصف الآخر من فعل دخولنا أو خروجنا من مبنى الصحيفة.. في الحقيقة.. تكتشف أنك بالفعل لا تملك من الأشياء سوى نصفها، أما النصفُ الآخر منها فيملكهُ شخصٌ آخر، ربما تعرفهُ حقَّ المعرفة، وقد لا تعرفهُ على الإطلاق، وربما تعرفهُ من خلال تسميات وكُنى مثل "هُم" أو "السياسة العامة" وفي الأغلب "مَنْ فوق" وغيرها من التسميات التي ترسم هالة سديمية/ ضبابية حول هذه الشخصيات أكثر من أن تحاول كشفها أو فضحها.. وبعيداً عن ماهية التسمية الحقيقية، وأبعد من كونك ملم أو مدرك لهذه الشخصيات من عدمه، فإنها –بشكل أو بآخر- تشاطرك نصف الأشياء التي لا تملك إلاّ نصفها، شئت أم أبيت، سخطت أم رضيت.. تبدأ فكرة الملكية النصفية المحتومة للأشياء تراودني كلّما أنهيت اختبار الباب الرئيس للصحيفة.. فعادتي أن أخطُّ الخطى ملقياً بالسلام على من أصادفه في دربي إلى حيث نصنع كوباً من الشاي أو القهوة.. ولا شيء يهوّن مصيبة يوم وظيفي كادح كان أم سلس، سوى كوب من القهوة.. المشْكل هنا يكمن حينما أصادف الزميل الصديق الصحفي مهنّد أبوزيتون وأنا أحمل كوب القهوة، فهو دائماً ما يسلبني الكوب وفي أحسن حالاته المزاجية يقاسمني نصفه.. هل يجب أن أمتعض لأنه سلبني كوباً تعود ملكيته لي، أم في واقع الأمر أنني لا أملك من ملكية هذا الكوب سوى نصفه أو أقل قليلا؟!.. منطقياً.. إذا كان مسحوق البن الذي استخدمه لصنع القهوة تعود ملكيته للصحيفة، وفي بادرة طيبة منها فقد وفرت أيضا مبيض القهوة وقليل من السكر بالإضافة إلى الشاي والأكواب، فإن هذا المخلوط العجيب الذي اتكأ عليه دوماً لترطيب جفاف مزاجي اليومي لا أملكه بالكامل، بل يقاسمني إيّاه جميع موظفو صحيفة الوطن.. وبالمعادلة التالية: حسين + مهند = 2 من (موظفي الوطن) وبما أن كوب القهوة = موظفي الوطن إذا حسين + مهند = 2 من (كوب القهوة) وبقسمة طرفي المعادلة على 2 تكون كالآتي: (حسين + مهند) /2 = كوب القهوة وبالتالي نستنتج الآتي: حسين + مهند يتقاسمون كوب قهوة واحد.. ولكن السؤال الذي يتبادر للذهن، هل صنع كوب القهوة بنفسي يعطيني أحقية الانفراد بملكية هذا الكوب؟!، على اعتبار أن الملكية هنا تأتي بما يوازي "سلطة مباشرة يثبتها القانون لشخص معين، على شيء مادي معين بذاته تخوله استعماله واستغلاله والتصرف فيه".. من منظور رأسمالي الذي يرتكز نظامه على الملكية الخاصة، فإنه يقر إقراراً لا شك فيه بأن ملكية كوب القهوة سالف الذكر تعود لي، ولا أحقية على الإطلاق لتدخل مهند في هذا الكوب، بل إن هذا النظام يوسوس ويبلبل في أذني أن أهيمن على أدوات إنتاج القهوة في صحيفة الوطن، وأقوم ببيع كوب القهوة على غرار "كوستا كوفي" بما لا يقل عن دينار بحريني واحد.. وبما أن المنافسة والمزاحمة في الأسواق تعتبر إحدى ركائز أسس هذا النظام، فعليه سيقوم مهند أبو زيتون بصنع القهوة أيضاً وبيعها بنصف السعر متخذاً بحرية الأسعار وفق متطلبات العرض والطلب، واعتماد قانون السعر المنخفض في سبيل ترويج قهوته وبيعها على حساب قهوتي، وعليه تشتد المطاحنة بيننا إلى أن ينكسر قرني أحدنا، مفترضين سلفاً عدم دخول ثالث في السوق.. الرفاق الاشتراكيون يرون أن كوب القهوة تعود ملكيته لي معتبرين الملكية الفردية مرتكزاً لحرية الفرد، إلا أنهم يقيدون هذا الملكية ويدعون إلى أن تصبح اجتماعية في جوهرها ووظيفتها وتوجهاتها.. وعليه، وفقاً لمصلحة الجماعة ومصلحة اقتصاد الصحيفة فإن الرفاق يرون أن ملكية كوب القهوة تعود إلى الصحيفة حتى ولو قمت بصنعه، نظراً لتملكها وسائل الإنتاج، ووفقاً لمقولة: "ثروة البلد أياً كان صاحبها خاضعة لحق الجماعة".. وعلى نحو آخر، فإنه يمكن للصحيفة أن تستقطع جزءً من رواتب موظفيها في سبيل توفير وسائل إنتاج القهوة بما لا يفوق فنجان قهوة واحد لكل موظف، بغض النظر عن مسماه الوظيفي، على اعتبار أن كل الموظفين ينصهرون في وحدة اجتماعية واحدة وتامة، وألا طبقية في المجتمع التقدمي الاشتراكي.. ومن منظور إسلامي فيرى الإسلام أن الله عز وجل هو مصدر الملكية ومانحها، وبالتالي فإن الإنسان مستأمن على تحقيق الرشد في التعامل مع الملكية واستغلالها وصيانتها، دون أن تصبح الملكية في حد ذاتها وسيلة للإخلال بوضع الآخرين، فالإسلام جاء مقراً للملكية الفردية إلا أنه لم يدع هذا الحق على إطلاقه بلا قيد أو حد، بل يخضعها لواجبات تكبح توغلها في المجتمع، مثل الزكاة والخمس والخراج والمبادرة الفردية والصدقات.. وعليه يتأرجح كوب القهوة بين أن يكون ملكية خاصة لي منحها لي الرب، وبين أن يكون ملكية عامة من باب الصدقة والمبادرة الفردية وحق المجتمع على الفرد.. في باطن أي منظور من المنظورات السابقة هناك ثمة ما يشي بفقداني لنصف الكوب، إن كان هذا الفقد ناتج عن هيمنة السوق أو جاء باسم مصلحة الجماعة أو حتى المبادرة الفردية، فإنني من الواضح أنني لا أملكه بالكامل، وأن هناك دائماً ذريعة لمن يشاركك فيه.. بعيداً عن هذا الكوب الملعون.. أعرف زيداً من الناس كان يظن منذ مولده إلى أن كتب الله أجله، ويخط اسمه بالبنط العريض على شاهد قبره، أنه يملك مسماه، فهو يظن كل الظن وإن كان آثماً أن زيد بن فلان بن فلان ملكه الخاص ولا يشاطره أحد هذا المسمى.. من ناحية أخرى، تكتشف أننا لا نملك من أسمائنا سوى النصف، ويقاسمنها إيّاها من اختاروا لنا تلك الأسماء.. يكبر زيد ويرتدي زي التخرج الجامعي، ومازال في غارقاً في ظنه أنّه ينفرد بما وصل إليه من توفيق، في حين هناك من يهمس في أذنيه أن هذا التوفيق من رب العالمين ومن ثم من سهر والديه المتواصل وطحنهما المتواصل عليه لكي يثابر ويجتهد.. تعيّن زيد صحفي في إحدى الصحف اليومية، وفي أول يوم وظيفي كان أشبه بطالب متفوق يعد العدة ويرتب أموره لخوض مغمار الصحافة، لاصقاً على شاشة حاسوبه جميع طموحاته وآماله.. جاء الخبر الأول، ثم الثاني، ثم الثالث والرابع نزل في الصفحة الأولى.. وزيد هو زيد يظن أنه عصامي وكل نجاح أو خطوة جديدة إلى مراتب عالية تأتيه بجده واجتهاده ولا يعتمد في ذلك على غيره من عشيرة أو قبيلة أو حتى إرث، لكنه على ما يبدو أنه ينسى قراءة الصحيفة كل صباح، ليكتشف أن كل الأخبار التي حملت اسمه ما كانت لتنشر لو لا تدخل قسم الديسك لتحويرها إلى ما يرضي "من فوق" وما يرضي السياسة التي تتخذها الصحيفة.. يشتري زيد سيارة جديدة.. ولأن في بطاقة ملكية السيارة قد كتب عليها "زيد بن فلان بن فلان".. فالمسكين كان يعتقد أنه يمتلك السيارة.. وفي واقع الأمر لا يدري أن البنك الذي اقترض منه قيمة السيارة يقاسمه ملكية السيارة حتى ينتهي من دفع القرض الذي يستغرق سبع سنوات.. وبعد سبع السنوات من عمر زيد، يشبك زيد أصابع يديه في بعضها البعض ويشدها فوق رأسه ليرخي عضلات كتفيه، ويبيع سيارته التي أهلكتها السنون السبع، ليشتري سيارة أخرى جديدة، يقاسمه البنك نصفها لسبع سنوات جدد.. الزواج سنّة الحياة وإكمال لنصف الدين.. أوه، إذا طول الفترة السابقة وزيد لا يملك كل دينه بل كان يعيش على نصفه لا أكثر.. ولكي يمتلك النصف الثاني لا بد من زواجه.. وتزوج زيد.. لكنه لا يعي أن الزواج الذي يهبه نصف الدين يسلب نصف حياته، فليس حياته ملك له وحده، فهناك امرأة أخرى تشاطره هذه الحياة بحلوها ومرها.. وبعد سنة من الزواج جاء المولود الأول.. وبقدوم هذا المولود يكون زيد خسر ما تبقى له من الحياة ونصف حياة زوجته.. مع المولود الجديد الذي كبر، وصار يعي جيداً سبب اهتزازات سرير والده.. بات لازما على زيد أن يوفر غرفة خاصة لزيد الصغير.. وعليه، فكر زيد أن يشتري قطعة أرض صغيره، يبني عليها عشاً يكفيه وزوجته وابنه.. وهنا أقول له: "عند أمك.. مش بوزك.. ولا حتى تحلم فيها.. قلنا تملك من الأشياء نصفها.. عاد أرض وبيت ولا حتى تشم يحتها".. مرت السنين وزيد لا يملك إلا أن يحلم بهذا البيت، وبطبيعة الحال فإنه لا يستطيع أن يحلم بالحلم كاملا إلا نصفه، ففي كل مرة يرن المنبه لإيقاظه.. وفي مرة من المرات ظل المنبه يرن ويرن وزيد لم يستيقظ من حلمه.. كانت الناس تحسده أخيراً لأنه يمتلك شيئا الآن بكامله، وليس هناك من يشاطره إيّاه.. فهو يمتلك قبره.. وفي العادة ليس هناك من يود أن يقاسم الآخر في القبر.. ولكن بعد عدة سنوات امتلأت المقبرة بالقبور وصار من المحتوم أن يفتح قبر زيد ليدفن بالقرب منه شخصاً آخر.. حينها فتح زيد عيناه وقال: "ويش هالحاله وياكم حتى القبر تبغون نصه؟!"..
تحذير: لا ينصح قراءة المقال لكل من يعاني من ارتفاع الضغط أو السكري أوللحوامل أو المصاب بصداع.. كانت غزة.. قلم نايم.. بنت ترقص بمرقص، ورقصني على وحده ونص يا قدع.. غزة محاصرة.. هااا؟!.. وهاون، غزة محاصرة.. شو يعني؟!.. غزة، محاصرة.. إي، يعني شو؟!.. قلم يشخر.. إنزين، غزة انضربت.. ومن ضربها؟!..... بنت تتكعكع.. غزة تحت العدوان يا جماعة.. من عدوان؟! تقصد نمر بن عدوان؟!.. قلم يغسل وجهه.. سوّد الله وجهه، العدوان مستمر.. بنت تصرخ: يااااااا لهوي.. مجازر.. دمار.. إرهاب.. قلم يغسل ضروسه.. وبنت تتستر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. النصر للإسلام.. النصر للإسلام.. الموت لأمريكا.. الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. الموت لإسرائيل.. بالروح بالدم نفديك يا مشيمع.. طاخ.. طاخ.. طاخ.. المسيرة انضربت.. قلم يكتب.. الحمد الله على السلامة يا الحبيب.. على الشريط الأحمر في قناة الجزيرة: "في 16 يوم، 888 قتيل (284 من الأطفال، 100 من النساء) و4095 جريح" انتهى الشريط.. باااال!! صدق، صدق، صدق مساكين.. قلم يكتب.. إلغاء جميع حفلات رأس السنة بأمر ملكي.. أوهووو وين نروح يعني؟!.. خبر عاجل: "ارتفاع عدد القتلى".. قلم يزّبّد.. مسيرات تتطلع.. شجب.. استنكار.. قمم.. اقلام تكتب.. رؤساء تجتمع.. رؤساء ما تجتمع.. تبرعات.. (ووو.. اظلمت الدنيا.. اختفس الكون.. شجر يمشي.. حصى.. احبال تطير.. قراطيس.. اغبره.. اشوي، إلاّ مطر.. اشوي، إلا ابردّي.. شنو هذا؟!.. ايش صاير؟!.. الساااااحر ياي.. الساااحر ياي.. وقرر ولد السلطان يخلص بنت الخباز من ظلم الساحر الجبار)*.. المعابر مسكرة.. واحنا مرزامنا حديد، وطق يا مطر طق.. قلم يهربد.. العدو يقرر إيقاف إطلاق النار.. غزة إللي كانت صارت دمار شامل.. إعادة اعمار.. الله لا يجيب خربوط الشرير عدو أبو الحروف في المناهل، ويبدل حرف "العين" إلى حرف "الحاء".. العدو قرر الانسحاب.. الله أكبر.. الله أكبر.. النصر للمقاومة.. النصر لحسني مبارك.. النصر نادي سعودي.. هيفاء وهبي تحيي حفلها رغم معارضة نوّاب اسلاميين.. يعنو شنو اسلاميين؟!.. قلم يشخر.. إي يعني شنو؟!.. غزة محاصرة.. شو يعني؟!.. غزة، محاصرة.. بنت ترقص بمرقص، ورقصني على وحده ونص يا قدع.. قلم نايم.. غزة كانت.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * مشهد إبراهيم الصلال في مسلسل "الأقدار"
رجل يرتدي بدلة بيضاء، شبيهة ببدلات زعماء المافيا في ثلاثينات القرن المنصرم، يجلس على كرسي من الذهب، مستنداً بكوعه على طرفي الكرسي بما يسمح لأصابعه أن تتداخل دون توتر.. كان هذا صدام حسين الرئيس المخلوع.. على ميمنة منه تقف امرأة شقراء تتكأ بيمينها على خصرها بينما تلامس أنامل أصابع يدها اليسرى مسند الكرسي، تكتشف أنها ساجدة زوجة صدام.. وخلف الكرسي مباشرة يقف عدي وزوج ابنته حسين كامل باللباس العسكري.. وباليمين ويسار الكرسي يقف بشكل منسق كل من ابنه قصي وبناته وزوج ابنته صدام كامل شقيق حسين كامل الذي فرّ من العراق ذات 1995م للأردن ليعود مجدداً للعراق ويلاقي حتفه.. هذا جل ما رأيته وأنا أقلب مجموعة من الأفلام لدى أحد الباعة المتجولين.. وللحظة، كنت أقلب ذاكرتي باحثاً عن سبب رئيسي لشراء هذا القرص، ولم تسعفني الذاكرة للعثور على سبب سوى سبب يتيم لا يشفع لشراءه أو مشاهدته، وهو أنني لمحت ثمة خبر ما في صحيفة ما صورة هذا الملصق لكنني لم أقرأ ما جاء في الخبر بل اكتفيت بلمحة سريعة على عنوانه.. وفي الأخير سحبت هذا القرص من بين العشرات ولا أعرف سببا لذلك غير الصدفة.. دعست بالقرص في الجهاز لاكتشف أنه عمل درامي تلفزيوني من أربع أجزاء تم تصويره في تونس بشكل محترف، وقامت الـ BBC بالتعاون مع HBO بإنتاجه في 2008، يصور بمشاهد قريبة جدا من الواقع من خلال الديكور والشبه بين الشخصيات الحقيقية والممثلين، بروز ثم سقوط الرئيس العراقي صدام حسين وعائلته.. وبعد لحظة من الزمن اكتشفت أنني أنهيت جزئين من العمل الذي يستغرق كل جزء منه ساعة إلا قليلا من الزمن.. في "بيت صدم" -المثير للجدل- أكثر ما أثارني هو نقاط التقاطع بين قصة صدام وبين مسرحيات شكسبير التاريخية أو أفلام العصابات.. وهو ما أكده المخرج آليكس هولمز الذي شارك في كتابة السيناريو بجنب ستيفين بتشارد، في إحدى المقابلات قبل عرض مسلسله.. هذا التقاطع يكون جليا في مسرحية "ريتشارد الثالث" الذي قتل ابني أخيه، الملك ادوارد الخامس، بعد وفاته ليستولي على الحكم.. ويكون واضحا في طريقة تصوير وإيقاع مسلسل "بيت صدام" الذي جاء موازياً لفيلم عصابات المافيا "العرّاب"، بالإضافة إلى تشابه صورة عدي وقصي بشخصيتي ولدي دون كورليون: سوني ومايكل، فالأول كان يتميز بالخراقة الشديدة بعكس الإبن الثاني الذي كان متكتما وقادرا على ضبط نفسه وميالا إلى الفعل أكثر من الكلام.. وعندما يذهب شكسبير لسرد حادثة "ريتشارد الثالث" بعد مرور أكثر من نصف قرن عن وقوعها، فهو يتيح لمخيلته أن تمسك بعنان الحالة السردية وانعطاف الأحداث بما يخدم البناء المسرحي، ولكن "بيت صدام" فلم يمضِ على إعدام صاحب هولمز أكثر من سنتين، بالإضافة إلى أن هناك العديد من الشخصيات المواكبة لقصته مازالوا أحياء، سواء كانوا في موقع الجلادين أو الضحايا.. لذلك لابد لهذا العمل إلا أن يكون مثيراً للجدل.. وبعيدا عن الجدل الديالكتيكي الذي صاحب عرض المسلسل حول ما إذا كان القائمين عليه يحاولون بشكل أو بآخر تمجيد صور صدام التي هي ليست بحاجة لأي تلميع لدى محبيه معتبرينه البطل الشهيد المغوار، أو بالمقابل تسقيطه وتشويه صورته التي هي أيضا ليست بحاجة لأي إثبات لدى مبغضيه على أنه الدكتاتوري الظالم الطاغي.. وأبعد من أن يكون القائمين قد استندوا على وثائق دامغة وحقائق واقعة كمشهد مؤتمر حزب البعث الذي يصفي فيه صدام ثلة من قادة الحزب على اعتبار أنهم مشاركون في "مؤامرة إيرانية" ضد العراق، ليتم إعدامهم، أو تلك التي تغاضى عنها المخرج في سرده مثل اجتماع الرئيس العراقي مع رؤساء الدول العربية ليحظى بمساندتهم ومباركتهم لحربه ضد إيران.. فإن المسلسل يستحق المشاهدة بحق، فهو يقوم بسلبك من المشهد الأول حيث صدام ورفاقه يشاهدون جورج بوش على شاشة التلفاز وهو يبث وعيده بسحق صدام، ومن ثم يعود بنا لوقت إزاحة البكر وفق مؤامرة يقودها صدام ليحل محله رئيساً، لينتهي واقفا أمام حبل المشنقة.. 
"بلا شفقة يضرب النحات على المرمر كي يخلص الصورة التي ترقد في الحجر، لذلك عليه أن يكون بلا شفقة.. لذلك عليكم/علينا جميعا أن نتألم ونموت ونتحول إلى غبار".. فريدريك نيتشه لم يكن حسين محروس في (حوّامه) شفوقاً، بل كان في الشَبَهِ أشبه بقلب جزارٍ خالٍ من الرحمة وهو يسلخ الشاة فيفصل اللحم عن العظم بطرف سكينه، وبقبضته ينزع الكبد من بين الأمعاء.. محروس لا يصنع الالتفاتة، بل يضرب بسبّابة من حديد على زر كاميرته/قلمه، كي يخلص حوّام التي ترقد في الضوء، لذلك كان بلا شفقة، ولذلك بات علينا أن نتألم ونطيب.. نبكي ونضحك.. نموت ونتحول إلى غبار.. محروس المثيرُ للجدل، المقلق، المربك، الذي يتقن خلخلة العواطف وسرد الجسد.. في (حوامه) ليس هناك ثمة بون لثمة سؤال.. كل الأسئلة لا أهمية لها.. هل يشرّع للخيانة أم يشيع الحب؟!.. لا يهم.. ولا أهمية أن نختلف حول (مريم) إن كانت طهوراً مقدسة أو فاسقة فاجرة خبيثة عاهرة.. حتى تلك الأسئلة التي تبرز متراكمة بعد الانتهاء من الراوية، لا تلبث حتى تتحول إلى أسئلة أخرى.. لا فسحة للإجابات في حضرة (حوّام)، ليس هناك غير القلق يحوم على جسد مريم.. مريم.. التي ألفتتْ في مشيتها، على وشك من أي شيء.. مريم التي لا يعرف قلبها الفراغ.. سلسلة العشاق، لا تترك عاشقاً إلا وهي في حضن آخر.. تحترف التوزيع الغلط.. فيتداخل العشاق في العشاق.. كانت مسكونة بالشيطان، فهمس محروس في أذنها: "أولى بك وأجدر أن ترعى نمو شيطانك! فأمامك ما تزال أيضا هناك بعد طريق إلى العظمة".. "الرجل في أعماق نفسه خبيث، أما المرأة فسيئة في العمق" هكذا قال زرادشت، وهكذا أو كذلك كانت مريم.. اثني عشر رجلا كانوا ضحية عمقها، مذ فيصل في مرحلة الابتدائية، مروراً بمعلم الخط في جمعية الفنون الذي يتلذذ بملامسة يدها وهما يمرران القصب معاً بيسر على الورق فيسمعان صريره، حتى أخ قريبتها في المشفى وخال صديقتها و(سوبرغلو)، إلى عباس وزكريا وعارف.. قد يكون ذلك لسوء عمقها، وقد يكون لأنهم يريدون الخطر واللعب.. لذلك هم يحبّون مريم كأخطر أنواع اللعب.. هكذا تكون في الشك.. هكذا تقبع في الظن.. لعبة محروس وفتنة الحياد بعيداً عن اليقين السديمي الذي يقبع في الصورة، لكنه بلغة التصوير يكون (out of focus).. يخفيه كما يخفي الكثير من الشخصيات ببراعة في عمق الصورة، ليظهر ما يريد منها بشكل فاضح وواضح في بؤرة عدسته (in focus).. كم عدد أفراد العائلة؟!.. لا يهم.. في الجلسات العائلية، تجلس العائلة كلها، لكن من يجلس بالقرب من زكريا؟!.. أين الأم؟!.. ماذا يفعل سلمان (الأب)؟!.. لا يهم.. فقد عدّل محروس عدسته ليظهر منهم ما يريد، ويقبع الآخرون في الضباب.. "الحمام نسوان" هكذا يقول زكريا.. والحمام لا يخون، لأنه لا يشعر أنه يخون، هذه فطرته.. الحمام لا يشعر بالذنب، ولا يرى أنّه ناكراً للعهد.. والحمام نسوان.. لذلك كل خياناتهن ليست خيانة.. بينما كل الخيانات مأثومة وملعونة ما دامت وليدة شهوة رجل.. تنضح اللعنة والإثم في صورة عباس وعارف، وتفضحه سلبيات صور عباس.. هل في ذلك شيءٌ من المنطق؟!.. لا يهم.. كما لا يهم أي نعتٍ تختارونه لمريم أكثر النساء نعوتاً في العائلة، سمّوها "منظرة النسوان"، "الزقرتية"، "ملكة جمال الهند"، "عاهرة"، "طاهرة"، "قحبة"، "شريفة".. لا يهم سمّوها ما شئتم من الأسماء، وبتسميتكم تلك تكونوا إحدى شخصيات الرواية.. لكن الكاتب حسين محروس أختار لها (حوام).. 

"إن الكتابة أقوى من الموت" ستاندال كل ما احتاجه هو مجرد جملةٌ شبقية بشكلٍ متدنٍ.. أثير بها غرائزكم، فتستمنون علانية سيل إعجابكم.. ما أسخف الكتابة، وأن يكون المرء كاتباً هو أمر يثير السخرية حقاً.. أنا هنا لا أدعي انفرادي بهذا الاستنتاج الساخر، بل يقاسمني إياه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، وعليكم مراجعة كتاب "ميشيل فوكو- جاك دريدا/ حوارات ونصوص – ترجمة: محمد ميلاد".. المشكل في الكتابة هو الاعتقاد السائد بأنها عملية تفريغ وفضفضة الداخل إلى الخارج.. بينما الكتابة في واقع الأمر هي النقيض تماماً، ويمكن وصفها بعملية الامتلاء وليس الإفراغ.. بشكل مبسط يمكننا شرح عملية الكتابة على أنها انزواء الكاتب أمام ورقة بيضاء، يكون الذهن فيها خالياً من الأفكار، شيئا فشيئا ثم تصبح جملة من الأشياء حاضرة، بعد ساعتين أو يومين أو أسبوعين، النص موجود ونعرف عنه أكثر بكثير من ذي قبل. إذاً كان الذهن خالياً ثم أصبح ملآنا، وعليه تميل الكتابة لكونها عملية ملء وليس إفراغاً.. وبفراغها الخاص نصنع هالة من الزخم.. أضف إلى ذلك، هو الإيهام الذي يعيشه البعض باعتبار الكتابة طريقة لتعرية الذات، في الوقت الذي تكون فيه الكتابة –كإبداع- ادّعاء كوني يفوق الذات الفاعلة ويتمدد من فوقها متجاوزاً إياها وكاسرا لظروفها وكاسراً ظروفها وحدودها، كما يذهب إليه الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه "الكتابة ضد الكتابة/ دار الأداب-بيروت/ط1 1991".. ويقول: "الكتابة عمل تحريضي، يحرض الذات ضد الآخر، وهي في الوقت ذاته تحريض للآخر ضد الذات (...) كما أن الكتابة تتضاد مع الذات من خلال كونها عملا انتقائيا يصطفي من الفعل ومن الذاكرة، أي من الذات، أجمل ما فيها أو أقبح ما فيها، المهم أن ينتقي منها أشياء، وهو انتقاء لا يتم إلا بإلغاء شيء آخر.. ربما تكون الملغاة أهم من المصطفى أو أدّل منه على الذات".. الذات التي تكتب إنما تفعل ذلك لكي تدل على كل ما هو مفقود منها، وبذا فهي لا تدل إلا على ما هو سواها وما هو غيرها، وكأنما هنا الذات تنفي نفسها من خلال الكتابة مثلما أنها تنفي الآخر بتجاوزها له.. هذا النفي للذات من خلال فعل الكتابة والذي نظن كل الظن أنه عملية ولوج فيها، إنما يحيل الكاتب في كثير من الأحايين إلى فعل كتابي آخر يعزز النفي نفيا والهروب هروبا، وفي نهاية الأمر ينتهي الكاتب إلى تشكيل نوع من الهوية الجديدة التي لا تماثل هويته حسب الحالة المدنية، كما أنها لا تماثل هويته الاجتماعية.. في إحدى الأسئلة التي وجهت إلى فوكو كان فحواها أليست الكتابة بالنسبة إليه ضرورة رغم كل شيء؟.. جاء الجواب على النحو التالي:"كلا، ليست ضرورة على الإطلاق.. ولم أعتبر أبدا أن الكتابة شرف أو امتياز أو عمل خارق".. مثل هذه الإجابة يمكن اعتبارها صفعة أو لكمة في وجه معظم كتّاب الأعمدة في صحفنا المحلية وحتى العربية، خصوصاً أولئك الذين يعتقدون بأن كتاباتهم تفضي بما جاء به المسيح، أو هي في القرب أقرب إلى نون.. وما يسطرون؟!!.. في حين أن الصفعة تبدو منطقية تماماً إذا ما افترضنا أنه يتوجب على فعل الكتابة ألا يحيل إلى "الكتابة"، ويجب ألا تعدو "الكتابة" هدفاً بل وسيلة، كما أن "الأثر المكتوب" ليس الهدف في حد ذاته.. أرجوا ألا يفهم حديثي هذا على أنه إقصاء إرهابي لمتعة القارئ.. إذ أن توفير المتعة للقراء يمثل واجباً أوّليا بالنسبة لمن يقدّم هذه البضاعة أو هذا الشيء الحرفي.. كما لا أجد مبررا لفرض الضجر على من يُقْدم للقراءة.. يتعلق الأمر بالتوصل إلى شيء يكون في منتهى الشفافية على مستوى ما يقال مع وجود نوع من السطح البرّاق في الوقت نفسه، يجعلنا نجد متعة في مداعبة النص واستخدامه وتأمله وإعادة تناوله.. هذا هو مغزى الكتابة!!.. يمكننا أن نتصور الكتابة بمثابة كريات تتدحرج.. تلتقطها.. تتناولها.. وتقذف بها... وعلى طريقة فوكو يمكننا أن نصف الكاتب بصانع أسهم نارية.. بينما النص أو المادة المكتوبة بمثابة ألغام وكتل من المتفجرات.. 
لا أتقن صف تلك الكلمات التي توحي بالوداع، كما أعترف بأنني لا أجيد الكتابة في من أحب.. خبرٌ مثل توقف الأخ العزيز "الكسيف" عن عالم التدوين، دون سابق إنذار، كان بمثابة تحطم طائرة من طراز إيرباص إيه 380 بالقرب من نافذتي.. وكل هذا الصمت الذي يسود مدونتي جليٌ به أن يتحول إلى فوضى عارمة، ولكني أجد كل الكلمات تفرّ من بين يدي، وألوذ إلى صمتي من جديد، بعين توشك على الخروج من محجريهما، وبفمٍ يملئه الفراغ.. كانت الصدفة -وربما شيءٌ آخر- التي قادت الشقيق "الكسيف" إلى مدونتي، لأعيد له الزيارة مكللا إياها بأول تعليق يكتب في مدونته، ولي شرف الأولى.. خصوصاً ونحن قوم بني (أوّل) نتفاخر بأوّل درة خليج لكرة القدم، أوّل بئر نفط، أوّل من يخترع طرق للتهميش والتعذيب والتطفيش، فلا ضرر لو أني تفاخرت ولي حق التفاخر في أن أكون أوّل من كتب تعليقاً في مدونته.. بادئ ذي بدء.. استغربت لمدى جرأة "الكسيف" في استخدامه لبعض المفردات التي في ظاهرها تبدو وقاحة وقلّة أدب.. غير إني لا أخفيكم سراً أن قالب موضوعاته كانت تدفعك للبكاء ضحكاً، لسببين: الأول لأنها دائما ما تأتي على طريقة الكوميديا السوداء، أي بمعنى (شر البلية).. أما الثاني لخفة ورشاقة قلمه.. حينها، ترددت كثيراً في كتابة بعض الردود له، واكتشفت لاحقاً أنني لم أكن وحدي الذي يعتريه الارتباك حين يواجه مدونة "الكسيف"، جاء هذا الاكتشاف من خلال أحد ردود الأخ مجتبى المؤمن الذي يقول فيه أنه كاد أن يمتنع عن الرد في مدونة "الكسيف" لو لا مشاهدته لردي ولرد الأخت ابتهال سلمان.. هذا الارتباك ناجم عن مدى تقبلنا لأن يكون هناك أحدهم بيننا له القدرة في كسر كل الحواجز كل الخطوط الحمراء والصفراء التي تفصل بين ما نود أن نقول وبين ما نود أن نكتبه.. إشارة (+18) لم تشفع للشقيق أن يمارس كل هذه الصراحة التي تجرح أحيانا، إلا أنه استطاع أن يكسب الكثير من الأصدقاء.. هناك الكثير من بات بالنسبة له زيارة مدونة "الكسيف" أشبه باحتساء كوب من القهوة في الصباح الباكر، لن يكون هناك يوم دون احتساء قهوة، ولن يكون هناك يوم دون زيارة مدونة "الكسيف".. ولوهلة، ثمة تساؤل يصعد على السطح.. ما الفرق فيما يكتبه الشقيق "الكسيف" وبين مقالات زياد الرحباني، التي أدمنتها في وقتٍ ما؟!.. تلك الكتابات التي نادرا ما تخلو عن إيحاء جنسي، أو عبارات نعتبرها سوقية بعرف الصحافة وكتابة المقال، وبما تسنه علينا عاداتنا وتقاليدنا!!.. رأيته زياداً بحرانياً.. هكذا كنت أسوق شبه إجابة للسؤال السابق.. وعليه، تدور رحى النقاشات في أروقة صحيفة الوطن –حيث أعمل- وبين بعض الصحفيين حول طبيعة الكتابة الساخرة.. والسؤال الدائم، هل هناك كتابة ساخرة في البحرين؟!.. هل ثمة قلم يرتقي ولو بالشيء القليل عما يكتبه أحد مدّعي الكتابة الساخرة في إحدى الصحف المحلية، والذي في العادة يكتب مقالات مسخرة وليست ساخرة!!.. الإجابة على مثل هذا السؤال كانت بالنسبة لي هي دعوة لزيارة مدونة "الكسيف".. اليوم في وداعيته.. لا أرثي نفسي بخسارة شقيق.. بل أجدها خسارة كبيرة لقلم يعتبر من أجمل الأقلام التي تمتهن الكتابة الساخرة برشاقة لا أبالغ إن قلت أنها رشاقة محترف.. أكتب كل هذا.. ولا أنوي من خلالها أن أثني الشقيق "الكسيف" عما عزم عليه.. أكتب كل هذا، لأني أجد نفسي مضطراً للوقوف أمامك سيدي، وأرفع قبعتي من ثم ألصقها بصدري وأقول: لزيارة تدوينة ملاذ في ثورة سلامها بهذه المناسبة ادعس برفق هنا
على غرار سلسلة موضوع "للعباقرة فقط" والذي تجشم الشقيق الكسيف عناء نسجها في مدونته الغرّاء.. أسوق هنا سؤالاً، تاركاً لكم حرية التفكير في الإجابة عليه.. على أن يقوم الكسيف لاحقا بتحديد الجوائز المغرية كعادته.. السؤال يقول: لنفترض أن هناك مساران منفصلان لسكة الحديد، أحدهما سالكا يمر عليه القطار والآخر معطل.. وهناك مجموعة من الأطفال لا تقل عن 25 طفلا يلعبون على المسار السالك، وبالمقابل هناك طفل واحد يلعب على المسار المعطل.. وأنت تقف بجوار محوّل اتجاه القطار.. ورأيت الأطفال.. ورأيت القطار المليء بالركاب قادما بسرعة جنونية.. وليس أمامك سوى ثاني لتقرر أي المسارين يجب أن يتجه القطار: - إما أن تترك القطار يسير كما و مقرر له ويقتل مجموعة الأطفال.. - وإما أن تغير اتجاهه إلى المسار الآخر ويقتل طفل واحد.. فأيهما تختار؟!.. مع التعليل (يرحمكم الله).. 
تمخضت رحلتي الأولى لمعرض الكتاب الذي كان من المفترض أن تكون زيارة عابرة أسجل فيها انطباعي الأولي حول المعرض، على أن أقوم بالشراء في يومٍ لاحق.. تمخضت عن 20 كتاب بلغ ثمنها ما لا يقل 45 ديناراً.. في حين تتأرجح النفس بين زيارة أخرى وبين الإكتفاء المؤقت لما حصدته حاليا، خصوصا وأنني لا أملك الوقت لما تبتغيه النفس في الخيار الأول.. لم أكن مهيأ لهذه الزيارة التي قمت بها، ولم أعد عدتي لما سوف أستلّه من بين الكتب لأضيفه لمكتبتي الخاصة.. لذلك جاء اختياري للكتب على وقع الصدفة.. أكتشفت فيما بعد أن الـ 20 كتاب انقسموا بين كتب فلسفة لـ نيتشه وفوكو وفرويد ولـ دريدا.. وبين روايات مختلفة لـ كزانتزاكي وليوتولستوي ونيقولاي غوغل وللرائع هرمان هسه!!.. في حين كل ما كنت أطمح فيه هو أن أخرج من المعرض بكتاب (استعمالات الذاكرة) للدكتور نادر كاظم، الذي أحب اتجاهه وطريقة تفكيره، والذي أيضا أستطيع الحصول على كتابه فيما لو (تلفنت) للأخ الصديق حسام أبو أصبع.. وعليه.. أستطيع القول أن حصيلة هذا المعرض كانت (فلسفوائية)، وهذا المصطلح هو تهجين من كلمتين (الفلسفة/ الراوية).. أحببت أن أختم هذه التدوينة بأسماء الكتب التي اقتنيتها، على أمل معرفة ما اقتنيتون من زاد لأيامكم القادمة.. اسم الكتاب المؤلف - استعمالات الذاكرة د.نادر كاظم - ميشال فوكو فريدريك غرو - فلفسة كانظ النقدية جيل دولوز - نيتشه جيل دولوز - زرادشت نيتشه بيار هيبر، سوفرين - مولد التراجيديا فريدريك نيتشه - عدو المسيح فريدريك نيتشه - فكر فرويد إدغار بيش - حوارات ونصوص ميشيل فوكو- جاك دريدا - حمى الأرشيف الفرويدوي جاك دريدا روايات - غروترود هرمان هيسه - جيشا آرثر جولدن - أقاصيص سيباستوبل ليوتولستوي - أمسيات قرب قرية ديكانكا نيقولاي غوغل - خريف في الربيع باجين - زوربا نيكوس كازانتزاكي كتب مسرحية - حوارات المنفيين برتولد بريخت - الباب المفتوح بيتر بروك أخرى - مدخل لفهم اللسانيات روبير مارتان - الرجال من المريخ النساء من الزهرة د.جون غراي
يستحضرني كوبٌ من القهوة .. وأنا أوّد الحديث عن تلك التي يصفها محمود درويش بالأغنية التي تنسى دائماً أن تكبر، والتي تجعل الصحراء أصغر، تجعل القمر أكبر.. تلك التي ثمة ارتباط يربطها -لا أعرف ماهيته- يربطها باحتساء البن الصباحي وأنت تقلب صفحات جريدتك.. مما يجعل صباحك أشهى مختلفاً في اللون والطعم والرائحة عن كل الصباحات.. 
نهاد ربيع ذات الثلاثة والسبعين عاماً، أو فيروز كما فضّل حليم الرومي والد المطربة ''ماجدة الرومي''أن يسميّها، حين خيرها بين ''شهرزاد'' و''فيروز'' ليبقى الأخير قرين مشوارها الفني/ قرين القمر.. هي لا تملك جسم شيرين ولا سحنة باسكال ولا بياض كلودا، هى لا تملك إلا إفساد ذائقتنا كما أفسدت ذائقة فاطمة الناعوت في ذات مقال، إذ افترضت أن الحياة ستكون مليئة بالكثير من البهجة لو لم يكن صوت فيروز في حياتها..
جاءت معذبتي..
جاءت فيروز مرة أخرى لتفسد ذائقتنا وتعزز الفجوة بين مفهومي القبح والجمال.. جاءت بعد غياب طال عشرة أعوام من آخر مرة مارست فيه استبدادها الأنثوي عبر أجود الأصوات نقاوة وأكثر الكلمات رفاعة وبموسيقى لا يمكن وصفها إلا بكونها موسيقى..
خبر مجيئها لم يكن ليهز طرفي أو يثيرني لسببين لا ثالث لهما.. أولهما، أنني كنت أعي جيداً أن مسألة الحصول على تذكرة تخوّلني الاستمتاع باستبدادها هو ضربٌ من الخيال، صعب المنال، أو هو في الشبه أشبه بالبحث عن إبرة في كوم قش.. وما مسألة نفاد تذاكرها في غضون أقل من ساعة زمان، إلا سبباً آخر يعزز شعوري باستحالة تحقيق ذلك.. أما السبب الآخر، فيعود لارتباط فيروز بكوب القهوة.. ولا أعرفها دون أن أكون معانقاً لكوب قهوتي، تغسل صباحي (من عز النوم) بـ (مرسال المراسيل)، وتمشطه بـ (كرم العلالي) (في آخر السهرية)..
ألملم ذكرى لقاء الأمس..
ربما هي الصدفة، أو عدم إدراكي لآلية السببية المعقدة كما يحب أن يدعوها (بورخس) تلك التي قادتني للقائها.. مزيجٌ من الأخيلة المركبة/ المربكة هو ببساطة ما يمكن أن تصف به هذا اللقاء.. أن يرزقك الله من حيث لا تحتسب ثمة تذكرة في ظل تضارب الآراء حول عملية بيع تذاكرها، وفي ظل هذا التلهف على الفوز بواحدة منها، كانت أشبه بالصدمة المربكة لدرجة أن تقود سيارتك متجهاً لقلعة عراد حيث موعدنا مع (القمر تحت المشمشمة)، لتكتشف نفسك بين أحضان جزر أمواج!!.. جزر أمواج؟!.. هل هو نوعٌ آخر وجديد من أنواع استبداد فيروز، حينما تلتهم في لحظة كل المسافات والزمن؟!..
تعود بأدراجك ناحية الطريق المؤدي إلى قلعة عراد، يغالبك الشك في كل الطرق التي تحفظها عن ظهر قلب، وينازلك الظن بأن ثمة ما ليس له علاقة بالحقيقة يشوب ليلتك هذه، لكنك تعيشه..
تلوح قلعة عراد.. وأنت تهرول تجاهها، بعدما أركنت سيارتك بعيداً، تفادياً لطابور السيارات الطويل، ومخافة أن يأخذك الوقت عن إطلالتها الأولى/ عن النظرة الأولى.. تلمح الاكتظاظ البشري على البوابة الرئيس وتدافع الجمهور عبرها لحجز مقعدٍ لهم داخل المسرح.. لكأن الشك يطال فكرة ألا تنال كرسياً، لكأن الظن يراودك رجلاً قد يصعقك بخبر امتلاء المسرح، ولن تتمكن من الدخول، فتفز من حلمك الذي لا توّد الاستيقاظ منه.. مع ذلك، فإن لمحة الفرح كانت بادية على كل من ينتظر دوره لتجاوز هذه البوابة للولوج في فردوس فيروز، شيء أقرب للعيد ذلك الذي يدفع بالواقفين لتبادل القبلات بين بعضهم البعض، وكأنهم لم يروا بعضهم دهراً .. ثمة شخص لم يكن كالآخرين، بدا عابساً.. ربّت على كتف خليلي وقال: ''هل لديك تذكرة للبيع؟''.. هز صاحبي رأسه، فأبتعد لشخص آخر يسأله..
تتجاوز البوابة الرئيس بعد انتظار تحسبه دهراً، لكنك لا تنتهي إلى حيث ما تشتهي.. إلى اللحظة التي تفضح فيها ليلتك بمدى حقيقتها أو بمدى روعة خيالها.. فتصطدم بطابور آخر يسلبك هاتفك المتنقل إلى حين انتهاء الحفل، تسمع من وراءك يهربد متذمراً: ''ما هي العلّة في أخذكم لهواتفنا؟!.. ما هو السبب''.. وفي داخلك تجيب: ''لا يهم.. ليأخذوا ما يشاءون.. وليدعوني أمر''..
مررت.. لكنه هناك طابور آخر يقوم بتفتيشك بجهاز أشبه بأجهزة المطارات.. وبالقرب منك تتعرى حقائب النساء بواسطة جهاز تبتلعها من جهة، لتتقيأها من جهة أخرى..
عادروب الهوى..
مشيت والهوى يقيس خطواتي التي تتوسع شيئاً فشيئاً، بحثاً عن كرسي يرجع أنفاسي.. مال رأسي نحو السماء ألاحظ غياب القمر.. وقتها، أسرفتُ في سرد أعذار غيابه.. فليلتنا هذه لا تقوى على حمل قمرين في الوقت ذاته وسط سماءها..
الأربعون موسيقياً ومنشداً تسللوا تحت خفقان قلبك المتسارع لأخذ مقاعدهم على خشبة المسرح.. يهز المايسترو يده اليمنى لتنساب موسيقى (ميس الريم) لأذنك، فتشعر بأنك والقمر جيران، على الرغم من عدم بزوغه بعد..
ما إن يبدأ عزف أغنية (في قهوة ع المفرق).. ينم شدقيك عن ابتسامة عريضة، مؤكداً ارتباط فيروز بالقهوة، وقتها كنت بحاجة ماسة لكوب قهوتي.. ووقتها نمّت عن الجمهور صرخة اهتز لها الكرسي الذي كنت جالساً عليه، هممت برأسي محدقاً إلى عمق المسرح،لتظهر فيروز تختال في مشيةٍ أقل ما يقال عنها، أنها أروع ما يفترض على أنثى أن تخطو بها على الخشبة.. عانقت المايكروفون وكأنها تعانق بحب كل شخص موجود.. أخذت تغني : ''في قهوة ع المفرق في موقده وفي نار.. نبقى أنا وحبيبي نفرشها بالأسرار''.. لنطير بعدها بخافقين صوتها مع (طيري يا طيارة).. لنصل إلى بيروت لـ (لبنان يا هالغالي)..
ميلان كتف السيدة فيروز المقتصدة في حركتها إلى حد الاهتزازات البسيطة فيه، أو تكتفي بهزة يدها اليسرى.. اقتصاد يصل إلى انتقال طفيف في عينها بين الجمهور وبين حركات يد المايسترو، التي تشعل بها ثورة النوستالجيا.. هذا الميلان للكتف عندما يزيد عن حدّه المسموح به ناحية اليسار، فهذا يعني أنها ستغادر الخشبة كما جاءت بخطواته الثابتة..
لكنه مجرد فاصل موسيقى لا يتعدى الثلاث مقطوعات، لتعود مرة أخرى، لتأخذ عشاقها إلى محاضرة في تعليم الحب، عبر (لا إنت حبيبي ولا ربينا سوى)، ونحو (عم يلعبوا الأولاد).. فتنساب في توليفة رائعة من أغانيها مثل: (لبعدك بتذكر يا وطن)، (ع الطاحونة)، (كيفك أنت)، (آخر أيام الصيفية)، (عودك رنان)، (اشتقت إلك)، (حمرا سطيحاتك حمرا)، (بعدنا)، وكانت (سهرتنا ع ادراج الورد).. وغيرها من أغانيها القديم المتجدد..
تخللت هذه المعزوفات استراحة من عشرين دقيقة، كانت فرصة مناسبة للسيدة فيروز بتبديل فستانها الرمادي اللون، إلى فستان أبيض بدت فيه أكثر جمالاً وتألقاً.. وكانت مناسبة لي للراحة من إزعاج أحد المتفرجين من إحدى الدول الشقيقة، الذي كان همه الأول والأخير أن يهز جسده بصورة غريبة، وكأنما الحفلة كانت حفلة لإحدى مطربات (الهشّك بشك) ولم تكن للسيدة!!.. وبالنسبة له كانت فرصة ليريح حنجرته التي تعبت من كثر الزعيق والمطالبة بأغنية (عودك رنان) التي أعتقد وأجزم أنه لا يعرف غيرها على الإطلاق..
قهوة ع المفرق
خطواتي التي كانت تعبر البوابة الرئيس مرة أخرى خارجة من المسرح كانت أكثر هدوءً، لكن نفسي المضطربة كانت أشد اضطراباً بين حقيقة هذه الليلة أم أنها مجرد حلم عابر.. وأحوج ما احتجته وقتها، هو بعض القهوة.. وأن ألملم ما بعثرته فيروز مني..
وصلتنا نصيحة الشقيق آية مداس الله التي نعتبرها أشبه بالفتوى.. من تبعها نجا ومن تخلف عنها هلك.. وعليه تم غلق موضوع (كفرت بربكم) وحذف جميع الردود قاطبة.. وذلك درءً للفتنة التي حاول البعض جر الموضوع جراً لها، وهو ما لا يتناسب مع جو المدونة.. 
كل هذا الخواء ليس بحاجة لشيءٍ ما، أكثر ما هو بحاجة إلى صدمة هي في قوتها أقرب إلى استشهاد عماد مغنيه، لكي يتعرى من كل هذا الصمت الذي يدثره.. كل هذا الخواء كان بحاجة لعودة ربيع الثقافة مرة أخرى، نغمة التهميش ونفاذ تذاكر نهاد أو فيروز كما تحب الناس أن تدعوها.. حتى عودة مداس آية الله للتدوين كادت أن تثيرني للكتابة.. هذا الخواء كان كفيلا بالوقت أن ينسفه بأي شكل من الأشكال.. استوحشني هذا الفضاء العنكبوتي، بمقدار ما استوحشني مرتاديه وأكثر.. وأكثر من هذا وذاك، أنني أتوق للكتابة.. لغواية المفردات وفتنتها.. لكن كل الكلمات/الفتنة لم تسعفني في كتابة كلمة واحدة أو شبه كلمة في كل ما سبق وأكثر، ولا الوقت بالطبع.. شيءٌ واحد هو الذي دفعني مرة أخرى للكتابة.. ربما هي الصدفة أو عدم ادراكنا لآلية السببية المعقدة كما يحب أن يدعوها (بورخيس) التي دفعت بـ (aliali78) بإرساله تعليقا على متصفحي، جاء فيه: aliali78 أهلين اخوي بس حبيت اقولك أن أسم عبد علي وعبد الحسين وغيرها من أسماء تجعل العباده لغير الله هي شركيه والأعتقاد بذلك هو شرك اكبر يخرج من المله اللهم اني قد بلغت اللهم فأشهد وأتم نى نكون اصدقاء.. آثرت حينها أن يكون ردي على هذا التعليق من خلال المدونة.. فأقول: 1- شكراً جزيلا أخي (aliali78).. فلقد قمت بما عجز عنه عماد غنيه، وربيع الثقافة، وفيروز، ومداس آية الله.. لو لاك لما كنت أدري متى سينكسر كل هذا الصمت.. لو لاك لما كنت أعرف للخواء من معنى غير الصمت.. لكنك علّمتني معناً آخر.. 2- شكراً.. فلو لاك لما زلت أقبع في الظلمة.. وبتعليقك يا سيدي انتشلتني من غياهب الجب إلى نور.. 3- يا سيدي الفاضل.. بعيداً عن تفاصيل حرمة وحلية التسمية بـ عبدعلي وعبدالحسين، الذي لا أرى ممن هو في مثلك من الإضمحلال في الفكر والتفكير أن يستوعب كلمة واحدة مما قد أقول... فأنا هنا أكتفي بالقول: أن أُغضب ربك باسمي، خيرٌ من أغضبه بفعلٍ آخر.. 4- يا سيدي.. لهو شرف عظيم بالنسبة لي أن أعلن شركي وكفري بربك هذا الذي همه الأول الأخير من عباده سوى مراقبة أسماءهم.. دون أن يلقي على ايمانهم دون اعتبار.. هنيئا لكم هذا الرب الذي لا يحتاج لدخول فردوسه سوى حذف كلمة (عبد) من الأسماء.. 5- أني لأرتقي مرتقا عظيما حينما أعلن بفمٍ ملآن.. أنني خارج ملتك التي شغلها الشاغل أن تدخل عباد الله في ملتها وتخرج آخرين.. أنا خارج ملتك حتى ولو كان اسم أبي (جون).. أنا خارجها، تلك التي تكفر هذا وتصف ذاك بالشرك.. لكأنما الله قد وهبها قلماً أحمر، تصحح فعل عباده كما تراه!!.. 6- ولكي اطمأنك أكثر يا سيدي.. فعندما أقابل ربك.. وعندما يسألني عن اسمي.. أعتقد أنه لدي الإجابة الوافية لمثل هذا السؤال.. 7- اللهم إني بلغت.. اللهم فأشهد.. 
عندما قمت بإدراج العدّاد الجديد على هامش المدونة، والذي يقوم بتوضيح الزائر من أي دولة كان، لم يكن في الحسبان أن ثمة شخصٍ أمريكي الجنسية أو دانماركي أو حتى يوناني، قد يزور مدونتي.. ولا حتى بمحض الصدفة.. وإذا استثنينا الصديق عمّار عبدالعزيز الذي يدرس في فرنسا، ففرنسا لن تبتعد عن قائمة الدول المستبعدة من توّقع زيارتها... لكن.. أن يزورني إسرائيلي فهنا علامة تعجب!!.. تجدر الإشارة أن هذه الزيارة جاءت مواكبة في الفترة الزمنية للمشادة الكلامية التي دارت بين وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وبين نائب الإخوان المسلمين في كتلة المنبر الإسلامي ناصر الفضالة، إثر مطالبة الأخير من الوزير أن (يغسل يده سبع مرات ثمّ يمسحها بالتراب لعله يتطهرن من النجاسة).. وبعيداً عن العدد الصحيح للطهارة، سبعة كان أو تسعة عشر، فإن الوزير لم يتوان عن الرد بغسلٍ أكثر دراماتيكية بقوله: (لتمسحوا أنتم أيديكم الملطخة بدماء الفلسطينيين).. خلال هذه الجلسة الملتهبة مارس النواب عنتريتهم المشهودة، التي تغيب طويلا في أمور كثيرة، لتظهر فجأة على غرار (فزعة) ربيع الثقافة.. والغريب أن هذه (الفزعات) لا تأتي إلا برفع الصور على طريقة رفع المصاحف على أسنّة الرماح.. فكما تفضل النواب في ربيع الثقافة برفع صور قيس وهو مستلقي على مؤخرة ليلى، ها هم يرفعون هذه المرة نماذج من صور المأساة الفلسطينية.. وإن كنت أميل كل الميل إلى ما ذهب إليه الأخ الصديق عادل مرزوق في عموده بصحيفة الوسط، والمعنون بـ (وزير الخارجية... أمام بطولات النواب).. خصوصا عندما يصف تلك اللغة التي كانت تسيطر على مداخلات السادة النواب بلغة المقاومة والجهاد والوقوف الصلب والتاريخي و"الاستنائي" أمام (إسرائيل).. إلى جانب وضعه للنقاط على حروف مسؤوليات أي وزير خارجية يقوم بتنفيذ ما أقرته الجامعة العربية، وما تمليه عليه واجباته الوظيفية كدبلوماسي عربي.. حيث يقول: "لا يحق لنواب البحرين التي وقعت على اتفاقيات ومعاهدات دولية –أقرها المجلس النيابي- كانت تشترط فتح اقتصادها أمام دول العالم كله، استهداف وزير من الوزراء أو مسؤول من المسؤولين حين يقوم بما تمليه عليه واجبات عمله".. وقد أشار الوزير في رده على مداخلات النواب ما يفيد أن إعلاق مكتب المقاطعة في البحرين، قد جاء بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع أمريكا.. هنا يتضح أن الأجدر للسادة النواب ممارسة عنتريتهم المشهودة ضد هذه الإتفاقية والإتفاقيات الأخرى التي تشترط فتح اقتصادها أمام الدول الأخرى كلها.. لا أن يعلنوا (الفزعة) على ترسبات هذه الاتفاقيات!!.. البحرين كانت السبّاقة في قبول اتفاقية التجارة الحرة والأسواق المفتوحة، وهي لا تملك إلا القبول بها لكونها جزءً من مقتضيات انضمامها لمنظمة التجارة العالمية.. وعليه، فإن هذه الاتفاقيات تحصل –بشكل أو بآخر/ شاء أو لم يشأ- على مباركة النواب أنفسهم.. الحديث عن تجارة عالمية هو نفس الحديث عن نهاية حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما تحول العالم إلى مرتع فسيح للرساميل ذات الأرقام المؤلفة من تسعة أصفار أو أكثر، فقد راحت تجوب الأرض من أقصاها إلى أقصاها باحثة عن توظيفٍ لكل هذه المبالغ.. وصلت هذه المنافسة بين حكام الاقتصاد العالمي إلى حد (الضرب تحت الحزام) تأميناً لمصالحهم وزيادة عوائدهم.. الرئيس الأمريكي (جورج دبيلو بوش) يعرّي بشكل واضح مدى خطورة هذه الشركات في خطابه في مونتيري، عندما نقل الرئيس المواجهة إلى الحقل الاقتصادي بتوظيف نتائج العمليات العسكرية في افغانستان.. ولا ننسى أن لـ (الحملة العالمية لمكافح الإرهاب) جذوراً اقتصادية، هاجمها بشكل لاذع وشرس المخرج الأمريكي مايكل مور في فيلمه قبل الأخير (فهرنهايت 9/11).. فالمعارك التي دارت في افغانستان والعراق لا تتعلق بطالبان والقاعدة وبن لادن.. ولا بصدام ولا هي رأفة بالشعب العراقي.. بل كانت عيون الامريكان موجهة نحو بحر قزوين وأرض العراق، حيث يكبث أهم الاحتياطات العالمية الواعدة جدا في النفط والغاز.. وعليه، يقول الزعيم الكوبي (فيديل كاسترو): "النظام الحالي للإقتصاد العالمي يشكل نظاما للنهب والاستغلال لم يسبق له مثيل في التاريخ".. ويضيف: "لقد أصبح الإقتصاد العالمي اليوم ناديا ضخما للقمار، وأن التحليلات الأخيرة تشير إلى أن مقابل كل دولار ينفق على التجارة العالمية، ينفق مبلغ يزيد على مئة دولار على عمليات المضاربة لا علاقة لها بالإقتصاد الحقيقي".. طبعا.. إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي بين كل هذه اللعبة.. بل هي اللاعب الأساسي فيها.. وبما أن مملكة البحرين هي جزء من اللعبة أيضا، بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة، ليرتفع الميزان التجاري للبحرين إلى مليار ونصف المليار دولار بعد توقيع الاتفاقية.. فهذا يعني أن البحرين وإسرائيل يلعبان في نفس الملعب.. بعد كل ما سبق، يبدو سخيفا لحد القبح أن يرفع النوّاب صوراً للمأساة الفلسطينية.. أو أن تقدم اللجنة البرلمانية المؤقتة لمناصرة الشعب الفلسطيني بطلب مخاطبة الحكومة من أجل توجيه الوزير بمقاطعة مؤتمر السلام الدولي بين العرب والصهاينة الذي دعت إليه الولايات المتحدة الأميركية بهدف تحقيق السلام بين الصهاينة والفلسطينيين.. وأكثر سخفاً هي الرغبة بتوقيف جميع أشكال التطبيع والاتصال بجميع أنواعه وأشكاله بين حكومة البحرين وحكومة الكيان الصهيوني، في الوقت الذي أيدينا ليست ملطخة بدماء الفلسطينيين وحسب، بل بدماء كل أفغانستاني وعراقي بريء.. وأكثر من السخف السابق أن بعد كل هذا أستغرب أو أتفاجئ من زيارة إسرائيلي لمدونتي!!!!.. 
في زيارتي الأخيرة لمقر مسرح الصواري.. وكعادتي عندما ينفلت مقبض الباب الرئيسي من راحة كفي أزعق بصوتٍ ملؤه الحماس (هلااااا أستاااااااذ).. وأعني بذلك الأستاذ عبدالله السعداوي الذي أستوحشه كثيرا بعدد الشعرات البيض الفارة من لحيته المجنونة.. لا يهم إن كان متسمراً أمام شاشة التلفاز في الصالة الرئيسية أم في وكره بغرفة الإدارة حيث يختفي وراء كومة من الكتب، فأنا متيقنٌ أنه سيكون موجوداً في المسرح.. طبعا يعود هذا التيقن لسببٍ يتيم، وهو لتواجد سيارته التي تشبهه كثيرا في مسألة الوقوف في مكان محدد وشبه مخصص له أمام البناية المتهالكة في العدلية، كما هي أماكن تواجده مخصصة ومحددة داخلها.. وقتها لم يكن السعداوي أمام شاشة التلفاز، الذي كان ما يكون يشاهد فلن يتعدى روتانا زمان.. محمود المليجي.. شادية.. أنور وجدي.. فريد شوقي.. والقائمة تطول.. وأذكر جيداً الحالة التي نصاب بها بعمى ألوان لكثرة مشاهدة الأفلام المصرية ذات اللون الأسود والأبيض.. والمعادلة تقول عندما يغيب السعداوي عن التلفاز لن يبتعد كثيراً عن تناول وجبته التي لا يكل ولا يمل منها وهي أحد الكتب في غرفة الإدارة، ممسكا بقلم وورقة بجانب الكاتب يلخص ما يقرأه أو يكتب شيئا جديداً.. وعليه، توجهت إلى غرفة الإدارة.. استقبلني بابتسامته الطفولية.. فعلى الرغم من كل هذا المشيب الذي يغزو وجنتيه، إلا أنه لم يستطع أن يمحو ملامح البراءة من وجهه.. بادرني بالقول: "هلا.. حبيبي حسين.. وينك؟!".. ثم سألني إن لاحظت الكتاب الذي في الصالة الرئيسية، فهو هديتي من شخصٍ ما.. لي أنا؟!.. معتادٌ أن أسرق أو أستعير -بشكل أدق- الكتب من مالكيها.. وفي أسوء الأحوال ألجأ إلى الصديق حسام أبو أصبع ليهديني بعض الكتب، أو أبتاعها من إحدى المكتبات المهترئة.. وإذا ما استثنينا إهداء الصديق خالد الرويعي لكتاب "درس من النور"، وكتاب الصديق المشاكس دائما حسام أبو أصبع "صناعة التاريخ بالتأويل"، بالإضافة لكتابات الأستاذ عبدالله السعداوي.. يأتي هذا الاستثناء بحكم الصداقة والعلاقة الحميمة التي تربطني بهم.. بالإضافة لكتاب الدكتور نادر كاظم "طبائع الإستملاك" الذي تسولته من خلال أبو أصبع، وديوان الأخت زينب الليث "ظفائر الانتظار" الذي حضرت حفل تدشينه.. فإن مسألة أن يهديني أحدهم كتاباً، فهذا أمر جديد وطارئ.. أسرعت إلى الصالة الرئيسية وأنا أسمع دمدمة السعداوي متسائلا عن مصير أحد الكتب الذي يريدني أن أقوم بإخراجه ولكن لا يسعفني الوقت لذلك.. وعلى إحدى الطاولات وجدت ظرفاً أبيض خط عليه بخط إلكتروني (إلى الأخ/ حسين عبدعلي المحترم).. فتحت الظرف وكان به كتاب (صائدو اللؤلؤ) لـ ألبيرلوندر، ترجمة الدكتور منذر الخور.. (صائدو اللؤلؤ) من الكتب التي يمكنك أن تلتهمه في قضمة واحدة.. من الغلاف إلى الغلاف، أو من الجلدة إلى الجلدة إذا أحببت.. تصدى الدكتور منذر الخور لهذا الكتاب الذي تم نشره لأول مرة على هيئة تقرير من إحدى وعشرين مقالة في جريدة (لي بتي باريسيان) الفرنسية، وبالتحديد في الفترة من أكتوبر إلى نوفمبر 1930م.. وأنزله أيضا على هيئة 21 حلقة في جريدة (الوقت) في أبريل 2006م.. وإذا لم يتسنى لي الوقت لمتابعة الحلقات عبر الجريدة المذكورة، لم يرضى الدكتور مشكوراً أن أخسر هذا الكم من المعلومات التي أخجل من عدم معرفتها وأنا الأولى من هذا الـفرنسي ألبيرلوندر، الذي قطع الأرض جنوبا وغربا ليحصل عليها.. يستعرض ألبيرلوندر رحلته الشاقة والمطولة بحثا عن صائدي اللؤلؤ، وتحديداً عن جزيرة تنام على صفحة مياه الخليج العربي الفيروزية، أشبه بسلة أميرية تظللها قبة من السحب الوردية، إنها البحرين، البحرين الشهيرة، الجزيرة السحرية، حيث تخرج النساء الفاتنات صباح كل يوم من حمامهن ويسرن فوق الرمال وأيديهن مكسوات باللآلئ!.. هكذا كان الكاتب الفرنسي يصف البحرين، ويتفنن في وصفها بأشكال ومفردات عدة قبل وصوله إلى البحرين.. لكنه بعد كل هذا الترحال.. وبعد أن يراها مرأى عين قد وقد يقول غير ذلك.. فمن السويس إلى جدة أو بلد الفضيلة كما يحب أن يسميها، ردا على رسالة وصلته وتسلمها قسرا من يدي أحد أعضاء "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، والتي تسن له بالرمح والسنان كل ما هو حلال (بلال) وما هو حرام عليه.. إلى جيبوتي الجميلة كما يقول عنها.. مرورا باليمن ساحل القراصنة بدبي.. ليحط رحاله بعد عناء شديد على سواحل الجزيرة السحرية كما كان يعتقدها.. "المدينة برمتها رائحتها نتنة جدا، حيث تفوح منها رائحة الشعب المرجانية.. وتوجد فيها قطعان من الماعز، ويوجد رجل فارسي مرتد طاقية جميلة من الورق المقوى على رأسه! ورجل أعمى.. ويتحدث الأطفال عن اللؤلؤ، ويتحدث الرجال عن اللؤلؤ.. وفي هذا المقهى الريفي المقام على الطريقة التركية يتحدثون عن اللؤلؤ.. ويتحدثون عنه في السوق.. ويعرض علينا هذا الشحاذ قواقع تشوبها عيوب، وهو أعمى أيضا.. أسراب من الذباب تحوم غدوة ورواحا، ويتطاير السرب أحيانا يمنة ويسرى، وينبغي عندها الفرار منه.. وتوجد فتاة جميلة سوداء، لا شك أنها أمة.. وأبقار تأكل.. ماذا تأكل؟!.. نعم، حقا؟!.. تأكل سمكا وتمرا.. إنها البحرين".. نعم إنها البحرين حيث لا غرابة أكثر من غريبها.. أبقار تأكل سمكا وتمراً!!.. ولكن الأجمل من كل هذا أن السيد ألبيرلوندر لم يقض نهاره الأول على الجزيرة التي يحلم بها إلا وهو في مخفر الشرطة وبزيارة جبرية إلى المدعو السير "تشارلز بلجريف" مستشار حكومة البحرين في الفترة 1926-1957م.. حيث جاء في مذكراته سردا يتطابق مع قصة السيد ألبيرلوندر.. لا يسعني أن أوجز كل هذا الكتاب في هذه المساحة الصغيرة.. خصوصا وأنه ملم بالكثير من التفاصيل حول طريقة عيش الغواص.. وحول لعنة اللؤلؤ والـ (يا مال).. هذا المال الذي لا يأتي.. تفر قوتك من بين عضلاتك ولا يأتي.. تفقد بصرك وأنت تبحث عنه، ولا يأتي.. تبتر قدمك أو تحمل على النعش، ولا يأتي.. هنا يكشف ألبيرلوندر -كما يقول الدكتور منذر- لقرائه كيف أن (عجائز) في سن الخامسة والثلاثين قد أصيبوا بالصمم والعمى والسل، أو أنهم يقضون نحبهم جرّاء انفجار رئاتهم، لكي يتسنى للمحظوظين، على الجانب الآخر من العالم، أن يظهروا، على الملأ، ثراءهم وأناقتهم..
لا أنوي من خلال هذا العنوان أن أدغدغ تطفلك –عزيزي القارئ-، فأنا أعي جيداً الترسبات السلبية الناتجة من وراء قراءة هذا الموضوع.. وأعي جيدا أن استخدامي لهذا العنوان لا يأتي على طريقة عناويين الصحف الصفراء التي تحاول التلاعب بمشاعر القراء لتنتهي بعدد من القراء ما يفوق المتوقع.. فمن الأفضل لك يا سيدي أن تغلق هذا المتصفح، أو أن تنتقل إلى موضوع آخر في هذه المدونة لتقرأه بدلاً من هذا الموضوع.. وبما أنك ما زلت تقرأ، فهذا يعني أنك مازلت مصراً على قراءته.. وبما أني استنفدت كل الطرق لثنيك عن محاولة إتمام القراءة، وتجنبك ما لا يحمد عقباه ، فهذا يعني أن لي الحق في سرد الحكاية من أولها، وأحملك المسؤولية فيما تجنيه.. في حمام غرفتي –أكرمكم الله- تتكوّد مجموعة من المجلات والكتب القديمة، أتسلى بقراءتها من حين لآخر.. بالأمس، وقع في يدي عدد من أعداد مجلة (العربي) رقم 477 فبراير (شباط) 1996م.. ومع تقليبي لصفحاتها شدّني أحد موضوعاتها المعنون بـ "جيش المهمات القذرة" بقلم شوقي رافع.. أقتطع من هذا الموضوع الآتي: "كم تبلغ نفقات (البنتاجون) في الثانية الواحدة؟.. السؤال طرحته صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية، وتولى (مركز المعلومات العسكرية) في واشنطن الإجابة، وجاء فيها: إن هذه النفقات تصل إلى مبلغ 8612 دولاراً في الثانية، وإلى 516 ألفا و720 دولاراً في الدقيقة، وإلى ما يزيد على 3 ملايين دولار في الساعة الواحدة. وتعلق الصحيفة: إن ميزانية أسبوع فقط للبنتاجون قادرة على توفير ما يزيد على 400 مليون وجبة مجانية للشعوب الجائعة في إفريقيا".. إلى حد الآن والموضوع يعبر عن نفسه بنفسه، وبشكل أو بآخر أجد نفسي مضطرا لربط هذه الفقرة من الموضوع بإعلان تليفزيوني لقناة دبي (أنت تختار) والتي قامت بعرضه مرات متكررة في شهر رمضان الماضي، وبصيغ مختلفة لهدف واحد وهو التبرع لتعليم أطفال وأبناء الدول الفقيرة.. وفي الوقت الذي أعترف بعدم استساغتي للمسلسلات والبرامج الرمضانية، أجد نفسي مضطرا للإعتراف بمدى حرفنة وإبداع فكرة هذا الإعلان، الذي يدفع بالمرء للمقارنة بين ما يمكن الإستغناء عنه لمرة واحدة بمقابل أن يضعه في مجال خيري يطول فيه زمن الإفادة منه.. مثل: - مساحيق تجميل بقيمة 500 درهم = بـ 500 درهم تعليم طفل في أحد البلدان الفقيرة.. - 1500 درهم قيمة جهاز جوال = 1500 درهم قيمة مصاريف مدرسية مع الكشف الطبي لخمسة طلاب لمدة عامين.. ولكن.. هذه الكلمة التي استخدمها كما عرّفها الممثل (إيدي مورفي) في أحد عروض المنولوجست بأنها تنفي كل القول الذي يسبقها، فأقول: ولكن.. أليس من الأجدر أن نحاول أن نكسب ميزانية أسبوع فقط للبنتاجون المقدرة بما يزيد على 400 مليون وجبة مجانية للشعوب الجائعة.. بدلا من إرسال البنتاجون 400 مليون صاروخ إلى هذه الشعوب؟!.. الجدير بالذكر أن نشير أو أن نسأل عن مصدر هذه الميزانية الخيالية التي تصرف للبنتاجون أسبوعيا.. تاركا لكم حرية ربط العلاقة على طريقة اسئلة صل بين الطرفين، بين الدول العربية -والخليجية بالتحديد- وبين خزينة البنتاجون.. أما زلت تقرأ؟!.. لم أكن أنوي سرد موضوع إعلان (أنت تختار) إلا لكي أهون مصيبتك؟!.. مازالت الفرصة أمامك متاحة لغلق المتصفح.. (براحتك!!!).. يكاد (لارك إيريك نلسون) يخرج من جلده وهو يكتب في صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية، حين يقول: "الشيزوفرانيا –أي إنفصام الشخصية- هي السائدة هنا في أمريكا، فالكونجرس يوافق مثلا على إنتاج 20 طائرة من نوع (B.2) –الشبح- ومهمة هذه الشبح أن تتجول أثناء الحرب النووية حول الإتحاد السوفييتي، وأن تجد أهدافا تقصفها.. ولكن أين هو الإتحاد السوفييتي اليوم؟!".. وإن كان يستشهد نيلسون برئيس لجنة الميزانية في مجلس النواب (جون كاسيتش) بقوله: "لا أتصور أن هذه المهمة مازلت قائمة".. ولكنه في تصوري الشخصي أن هذه الطائرات التي تصل كلفتها إلى 8 مليارات دولار، والتي لا تريدها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تجد سوقا رائجا في الدول الخليجية، التي تتسابق لما تسميه بالتسلح، فتقوم بشراء هذه الخردة، مقيمين عند هبوطها على الدول الخليجية احتفالا عظيماً وكبيراً.. وبالتالي يكون الكونجرس الأمريكي هو الذي يريد هذه الطائرات وليس البنتاجون.. في وقت لاحق.. ذكرت صحيفة الوول ستريت الأمريكية أن الوجبات الغذائية والتجهيزات السكنية وبقية الخدمات الأخرى التي تحتاجها قوات الإحتلال الأمريكية في العراق ستكلف مبلغ أربعة مليار دولار زائدة عن المبلغ الذي رصدته أصلا وزارة الدفاع الأمريكية.. الحديث هنا أو هناك.. أو في أي مقطع يذكر فيه (البنتاجون) لابد أن يأتي مسبوقاً أو متبوعاً بالملايين أو المليارات.. في ظل تواجد الملايين ممن يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً.. والملايين من الأطفال الذين يموتون بسبب الفقر والجوع والملاريا يومياً.. وملايين النساء اللاتي يمتن أثناء الوضع لعدم توفر الرعاية الصحية يومياً.. كل هذا يأتي تحت سياق (حرب إلى الأبد) و (العسكر يحكمون.. الشيزوفرانيا هي السياسة السائدة هنا).. وما طلبي لك –عزيزي القارئ- بعدم قراءة هذا الموضوع ما كان إلا لكي لا أعكر صفو قهوتك، أو أمزج سعادة يومك بسواد كتابتي.. وإذا لم يحدث هذا ولا ذاك فلقد خسرت وقتك الثمين بقراءة هذا الموضوع، وكنت لا أتمنى أن يحدث ذلك.. لكنك أبيت.. 
أنا صامت >> إذا أنا أفكر >> بل أفكر بعمق >> إذا أنا موجود >> بل موجود بعمق
أحب أن أبدأ هذا الموضوع بطرفة تتصل بأمرٍ في نفسي، لا في نفس يعقوب.. الطرفة قرأتها أكثر من مرة وقد تم تداولها في المنتديات وعبر البريد الإلكتروني، وهذا مفادها: رسب أحد الطلاب في مادة التعبير، وهذا أمر غير اعتيادي أن يرسب طالب في مادة سهلة كالتعبير، وعندما سُئل المدرس عن سبب رسوب الطالب في المادة قال: "والله يا أخوان الطالب ما يركز.. كل مرة نعطيه يكتب عن موضوع يخرج عن الموضوع".. قالوا: "اعطنا عينات من مواضيع التعبير التي كتبها".. فقال المدرس على سبيل المثال: "طلبت منه أن يكتب موضوعاً عن فصل الربيع.. فكتب: (فصل الربيع من أجمل الفصول في السنة، تكثر فيه المراعي الخضراء، مما يتيح للجمل أن يشبع من تلك المراعي، والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش أياما، ويستطيع المشي على الرمل بكل سهولة ويسر.. ويربي البدو الجمل، فهو سفينة الصحراء، فينقل متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى.. والجمل حيوان أليف.... إلخ).. فقال المدرسون: "قد يكون قرب موضوع الربيع من الجمل وارتباطه بالرعي هو الذي جعل الطالب يخرج عن الموضوع".. فقال المدرس: "لا.. خذوا على سبيل المثال هذا الموضوع الذي طلبنا من الطالب أن يكتب عنه.. اكتب عن الصناعات والتقنية في اليابان.. فقال: (تشتهر اليابان بالعديد من الصناعات ومنها السيارات، لكن البدو في تنقلاتهم يعتمدون على الجمل، والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش أياما، ويستطيع المشي على الرمل بكل سهولة ويسر.. ويربي البدو الجمل، فهو سفينة الصحراء، فينقل متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى.. والجمل حيوان أليف.... إلخ).. قال المدرسون: "هل هناك موضوع آخر؟!".. فأجاب المدرس: "كل موضوع يبدأ فيه لنصف سطر ينتهي عن الجمل.. و.. و.. على سبيل المثال.. هذا موضوع بعيد جدا عن الجمل.. اكتب موضوعا عن الحاسب الآلي وفوائده.. فقال: (الحاسب الآلي جهاز مفيد يكثر في المدن، ولا يوجد عند البدو، لأن البدو لديهم الجمل، والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش أياما، ويستطيع المشي على الرمل بكل سهولة ويسر.. ويربي البدو الجمل، فهو سفينة الصحراء، فينقل متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى.. والجمل حيوان أليف.... إلخ).. تقدم الطالب بشكوى للوزير بعد أن طلب من الوزير التحقيق في الموضوع.. فكتب الطالب في خطاب الشكوى: (سعادة وزير التربية والتعليم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أقدم لمعاليكم تظلمي هذا، وفيه أشتكي مدرس مادة التعبير، لأني صبرت عليه صبر الجمل، والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش أياما، ويستطيع المشي على الرمل بكل سهولة ويسر.. ويربي البدو الجمل، فهو سفينة الصحراء، فينقل متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى.. والجمل حيوان أليف.. وكما يعلم سعادتكم أن الجمل يستمد طاقته من سنامه الذي يخزن فيه الكثير من الشحوم، أما عيني الجمل ففيها طبقة مزدوجة تحمي العينين من الرمال والعواصف.. آمل من سعادتكم النظر في تظلمي هذا وظلم المدرس لي مثلما ظلم الجمل في عصرنا هذا بأكل كبدته في الفطور في جميع الوزارات والدوائر الحكومية).. (الطرفة) السابقة.. هي بالمناسبة قول مرح خفيف ساخر، لكنه يصف حال الكثير ممن يدمنون حالة النقاش والجدل العقيم، في حين لا يملكون من قول سوى (الجمل حيوان بري... إلخ)، ولا يكلّون من تكرارها كما لا يكل الثور من حمل قرونه، حتى ولو أقحموها قسرا كما يفعل الطالب في مواضيع التعبير.. والغريب أنهم لن يترددوا في بوح مزايا الجمل وصبره –بفخر وتكبر وتعالي- حتى لـ (الحادي) من يقود الجمال، والذي هو أخبر بمزاياه وعيوبه.. في حين يقول المثل اللاتيني : "لا تعلم السباحة للسمكة"، وبالبحريني: "عط الخباز خبزه، حتى لو أكل نصه".. وعليه، كم بيننا من هم أشبه بهذا الطالب وأكثر منه بلادة.. كم بيننا ممن يطالبون باسم حرية التعبير، وتقبل الرأي والرأي الآخر، أن يقصوا عليك قصة جملهم (قاتلهم الله وجملهم فوقهم)، وإذا لم تسمعها في كل مرة يسردونها عليك إلى نهايتها، فأنت ضد حرية التعبير، ولا تتقبل الرأي الآخر.. 
لستُ من عشاق الريال، ولا من محبي برشلونة.. وبشكل أدق، أنا لستُ من متابعي دوري الليغا على الإطلاق، ولا أي دوري آخر.. أنا على نحو أكثر دقة من يقال عنه: "ماليه في الغنم تيس"، وليس من عشاق هذه الكرة التي تلاحقها 44 قدم و .000240 عين، بالإضافة إلى ملايين الأعين عبر الشاشة الفضية، في مستطيل مخضّر لا يقل طوله عن 100م ولا يزيد على 110م، أما عرضه فيجب أن يكون 64 متراً إذا كان الطول 100م، و75 متراً إذا كان الطول 110م.. كل اهتماماتي الكروية لا تتعدى متابعة مباريات منتخبنا الوطني، ليس بدافع الوطنية ولكن من باب التعاطف لا أكثر.. ويبلغ جهلي بهذه اللعبة لدرجة أنني لم أتابع مباريات كأس العالم الأخيرة، والمباريات التي شاهدتها كانت بهدف شيطاني أغيض به أصحابي، حيث كنتُ أشجع المنتخب الضد، ليس حباً فيه ولكن لكي أثير أعصاب بعض الأصحاب.. على العموم.. وربما يسأل سائل: "مادام مالك في الغنم تيس، وما تحب الكورة، راز وجهك بهالموضوع، لييييش؟!".. فأجيب: "بالضبط.. ما دمتُ لا أعشق الكرة، ولا يهمني إن غلب ريال مدريد أم نظيره برشلونة.. هل يجب أن أشعر بالنقص؟!".. هذا الشعور الذي راودني وأنا أقود سيارتي عائدا للبيت بعد مباراة ريال مدريد وماريوكا وفي المقابل برشلونة وخيمناستيك، والتي تعتبر الفيصل لمن سيتربع على عرش "الليغا".. الشعور بالنقص، هو ما دفعني لكتابة هذا الموضوع.. في الوقت الذي أشعر فيه بأن هذا الإهتمام الضئيل والنادر بكرة القدم هو ما يسعد (خطيبتي) في أضعف الإيمان، حين لا تشعر بأن هناك ثمة (ضُرّة) تسمى الكرة.. وقتها.. كنت للتو قد أنتهيت من عرض مسرحية "متروشكا" في الملتقى الأهلي.. وكان محمود الصفار البرشلوني الدم قد دعاني للذهاب لأحد المقاهي الشعبية، لمشاهدة المباراة.. في البداية ترددت كثيرا، ولكنني وجدتها فرصة جيدة لمناقشة سلبيات العرض بعد المباراة إذا ما كان مزاج الأخ محمود رائقاً أو بالأحرى إذا ما فاز فريقه.. اتجهت إلى المقهى.. والغريب أنك لن تجد موقفا لسيارتك إلا بعد العديد من الأمتار.. لتقطع كل هذه الأمتار على قدميك.. السيارات الواقفة بالقرب من المقهى كانت أشبه بعملية إنتحارية، هذه تسد الطريق على تلك، وتلك تسد الطريق على أخرى، وبين هذه وتلك هناك سيارة أيضا.. دفعت باب المقهى ليجد الدخان الممزوج بصرخات المشجعين منفذا للخروج من هذا (المحكر).. المقهى كان مقسما إلى قسمين.. قسم يعرض مباراة ريال مدريد يتابعها الكثيرون من عشاق هذا الفريق، وقسم آخر يعرض مباراة برشلونة حيث تجمع حول التلفاز مجموعة من عشاقه.. أشبه بمعركة.. جيشان متقابلان.. وأسوء ما في الأمر ألا تكون مع أحد الجيشين، أي أن تقف في المنتصف.. زعيق من هذا، يتصداه زعيق أكبر قوة من ذاك.. زمجرة من هذا، يرد عليه ذاك بصراخه.. هدف الفوز لريال مدريد، فيضج مشجعيه بحالة هستيرية مجنونة بـ "أكلناهم.. أكلناهم" أو "بره.. بره.. بره" والضمير يعود بالطبع على بروشلونة ومؤيديه.. في حين يخيم الصمت المطبق على مشجعي برشلونه، تكسره بعض التأفؤفات أو القليل من (التحلطم) المكسور.. هدف آخر لريال مدريد يبدد فيه آمال برشلونة وأحلام مشجعيه، فتهتز الأرض ويرتجف السقف لهدير جماهير الريال.. في طريقي للبيت.. صادفت الكثير من الشباب وهم يزينون سياراتهم بعلم ريال مدريد، يخرجون رؤوسهم من نافذة السيارة ويطلقون صرخاتهم المجنونة للسماء، كما يطلقون أبواق سيارتهم.. وعند منزلنا، حيث تجلس مجموعة من الشباب على عتبة جيراننا، لم أكن بحاجة للتفكير في الموضوع الذي يناقشونه في هذه الساعة، لا شك (الريال وبرشلونة)، خصوصا وأن أحدهم قد ترك الإشارات الجانبية لسيارته تشتعل وتطفئ دلالة على النصر.. ولا حاجة للتفكير عن ماهية الموضوع الذي سيتداوله المدرسين في غرفتهم غدا بالمدرسة.. ولا عن الحديث الذي سيتم في أروقة وزارة العمل.. ولا أيضا عمّا سيتكلم عنه الناس في إدارة الإحصاء والسجل السكاني.. أو في المرور والجوزات.. أو على وجبة الغداء.. أو بين الطلبة قبيل وبعد الإمتحان في جامعة البحرين.. وربما سيكون على أجندة إجتماع مجلس الوزارء.. ولا غرو إذا ما تطرق له أئمة المساجد في صلاتهم يوم الجمعة القادم.. فمباراة (الريال وبرشلونة) ليست بالأمر الهين.. ولكن.. هذا الأمر الذي ليس بالهين لكل هؤلاء هو أمر في الهون بالنسبة لي لدرجة أنني لا أشعر فيه على الإطلاق!!.. ولا أكترث به بتاتا.. هل يجب أن أشعر بهذا النقص إذا؟!.. هل يجب أن أشعر أنني مختلف عن كل هؤلاء، وعليه إنني أعاني من خطب ما؟!.. هل يجب أن أشجع الريال أو برشلونة لكي أسد هذا النقص الذي يراودني؟!.. الغريب أن هذا الشعور –الشعور بالنقص- زادني بعداً عن الريال وعن برشلونة وعن ما يسمونه الليغا وعن كرة القدم.. وبت موقنا إذا لم يكن لـ (غنمي) (تيسا) ينكحها، فلها أن تتكاثر عن طريق التمثيل الضوئي، فهذا أرحم لها من أن تنتظرني ريثما أتخذ لي (تيسا) من بين ريال مدريد وبرشلونة.. في الأخير لا يسعني إلا أن أبارك لمشجعي ريال مدريد تربعهم على عرش الدوري الأسباني للمرة الثلاثين.. وأن أقول لكل مشجعي برشلونة (هارد لك).. في حين أشدد على مباركتي لـ (خطيبتي) لما أوصلني له الشعور بالنقص من بعد بين هذا وذاك..
حاليا.. وبعد مرور يومين فقط من المهرجان المستمر إلى 26 مايو في صالة المعهد الفرنسي.. أدعوا الجميع للجلوس على هذا الكرسي و لنعترف جميعا، دون خجل.. دون مواراة.. بأن هناك بون شاسع بين الأفلام الخارجية والمحلية المشاركة في مهرجان الصواري الدولي للأفلام.. لن نجامل أنفسنا.. ولن نضحك عليها بكلمات التطبيب والمجاملات التي عادة ما يكون تأثيرها سلبيا، وسنقول: "فيلم مثل (حارسة الماء) من دولة الإمارات، وشقيقيه (طوى عشبة) و(مرايا الصمت).. أو فيلم مثل (ست دقائق) من مصر، وشقيقه (كعكو) كانت بمثابة صفعة قوية على وجه كل العروض المحلية إلى وقت كتابة هذه الكلمات.. كانت أشبه بصرخة في أذن العروض "أنهضوا من سباتكم إن كنتم تريدون مواكبة آخر تطورات صناعة الفيلم".. الوضع في صالة العرض مخجلٌ ومزري بالنسبة لي، وأنا أراقب هذا البون الشاسع والمسافة الطويلة التي تفصلنا نحن أبناء هذا البلد، وبين أبناء الدول الأخرى كـ الإمارات ومصر في مسألة صناعة الأفلام.. فالأفلام الخارجية جاءت على شكل احترافي بحت، ومتقن، بدء من صياغة الفكرة والسيناريو مرورا بمرحلة التصوير إلى المونتاج والناتج النهائي الذي عادة ما يكون حقيبة فلمية دسمة.. وسيقول قائل منهم: كيف تقارن وضعنا ووضع الإماراتي، فهو يمتلك من الإمكانيات المادية والتقنية ما يفوق ما نمتلكه.. وسأقول: الحديث عن مسألة المعوقات والدعم –شماعتنا المعتادة لتعليق كل التقصير عليها- لم تعد مجدية ولا ذات منفعة لنا.. وبدلا من أن نشغل أنفسنا في خلق المبررات، التي كلّت ألسنتنا من البوح بها مرارا وتكرارا، لنأخذ من هذا المهرجان كرسيا نجلس عليه ونعترف أمام الجميع بمدى تخلف نتاجنا عن نتاج الآخرين.. والإعتراف هو بداية خطوة حقيقية نحو التطور.. ولكي لا أكون قاسيا.. لن أنفي مدى التطور الملموس في نتاج (الفجر) المتمثلة في الشاب محمد القصاب وأصحابه، فالمتابع لمجموعة أفلام هذا الشخص ولرفقائه سيشعر بمدى التطور الذي يحدث في كل فيلم جديد يقدمون عليه.. وبما أننا حولنا الكرسي الذي يتواجد في (بوستر) المهرجان إلى كرسي اعتراف، فأنا أدعوا أعضاء لجنة التصنيف المتمثلة في: محمود الصفار، حسام أبو أصبع، حسن منصور، منصورة الجمري وعمر سليس.. للجلوس على نفس الكرسي والإعتراف بأن التصنيف جاء مجحفا في حق بعض الأفلام الخارجية، التي استبعدت من قسم أفلام المهرجان، في ظل تواجد أفلام محلية لا ترتقي لها ولا إلى نصف ما جاءت به في قسم أفلام المهرجان.. إن كان هناك معايير مختلفة لتقييم الفيلم الخارجي والمحلي، فهذا لا يعني أن يكونا في قسم واحد.. فإذا ما اختلفت المعايير لابد أن يختلف التصنيف ويكون هناك أفلام المهرجان المحلية، وأفلام المهرجان الخارجية.. ولكن مادام التصنيف واحد يجب أن يكون المعيار واحد.. خصوصا وأن هناك الكثير من الضيوف في المهرجان ممن قطعوا تذاكر السفر على حسابهم الخاص، وسكنوا على حسابهم الخاص، ويتنقلون ويأكلون على حسابهم الخاص، وبعد كل هذا يرون أن أفلامهم المتفوقة على الكثير من الأفلام المحلية تأتي في مرتبة أقل!!.. هل نتوقع من مثل هذا الشخص أن يكون مهتما للمشاركة أو الحضور في الأعوام القادمة؟!.. أتمنى أن تكون الإجابة نعم.. 

الأفلام السينمائية التي تعرض في دور السينما باتت أشبه بوجبة (تويستر) من كنتاكي، حيث تبقى دائما بنفس الطعم.. لا يهم إن كانت تعجبك أم لا.. المهم أن يسيل لعابك عندما ترى صورتها في الملصق الإعلاني.. والفارق الوحيد بين كنتاكي والأفلام السينمائية ، أن الأولى تفتخر بخلطتها السرية، وتصر على سريتها، بينما في السينما فالخلطة مفضوحة ومكررة.. سابقاً.. كان مجرد خروجي من دار السينما هو بمثابة ندوة تعقيبية مطولة بيني وبين من أصحبهم.. نحلل.. نفكك.. نفسر.. بقدر ما نحويه من معلومات وقدرة.. طبعا، أنا لا أتحدث عن أفلام تعتبر (قنبلة) سينمائية ولكن على أقل تقدير وفي أضعف الإيمان كانت تحرك شيئا راكنا في داخلك.. في الوقت الحالي.. ليس هناك ما يثير.. ليس هناك ما تقف أمامه مذهولا.. حتى تلك الأفلام المعدودة على أصابع اليد الواحدة والتي تشمر عن مبادرات خجولة في تحريك الخامد، كانت سرعان ما تركع أمام رغبات الجمهور وأمام محاولة جذب أكبر عدد من الجمهور على حساب المحتوى، وعلى حساب القيمة الفنية.. ولذلك.. لم يعد مهما إذا لم نذهب إلى السينما.. لم يعد الذهاب إلى السينما إلا لقضاء وقت ممتع، من غير كلمة (مفيد).. لم يعد مهما أن نتناقش حول الفيلم.. ولذلك.. عدت بأدراجي إلى هيتشكوك، إلى أنطونيوني وغيرهم أستمتع بنخب قديمهم الخالد.. 
لي صديقٌ عزيزٌ على القلب، يكبرني من السنين شيئاً قليلا، وفي الطول شيئاً أقل.. نظارته الطبية الصغيرة ترسم على ملامحه شيء من الجدية.. وهو يشبهني بشيء من الكثرة، لدرجة يخال فيها البعض أنه أخي، وربما طول الأنف يلعب دورا في هذه المخايلة... وعلى الرغم من كل هذه الشيئات، أعذروني، فلن أخبركم باسمه لأنني لا أوّد أكل لحمه نياً، أي أن أغتابه.. وبما أنكم عرفتموه إنه (باسل حسين) دون أن أخبركم باسمه، ولا أعرف حقيقةً كيف عرفتموه، وأحمد الله أنني لم أكن سببا في معرفته فأحمل خطيئة غيبته، ومادمت عرفتموه دون عونٍ مني فلا بأس بذكر اسمه الآن.. باسلٌ هذا له قدرة (تحاججيه) وجدالية بامتياز، فهو يستطيع أن يجادل في أي شيء، وفي أي وقت، وفي أي مكان.. وفي كثير من الأحايين استمتع بهذه الجدليات حتى ولو كنت مؤمناً –على نحو مسبق- بأن الحديث معه عقيم (لا يوّدي ولا يجيب).. لكن الغريب في الأمر، أنه يخصني في أجندة جدلياته في الأمور العقائدية والوجودية والفقهية والإمامة.. ولا أعرف سبباً -كما لا أعرف كيف عرفتمو اسمه- لماذا يخصّني بذلك، وكأنما رأسي تعتليه عمامة، أو تتدلى من على كتفي جبة رسول الله (ص).. ومع ذلك، أناقشه بغية عمل (refresh) لمعلوماتي المتواضعة في هذه المواضيع.. ولإغاضته وإثارته، أتمادى في نقاشي معه لأبدو متطرفا.. وأحيانا أتقمص دور فيصل القاسم في الاتجاه المعاكس، فأردد دون انقطاع (يا سيدي.. سأعطيك المجال.. يا سيدي يا سيدي يا سيدي)، أكررها على نحو تكون فيه أشبه بالفاصلة أو بالمسافة بين الكلمة والكلمة، فيزداد غيظا.. لكن الغريب والمزعج عندما تكون هذه الحالة ليست حكراً على (باسل وحسين)، بل نجدها تتعلق بأمور مصيرية داخل المؤسسات الحكومية وتوابعها، ووسط الجمعيات السياسية، والندوات العامة -سياسية كانت أم ثقافية-.. مزعج أكثر عندما نقرأها في أعمدة الصحفيين، ونستخلصها مثل الشعرة في صحن (هريس) من ثنايا خبر صحفي، من المفترض أن يكون بنيانه الحيادية والموضوعية.. لا أحد.. لا أحد يحاول -مجرد محاولة- أن يصغي للآخر.. أن يتعرى من كل ما يؤمن فيه للحظة، ويفتح أذنيه، ويصغي.. وعليه، تسير أمورنا وفق عصبيات ما يؤمن به البعض على حساب الكل.. سنين نحن نختلف فيها، ولكن لم تعلمنا هذه السنين كيف نختلف.. 
تطورت قضية ربيع الثقافة وتشعبت وتصاعدت ضجتها، وبات من الغير منصف أن تُؤخذ من جانب واحد.. دون قراءة متأنية ،أو محاولة القراءة –لمن لا يملك الوقت- لكافة معطياتها وجوانبها.. هنا رؤية داخلية قد تكون على صواب وقد يحمّلها البعض آلاف من الأخطاء، لكنها قد تطرح لدى البعض العديد من الأسئلة.. وما دامت الأسئلة مشروعة وفي حدود المتاح لا ضرر من قراءة هذه الرؤية حتى آخرها.. لا تعتذر عمّا فعلت مؤخراً وضمن فعاليات ربيع الثقافة، أقام الفنان خالد الشيخ حفلته الغنائية المقرونة بلوحات استعراضية.. وأنا هنا لا أوّد تقييم الحفلة فنيا، فأبسط ما يقال عنها أنها عملية إنتحارية وفاشلة.. فالجمهور الذي توافد للصالة الثقافية قبل موعد الفعالية بما يزيد على الساعة، اضطر للإنتظار ساعة إضافية بسبب التأخير، شغل نفسه خلالها بالتصفيق لعل القائمين على الحفل يشعرون بكل هذا الوقت الضائع.. بالإضافة إلى ذلك جاءت بعض اللوحات مزحومة بصور مختلفة لا تعرف لها سببا، وأخرى جاءت خاوية.. على سبيل المثال يُدخل المخرج الخفش سيارة قديمة على الخشبة.. جميل.. لكن لماذا؟!.. أو يصنع من عمق المسرح وعلى نحو مرتفع كادر منفصل يعرض من خلاله لوحات استعراضية.. جميل.. لكن لماذا؟!.. ناهيك عن أن المغنيين أنفسهم لا يتقنون التوقيت المناسب لبدء الغناء فينتظرون إشارة من خالد، أو يسبقهم الأخير ليتبعونه بعدها.. لن أطيل أكثر.. فأنا أوّد الحديث عن توقف الحفلة في منتصفها، لنسمع مقطع موسيقي من مسرحية (أخبار المجنون) لخالد الرويعي، من ثم يستلم خالد الشيخ طرف الحديث فيوجه رسالة إلى وزير الإعلام الجالس في المقاعد الأولى ويقول: (لا تعتذر عما فعلت).. ويعلنها وقفة حداد ضد من تسول له نفسه أن يمنع الآخرين حرياتهم ويحاول أن يكون الحجرة العثرة في طريق المثقفين، ويدعوا ممثلي جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني للوقوف على المسرح معه.. الجميع كان متسمرا في كرسيه، لكن خالد الرويعي يقف وينتزع قاسم حداد من كرسيه ليصحبه على الخشبه، وقتها وقف الجميع مصفقا ومن بينهم وزير الإعلام محمد عبدالغفار.. أشعل التصفيق قلوب الآخرين: فصعد على الخشبة مصطفى رشيد، أحمد الفردان، حسين الحليبي، حسين العريبي، مريم زيمان، هدى عبدالله، مبارك نجم، وآخرون لا تسعني الذاكرة لذكرهم جميعا.. لمن تقدم هذه المسرحية المعنونة بـ (لا تعتذر عمّا فعلت)؟!.. لا تتسرع بالسؤال!!.. فأكثر مشاهد المسرحية إثارة ودراما لم أسرده بعد.. يترجل خالد الشيخ عن الخشبة، ويتجه نحو وزير الإعلام، الذي مازال واقفا يصفق.. يهمس له في أذنيه.. فَسَّرَ الجميع هذا الهمس بدعوة للوقوف على الخشبة تضامنا مع الجميع.. يدعوا من؟!.. وزير الإعلام؟!.. أليس هو نفس الشخص الذي كادت يده تنكسر من التصفيق عندما انتهي عرض مرسيل وحداد (مجنون ليلى)، وبعدها يسوق لنا عضو كتلة الأصالة السلفية عادل المعاودة خبر توبته النصوح في قناة الجزيرة؟!.. أليس هو القائل: "ما حدث في عرض (مجنون ليلى) خطأ فادح".. أو بعد هذا القول تنفع مقولة خالد الشيخ له في بداية هذه المسرحية (لا تعتذر عما فعلت)؟!.. المعاودة والرويعي التوبة النصوح التي جاءت على لسان النائب عادل المعاودة في قناة الجزيرة خلال مناظرة جمعته بالفنان خالد الرويعي، بالإضافة لمشاركة عضو جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) منيرة فخرو.. وصف فيها المعاودة الفنان خالد الرويعي بالنائحة المستأجرة.. وليست النائحة الثكلى كالمستأجرة.. فالأخيرة هي من يتم استئجار خدماتها في المأتم من أجل ذرف الدموع والبكاء.. وبعيدا عن صحة هذا التشبيه من عدمه، إلا أنه يدفعنا بالتساؤل عن غياب مرسيل وحداد عن التواجد في مثل هذه المناظرة، على اعتبارهما أحد طرفي النزاع.. أليس القضية هي قضية ثقافة بلد؟!.. أو لا تستحق هذه القضية استقطاع يوم واحد أو نصف يوم من حياتهما في سبيل الدفاع عن حرية التعبير وعن الثقافة في هذا الجزء من المعمورة؟!.. ولو شئنا أن نكون أكثر دقة هل يجب أن تتواجد نادرة عساف لكونها (الكيوغرافر) ومصممة الرقصات؟!.. لا أعتقد ذلك.. فطيبة الذكر استلمت نقودها... والسلام.. إذا من يجب أن يكون متواجدا؟!.. خالد الرويعي؟!.. كيف يدافع الرويعي عن جرمٍ لا يد له فيه؟!.. وإن كان له ثمة ارتباط فهو لا يتعدى شعرة في اصبعه الأصغر.. من يدافع عن ثقافتنا يا قوم؟!.. لا أعتقد أن هناك جواب أفضل من وزارة الإعلام أو إدارة الثقافة والتراث الوطني.. وعندما نطرح مثل هذه المؤسسات يبرز على السطح إسمان لا ثالث لهما.. الأول هو وزير الإعلام محمد بن عبدالغفار، والثاني هو الوكيل المساعد للثقافة والتراث الوطني الشيخة مي آل خليفة.. والغريب أن الإثنان إلتزما الصمت منذ اشتعال القضية.. وعندما تحدث الأول جاء حديثه معترفا بوجود (خطأ فادح).. أما الثاني فلا حس ولا خبر!!.. ولا أدري إذا ما كان هذا الصمت هو فعلٌ من الأنسنة كما ذهب إليه أركون في وصفه للشيخة مي، أم لا.. أم هي اكتفت بمقولة (قطعت التذاكر قول كل خطيب).. وعلى ما يبدو أن رقابنا هي من ستقطع ليقطعون بها قول كل خطيب.. فهم في الوقت الذي يلوذون فيه للصمت -والخوف أن يكون هذا الصمت علامة الرضى- باح صوتنا على أمرٍ هم عنه لراضين.. وعليه.. لمن تقدم مسرحية خالد الشيخ (لا تعتذر عمّا فعلت)؟!.. لا تتسرع بالسؤال يا أخي.. رويدك حتى تقرأ ما سأسطره في الأسفل.. الصورة بوصفها دليل في مناظرة الجزيرة التي يعترف فيها المعاودة بعدم مشاهدته ولا أي من النواب للعرض المثير، قال خالد الرويعي: "اجتزاء الصورة كان عملاً نابعاً عن عقدة مؤامرة".. كلامٌ خطير هذا الذي يدور حول المؤامرة.. ولكن مؤامرة من على من؟!.. بنظرة بانورامية لسير الأحداث سنجد أن فور انتهاء عرض اليوم الأول من (مجنون ليلى)، وصف في صبحية اليوم الثاني النائب محمد خالد ربيع الثقافة بربيع السخافة، وقال: "تلقيت عددا من الشكاوى تستنكر ما شاهدوه ليلة أمس من مناظر لا تليق بعاداتنا وتقاليدنا العربية الإسلامية الأصيلة".. ودعى وزير الإعلام إلى فتح عاجل ومنصف حول هذه الشكاوى على ألا تتكرر في المرات القادمة، وأضاف: "سنحاسبه والقائمين على المهرجان بعد التأكد مما حدث تماماً".. إلى هنا ولم تكن الزوبعة تتعدى قعر الفنجان، ولم تكن سوى جعجعة دون طحين.. اكتفت الشيخة مي بالرد عليها بالقول: (التذاكر قطعت قول كل خطيب).. حتى برزت الصورة وغوايتها.. لتتحول سرعة الغالق إلى سرعة اشتعال الفتيل.. ويرفعها النواب في جلستهم التاريخية، وصفة التاريخية هنا ليس لكونها ضد الثقافة والحريات، فهذه ليست المرة الأولى التي يقفون فيها ضد الثقافة، وهذا ما سيأتي ذكره لاحقا، ولكن لإتفاق غالبيتهم الغير مسبوق لتشكيل لجنة التحقيق.. الصور التي رفعت في جلسة النواب على طريقة رفع المصاحف، لم تكن ملتقطة بواسطة الهاتف النقال، بل كانت تعكس كاميرا ذات مواصفات عالية.. صور شبه احترافية، وتختزن قصدية محددة في طريقة التصوير واختيار اللحظة الحاسمة للضغط على زر التصوير واختيار دقيق لزاوية التصوير.. بالإضافة إلى أن مصوّرها كان قريبا من خشبة المسرح.. من كان يصور ليلتها؟!.. ألم يكن التصوير ممنوع في فعاليات ربيع الثقافة –على حد علمي- إلا من لديه تخويل بذلك؟!.. ومن يمتلك هذا التخويل أو يبدو واضحا للعيان غير مصوري الصحف؟!.. هل للصحافة دخل في اشتعال الفتيل؟!.. بقراءة سريعة لإتجاهات الصحف.. سنجد أن صحيفة الوطن لديها من الولاء لإدارة الثقافة والتراث ما يمنعها أن تتسبب بالضيق لها أو نشر صورها أو اعطاءها للنواب.. وليس من المنطقي أن تنشر الصحيفة الصور وهي التي انفردت بنشر ملحق خاص عن ربيع الثقافة في يوم افتتاحه، وخصصت صفحة شبه يومية عن فعاليات الربيع.. أما عن صحيفة الوقت فمعظم صحفي الصفحة الثقافية فيها تربطهم علاقة وطيدة ومتينة بقاسم حداد، ولن يجرأ أحدهم لنشر هذه الفتنة التي قد تضر بصديقهم.. الوسط؟!.. ولربما صحيفة الوسط لديها من الولاء لإدارة الثقافة والتراث ما يمنعها عن التفوه ولو عرضا عن الربيع بأية سوء، فلن تخطو لخدش هذا الولاء أو زعل الماما.. وربما صحيفة الأيام؟!.. فكلنا نتذكر الحملة الإعلامية التي صاحبت ربيع الثقافة في نسخته الأولى، وكيف شنت حربا إعلامية دافعت من خلالها عن تهميش المثقفين المحليين.. بالإضافة إلى تغطيتها الخجول لفعاليات ربيع الثقافة الحالي، مقارنة بالصحف الأخرى.. أوليس الأيام من تبطن نوع من العداء –إن صح التعبير- لإدارة الثقافة والتراث؟!.. لكن هل يعقل الأيام؟!.. وهي التي من اللحظة الأولى من اشعال الفتيل، اعتلت صهوة حصانها وأشهرت سيفها في وجه من يقف ضد الثقافة؟!.. أيعقل؟!.. وهي التي أفردت جزءً من صفحتها الأولى عمود صحفي مطوّل حول الربيع، ومن له معرفة بسيطة بعمل الصحيفة يعي جيدا أهمية الصحفة الأولى، وأهمية عمود الصفحة الأولى.. إذا في ليلة وضحاها تبدّلت الصورة.. بسرعة هي أشبه بسرعة الغالق الذي حوّل المشهد المترامي بالحركة والرقص إلى جماد.. بسرعةٍ أشبه باللحظة الحاسمة.. (الفَزْعة) الثقافية من القراءة السريعة لإتجاهات الصحف السابقة، يبدو جليا توحدها واتفاقها حول قضية الربيع، وهو توحد شبيه في الشكل لتوحد النواب مختلف في المضمون.. هل هذا التوحد و(الفزعة) كانت باسم الثقافة المحضة دون شائبة أخرى؟! هل هي قضية مبدأ؟!.. أعتقد أن القراءة السابقة تجيب على جزء من هذا السؤال.. ثقافتنا بشتى أنواعها لم تكن حرة في يوم من الأيام.. هي تارة خاضعة لمقص العادات والتقاليد، وتارة لمقص الرقيب، وتارة أخرى لمقص الجهل.. يتذكر منا من يتذكر في فترة ساحقة قد منعت العديد من المسرحيات ليلة عرضها.. وآخرون يبحرون في ذاكرتهم فيتذكرون دخول شخصين غريبين في البروفات ويشاهدونها بالتفصيل.. وإذا كانت هذه الفترة قديمة جدا، وأكل الدهر عليها وشرب.. لنذهب إلى الأمس القريب.. بالأمس القريب، تم منع عرض فيلم (آلام المسيح) في دور السينما في البحرين.. والسينما ضرب من الثقافة تم التعدي على حرمها، ومع ذلك لم يتعدَ الحديث عن هذه الخرق في ثقافتنا وحريتنا في الصحف اليومية عن مجموعة من المقالات التي لا تتعدى الأصابع.. ولم تثر حوله أية زوبعة ولا ثمة جعجعة.. أليس منع هذا الفيلم يعتبر قيد على حرياتنا؟!.. أين فزعتنا؟!.. واستمرارا في الحديث عن السينما باعتبارها ضرب من الثقافة المسلوبة والمسكوت عن سلبها، يجرني الحديث عن فيلم (Meet Joe Black) والذي يمثل فيه النجم براد بيت دور عزرائيل المتوجه لقبض روح أنتوني هوبكنز.. هذا الفيلم تم عرضه في دور السينما لمدة لا تتجاوز الأسبوع، ولكن بقدرة قادر طار منها!!.. ما السبب؟!.. هل أتحدث عن اللقطات التي يتم بترها على نحو يربك سير الفيلم؟!.. ويدفعك لشراء الفيلم على قرص دي في دي لتنعم بكامل التفاصيل؟!.. سأتغاضى عن ذلك.. ثقافتنا المسلوبة والتي لم ترَ (الفزعة) إلا مع مرسيل والحداد مدعاة للتساؤل.. فمحمود اليوسف الأب الروحي للبلوغرز قد استلم رسالة إلكترونية موقعة من قبل وزير الإعلام بقرار منع موقعه الإلكتروني بالإضافة إلى ستة مواقع أخرى.. ولم تثار أية ضجة ولا هم يحزنون، وإني لأخجل أن أتحدث عن كيفية تعاطي الصحف لهذه القضية.. أوليس منع موقع (mahmood tv) هو حربة في خاصرة حرية التعبير؟!.. في الوقت الذي تكون فيه المواقع الجنسية والإباحية (على أفى من يشيل).. البحرين كانت سبّاقة لكل دول العالم بمنعها لبرنامج (جوجل إيرث) التي طرحته شركة جوجل، وبما أننا من المتشدقين بكلمة (نحن أول).. أول دورة خليج.. أول هداف في دورة الخليج.. أول من اكتشف البترول.. لم نفوت على انفسنا أن نقول نحن أول من يمنع برنامج (جوجل إيرث).. أليس هذا المنع هو قيد على تدفق المعلومات في هذا البلد؟!.. كيف تعاملت الصحافة مع هذا القيد؟!.. ولربما قال قائل منكم، أن هذا البرنامج قد عاد فعليه مراجعة مدونة (المسكوت عنه) لـ وحيد البلوشي.. لربما تحدثت عن الماضي.. هل أتحدث بشكل آني؟!.. السعداوي.. أليس الفنان عبدالله السعداوي حامل راية التجديد في المسرح البحريني، والحاصل جائزة أفضل مخرج في مهرجان القاهرة التجريبي، ألا يعتبر هذا الفرد قضية ثقافية شائكة ومقلقة لحد النخاع؟!.. ففي الوقت التي لم تسكت فيه الأعمدة اليومية والصحافة عن الحديث عن ربيع الثقافة باسم الدفاع عن الثقافة وعن الحريات إلى يومنا هذا.. لم يتعدَ ما كتب عن هذا العجوز الذي يعاني الأمرين من مرض (الدسيك) الذي ألم به، أصابع اليدين في أحسن الأحوال.. وبطبيعة الحال فكل من كتب مرة واحدة أعتبر أنه قد أخلى مسؤوليته وأقام بواجبه.. لكننا عندما نتحدث عن ربيع الثقافة يكون الأمر أشبه بكونه مصيريا وقضية مبدأ.. أين المبدئية.. عندما أختار ما يناسبني من قضايا؟!.. عندما أراعي مصالحي وعلاقاتي الشخصية.. وهل هناك ثمة مبدأ عندما يقترن بالمصالح والعلاقات الشخصية؟!..
المثابرة بالنسبة لأختنا (الغبية).. هي أن تقطع قراءة الدكتور لأحد التعريفات من ورقة وزعها علينا جميعا، وتقول: "دكتور.. ممكن تعيد التعريف؟!"، ولسان الحال يقول: "أكو مكتوب في الورقة قدام عيونش عسى عيونش البط".. المثابرة هي أن تسأل سؤال غبي.. المثابرة بالنسبة لأختنا (البقرة) هي أن تحاول إكمال جملة تأتأ فيها الدكتور باحثا عن مفردة معينة، ليأتي إكمالها للجملة بعيدا جدا عما يتحدث عنه الدكتور، على طريقة (أقول له تيس قال حلبه)، وكم تكون جملة (إنجبي أحسن لش) تتدلدل على طرف لساني.. المثابرة بالنسبة لكتلة الجهل هذه، أن تقرأ -بصوتها المزعج- الكلمة التي يشير لها الدكتور على (السبورة)، وكأنما لا يعرف الدكتور القراءة، ولا نحن.. المثابرة (ولو تنثبرهالبنية) لكان فيه صلاح الأمة وخيرها، هي أن تُذَّكر الدكتور بموعد انتهاء المحاضرة.. لذلك تجدني أكثر من تمارين ضبط النفس عبر الزفير والشهيق، وأكثر من الإستغفار، وأدعوا الله أن يمُّن علي بكوبٍ من القهوة.. وعليه، أركض نحو أقرب (كوفي مشين) عندما تنتهي المحاضرة، لأحتسي القهوة عليها تخفف وطأة الغباء التي تحوم حولي.. أذكر جيدا، ذات فصل، كم كنت أرجع الفضل لبقائي على قيد الحياة هو (الكوفي مشين).. فكان شعار (ومن الرائحةِ ما قتل) شعارٌ ينتصب أمام أنفي قبيل دخولي لإحدى المحاضرات.. ولسوء حظي وحظ الطلبة والدكتور أن القاعة تحوي شبابيك لا يمكن فتحها، ولا تنفع محاولة الدكتور في فتح الستائر –عند كل مرة يدخل فيها القاعة- في التخفيف من وطء الرائحة، فأشعة الشمس تصطدم بأحد الطلبة، الذي لو أكثر من الأكل قليلا لبات شكله أقرب إلى الدائرة، فتحرك أشعة الشمس الرائحة الساكنة فيه، تثيرها فتثار، وتحوم حوله، وشيئا فشيئا تعمّ القاعة بأكملها.. ما يعقد المسألة أن هذا الطالب المثقل بالرائحة، يستهوي الجلوس بالقرب مني في كل محاضرة.. وفي كل محاضرة أحاول تغيير مقعدي، لعلني أتحاشى هذا القرب الغير محبّب، إلا أنه يلاحقني.. أحيانا أتعمد التأخير عن المحاضرة، لربما سبقني في الجلوس فآخذ كرسيا بعيدا عنه، إلا أنني أكتشف تأخره أيضا، فأجلس قبله ليأتي بعدها فيجلس بجواري.. لا حل.. جربت أن أرش نصف قنينة في ورقة محارم، وألصقها بأنفي طيلة المحاضرة, إلا أن رائحته لها شكل الثعبان، تمتزج برائحة العطر فتزيد الطين بلة.. مُكرها.. جلستُ على الكرسي، وعندما همّ الحبيب بالجلوس بالقرب مني استأذنت الدكتور لمغادرة القاعة لزيارة الحمام، وعند عودتي جلست بعيدا عنه.. إلا أنه رويدا رويدا أخذ ينط فوق الكراسي، لأجده ملتصقا مني.. يالله.. يا مغيث.. إليّ بكوبٍ من القهوة.. كنت وقتها أعي جيدا الحالة المأساوية التي تعيشها الجامعة في ميزانيتها.. وأعي جيدا سبب حذف الفصل الصيفي.. وأعي الكم الهائل من الأولويات التي ترى الجامعة أنها تفوق مشكلة الرائحة.. ولكن لو لا نعمت الكوفي لطالبت بتوفير (مكبس وبخور) في كل قاعة.. 
وأنا مشدودٌ إلى كرسي الصالة الثقافية أراقب عن كثب (مجنون) مرسيل والحداد، كنت أتساءل: ماذا ستكون ردة فعل قوم بني إسلام على ما يحدث؟!.. هل سيجددون بيعة الكفر لقاسم حداد، وهو الذي يسوق قصة استفتاء قيس إلى فقيه يقال له (كلام بن وحش) إذا ما كانت علاقته بليلى ضربا من الزنى، فقال له: (الزنى هو بذل جسدك لمن لا تحب، أما إذا العشق حصل فلا زنى فيما قدر الله)، وأضاف له: (يا بني، إعشق ما تيسر لك وتمتع بما تسنى ولا تطفئ جذوة العشق بالعرس ما استطعت.. كنت أتساءل هل سيحرمون السماع إلى أغاني مرسيل خليفة، وهي التي كانت تتلقى نوعا من القبول في الوسط الإسلامي، على اعتبارها ضربا من الأغاني الوطنية ذات الموسيقى البعيدة عن المجون والفسق؟!.. ما إن وقعت عيني على الصحف في الصباح الباكر حتى جاء الرد قاسيا، بتنديد الإسلاميين بلقطة استعراضية رافقت الوصلة الموسيقية لقصة الحب، وأعربوا عن غضبهم لتضمنها حركات "جنسية تمثيلية" –على حد تعبيرهم- اعتبروها تخدش الحياة الإجتماعية في البحرين.. ولا حاجة لي أن أبين أن النائب السلفي الطالباني محمد خالد هو من قاد هذه المجموعة واصفا ربيع الثقافة من أوّل إطلالة له بربيع السخافة، قائلا: "هذا ربيع السخافة وليس ربيع الثقافة، وإن الثقافة بعيدة كل البعد عما يحدث عن هذا المهرجان"، وأضاف: "تلقيت عددا من الشكاوى تستنكر ما شاهدوه ليلة أمس من مناظر لا تليق بعاداتنا وتقاليدنا العربية الإسلامية الأصيلة، وأدعوا وزير الإعلام إلى فتح تحقيق عاجل ومنصف حول هذه الشكاوى على أن لا تتكرر في المرات القادمة وسنحاسبه والقائمين على المهرجان بعد التأكد مما حدث تماما أمس".. ما أسرع السؤال، وما أسرع ما يأتي الرد من قوم جُبِلوا على الفتنة باسم إسلامٍ هم صانعوه.. لا يختلف الحال كثيرا عما يسرده هذا المتخلف عن قوم بني أون لاين.. الذين راحوا يشتمون ويسبون وهم لا ناقة لهم ولا جمل.. كل ما في الأمر أن أحدهم شاهد فأنزل موضوعا لا يتجاوز العشرين كلمة تحت عنوان (ممارسة الجنس على المسرح في ربيع الثقافة)، لتنهال بعدها الردود أشبه بالنار.. ولكن ما إن علم الجمع أن القائد لحملة التنديد والإستنكار هو محمد خالد بن لادن حتى خفّت الحدة.. الأمر ليس جديدا.. فبعد نانسي عجرم ومطعم تياتروا وغيرها يبدو أننا مقبلون على اليوم الذي نساق فيه بعصى ولحي هؤلاء المتحجرون.. هؤلاء الذين لا يرون الحياة إلا بمنظار (الشهوة) التي يقبعون فيها حتى الأذنين.. على غرار (كل من يرى الناس بعين طبعه).. فهم يموتون بالنساء، والتحملق في أجسادهم بنظرة كلها حيوانية.. لذلك هم يصورون الحال وكأنه (جنس وجسد).. (عضو ذكري وفرج).. هذا هو حدود مخيلتهم ولن يرتقوا عليه بقليل إلا بممارسة العادة السرية عندما يصلون عتبات منازلهم..
هواء سيد، وزجاج يفضح الروح وترتيل يمام قل هو الحب ولا تصغي لغير القلب، لا تأخذك الغفلة، لا ينتابك الخوف على ماء الكلام جئتُكَ بذاكرةٍ مثقوبةٍ –يا سيدي- إلاّ من الحب ومن خالد الشيخ ومحمد الحداد في مسرحية أخبار المجنون لخالد الرويعي.. جئتك لأبصر تمرّدك الذي بعدد شعراتك البيض في لحيتك.. جئتك لأرتشف ما تبقى من فنجانك.. ولكن.. على أيةِ حال.. كنتُ طوال الليلة أزج بالمقارنات في ركنٍ لا تطاله يدي.. فمن جهة لا أحبذ المقارنات، على اعتبار أن كل عمل جديد هو تجربة جديدة مستقلة بذاتها أو امتداد لما قبلها بالنسف أو البناء.. ومن جهة أخرى تميل كل المقارنات إلى اسم خالد الشيخ ومحمد حداد في مسرحية أخبار المجنون.. ولا وجه مقارنة بين قيس الليلة وقيس البارحة.. فقيس الليلة دفع فيه مارسيل خليفة قرابة سنة كاملة، بالإضافة إلى ما يقارب 100 ألف دينار.. وقيس البارحة اكتفى بثلاثة أشهر نظرا لقصر الوقت، ومن العيب والخزي أن أذكر كم كلف من الدنانير.. قيس الليلة الذي جاء وليد نص قاسم حداد، وموسيقى مرسيل خليفة، بالإضافة إلى غناء كل من: أميمة الخليل، يولا كرياكوس، ومرسيل نفسه.. إلى جانب تصميم الرقصات إلى نادرة عساف وإضاءة بياردوبيي.. لم يكن قيس في أحسن أحواله، أو بالأحرى رأينا قيس تنقصه لطشة الجنون.. وهل لنا أن نتخيل قيس بن الملوح قد تخلى عن جنونه؟!.. هل ثمة (حب) بعد هذا التخلي؟!.. هل ثمة (ليلى) دون جنون؟!.. هل ثمة أخبار لمجنون عاقل؟!.. لا نختلف على الإطلاق أن الموسيقيين يتعاملون مع آلاتهم بحرفة، وأن الراقصين يتمتعون بأجسام متناسقة وجميلة، ولكن يبدو أن توظيف هذه الطاقات وسط معالجة فنية للنص جاء عقيما أو غير مجدي للصورة المطلوبة.. مارسيل.. ماذا تريد بالضبط؟!.. والسؤال موجه بشدّة أكبر إلى نادرة عساف، أي قيس تتحدثون عنه؟!.. فأنا لا أعرف قيس إلا الذي تحدث عنه أبو محمد (قاسم حداد)، وهو الذي لو أن ليلى لم تكن لكان بكى البكاء كله لكي تكون.. لا أعرف إلا قيس الأشبه بالدمعة على هدب طفل.. إلا قيس الذي يسير على حد النصول.. عذراً فأنا لا أعرف قيسكم هذا الذي لا تفارق البسمة محياه، ولا أعرف ليلاكم التي تختال في الفرح والسعادة.. وإن كانت أجساد قيسكم وليلاكم جميلة فهذا لا يشفع لهما ما داما لا يملكان روح ولا (حب) قيس وليلى حداد.. هكذا كانت ليلة الحب خاوية من الحب.. والسؤال الموجه إلى بيار دويبي مصمم الإضاءة: أين السينوغرافيا من كل هذا الحب؟!.. كنت أتوقع في أضعف الإيمان أن أرى الخلوة بين قيس وليلى في قصة السمن.. كنت أريد أشم الصحراء.. أحس بالكعبة.. وكل ما خلقته لنا غير ألوان تتداخل.. تتغير.. تعود من جديد.. وهلم جرى.. أبو محمد (قاسم حداد) كان منزويا -وهذا أفضل ما في العرض- فلقد كان وحيدا.. وقد استطاع بوحدته أن يقلب ميزانسين المسرح، ليحول مقدمة المنطقة اليمنى منه إلى منطقة القوة بأداءه الرائع.. الهادئ.. 
في طريقي إلى البيت أدرت المذياع على موجة بي بي سي، هربا من كل السخف الغنائي والإسفاف المؤذي لطبلة الأذن.. ليس تعاليا ولا تكبرا، ولكن لحاجتي الماسة لقسط من الراحة من كل هذا (الهَبَل).. فجئت بخبرٍ مفاده أن الصينيين تمكنوا من توجيه طيران حمامةٍ بزرعِ موجات سالبة وأخرى موجبة في دماغها.. وصار الصيني لديه القدرة أن يتحكم بطيران الحمامة إلى جهة اليمين أو جهة اليسار، حسب ما يشتهيه.. أشبه بالريموت كنترول وطائرة إلكترونية.. لوهلة.. وكنت فاغر الأشداق، لكنني استدركت أن ما توصل إليه الصينيون جاء متأخراً ومتخلفاً عما وصلت إليه الجمعيات السياسية في البحرين، وما احتذت به أطفالها من الجمعيات الشبابية.. فإذا كانت الصين تمكنت للتو من التحكم في طيران حمامة، فالجمعيات لدينا تتحكم ببني آدم حتى قبل نشأتها.. وببلادة تحولت الأصوات البشرية إلى صدى صوت الجمعيات، وتحولت أفعالها إلى ردة فعل لا أكثر.. أتذكر جيداً عندما خُيّرت بين النائب الحالي الشيخ حسن سلطان والنائب السابق جاسم عبدالعال في الإنتخابات البرلمانية الماضية.. وأحمد الله تعداد ذرات الرمال يوم رفعت يدي عن هذا وذاك، ليس تجنباً عن الدخول بين السلاطين، ولا شرعية لحركة حق برئاسة الشيخ حسن مشيمع المقاطعة.. ولكن امتثالا للرأي القائل: جيشٌ من الأسود يقوده أرنب هو جيشٌ بائس، وجيشٌ من الأرانب يقوده أرنب هو جيش لا نفع منه.. وقتها.. لم أكن مؤمنا بإنجازات جاسم عبدالعال تحت قبة برلمان 2002-2006م، وإن كانت كفاءته تفوق الشيخ حسن سلطان بالنسبة لي، هذه الكفاءة التي أدخلتني جدلا مطولا مع الكثير من الأحبة.. إلا أن هذا الأخير تشفع له أيام السجن من الناحية العاطفية.. وكادت غفلتي تقودني لترشيح خريج السجون هذا ولكن رحمة الله التي أنقذتني من الغفلة جاءت على لسان السيد عبدالله الغريفي والشيخ عيسى قاسم، وبالتحديد من أروقة المجلس العلمائي.. يوم جاء بيانهم مصبوغا بصبغة دينية بحتة تقتضي بالناخب أن يتبع ما يقولونه.. وإذا أتبع رأيه وما يراه هو شخصيا وأختار نائبا، ثم قام هذا النائب بقرارات خاطئة فالنائب ومن اختاره آثمان لهما عقابٌ عند الله.. أما إذا اخترت ما اختير لك من قبل المجلس العلمائي فلا ذنب عليك، بل يتحمله المجلس.. هذا إلى جانب المصطلح الديني الجديد الذي نزل من السماء فجأة.. وهو (النصيحة الفتوى).. يوم جاءت وصية آية الله السيد علي السيستاني وتوجيهات آية الله السيد محمد فضل الله، حيث اعتبرت هذه النصائح بأنها نصائح ولكنها بقوة الفتوى، على اعتبار النصيحة من رجل في هذا المستوى هي فتوة.. الله أكبر.. على الرغم من استيائي من الطريقة التي تم فيها تناول نصيحة السيد السيستاني، فهي نصائح ممكن ان تقرأ من الجهتين.. إلا أنني شعرت بحق أننا أصبحنا كحمامة الصيني، وكأنما هناك جهاز تحكم عن بعد، يختار لنا ما يجب أن نختاره، ونبتعد عما يجب عن نبتعد عنه، حتى ولو كانت لنا فيه غضاضة.. لا يعتقد أحدكم أنني ضد الوفاق والمجلس العلمائي.. فاختراع الصين الجديد كان موجودا سلفا لدى أخواننا الماركسيين وغيرهم.. الذين يتشدقون باسم الإنسانية في حين يحولون الإنسان لقالب يصبون فيه كل أفكارهم، أفكارهم وحسب.. وحينما تخالفهم في أمر ما، تكون خارجٌ عن الملّة.. وهل ثمة اختلاف بين التكفير وبين الخروج عن الملّة؟!.. لا أعتقد ذلك.. 
<<الصفحة الرئيسية











