اليقينُ الذي يتكأ برأسهِ على كتفِ سؤال الشّك، يكونُ في أضعفِ إيمانهِ مستفزاً وحمَّال أسئلةٍ لا تلبثُ حتى تتمخّض عن أسئلةٍ أخرى، عن فتنةٍ نائمةٍ تنتظرُ دوماَ من يوقظها.. الصورةُ لها فتنتها أيضاً.. لا تختلف في حيثياتها كثيراً عن فتنةِ السؤال، كلاهمامشربية تطلُ على أفق من الإجابات التي لا تتشكل أبداً.. وفي حومة علامات الاستفهام المشرئبة، أكثر الإجابات سديمية في أفقي والمختومةُ بعلامةِ استفهام لا نقطة، هي كيف يمكن أن تسرد سيرة الصورة؟!.. وهي –أي الصورة- تحملُ فيزيائيتها/ كيميائيتها الخاصة، وجغرافيتها التي لا تستباح.. كيف؟ وأنتَ.. لا تشَدُّ رحالك للماءِ لتفسرهُ بعد الجُهد بالماء.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أصبحت هذه الصورة مشهورة لأن (تشي) قُتل.. وفي اللحظة التي رحل فيها (تشي) كان رمزاً للثورة في أنحاء العالم، وحينها بدأت الصورة بالاشتهار.. عدد من الفانيين الكلاسيكيين والرسامين والمصممين في ذلك الوقت، قاموا برسم عدد من الملصقات باستخدام تلك الصورة.. حدث ذلك بعد وفاة (تشي) مباشرة.. في شهر أيار من عام 1968 أحدثت الصورة فرقاً حقيقياً خلال تظاهرات الطلاب الضخمة في باريس، ظهرت صورة (تشي) خلالها محمولة على الأعناق وانتشرت.. في المكسيك، بيركلي، براغ، بلفاست وكل أوروبا، في فيتنام وفي واشنطن وفي روسيا.. كانت كحريق هائل يمتد لسانه دون توقف.. يقول الفنان جيم فيتزباتريك من قام بعمل البوستر الشهير للصورة الرمز: "خلال الشغب الطلابي في باريس عام 1968، ظهر تأثير الملصقات كوسيلة تعبير سياسية قوية، وكادت الملصقات تتحول إلى رمز للمقاومة وليس بالضرورة ملصق صورة (غيفارا)، كانت جميع الملصقات تستخدم كرموز للمقاومة مهما كان النظام المعرض للمقاومة، وكانت وسيلة تعبير سياسية مؤثرة جدا لأن من الممكن إنتاجها بكميات كبيرة وبسهولة".. أما كيف انتهى المطاف للصورة لتكون تحت ريشة فيتزباتريك فيضيف: "كان الفيلسوف الفرنسي جين بول سارتر قد التقى بـ (كوردا) في كوبا، ربما قام (كوردا) كما كان يفعل دائما، بإعطاء (سارتر) نسخة من صورته وتنقلت الصورة إلى أن انتهى بها الأمر بين يدي.. وحولتها إلى صورة (تشي) الشهيرة الآن".. شخصيات من خلفيات مختلفة انجذبوا إلى تلك الصورة بسبب ما كان يمثله (تشي).. نُسخت الصورة على أيدي مجموعات ثورية حول أوروبا وحول العالم، واستخدموها لجني الأموال لمنظماتهم التطوعية.. وهنا رأينا النسخ المعدلة من تلك الصورة تخلق، وهي مشتقة من هذه الصورة التي تدور بشكل مباشر حول كوبا، وحول حياة شخص واحد، وقد تحولت إلى رمز للمفاهيم السياسية وللتغيير... في حرب فيتنام كانت المظاهرات المعارضة لحرب فيتنام جارية، كان (بوب ديلان) يثير ضجة، وكذلك فرقة (رولينغ ستونز) و(بيتلز)، وفي الوقت ذاته تمكنت الصورة من الدخول إلى عقول الناس في فترة حركة (الهيبيين) عندما كان الشعر الطويل رائجا.. وهكذا أصبح رمزا للشبان الأحرار في الستينات.. وأصبحت هذه الشخصية الرمزية تمثل قضايا مختلفة في لحظات مختلفة تحدث في نفس وقت وفاته.. الصورة مناسبة جداً لاستخدامها كملصق لأنها مؤثرة جدا حتى كصورة بالأبيض والأسود، وبالطبع كصورة بالألوان الأسود والأبيض والأحمر تأثيرها فعال جدا.. وكانت صورة (تشي) منتشرة في كل مكان في نهاية عام 1968.. شيوعية "فيديل" ضد حقوق النشر.. اصقل سيفك يا كوردا! بعد ظهور الملصق وتبني الناس لهذه الصورة كرمز، اعتبرها الجميع خاصة بهم، وكانت مسألة حقوق الطبع والنشر غير واضحة لدى معظم الناس في تلك الفترة، في حين رفضت كوبا في تلك المرحلة قوانين حقوق النشر الدولية، فـ (فيدل) الشيوعي لم يؤمن بفكرة حقوق النشر، فكانت الصور مجانية، وكانت الأفكار مجانية، وهي موجودة من أجل مشاركتها مع الآخرين، وفكرة حقوق النشر أمرٌ ملعونٌ نوعاً ما.. والشعور السائد آنذاك هو في حالة وقعت الصورة أو الملصق بين يديك، فلك الحق وحرية نسخها مراتٍ أخرى، وأفاد هذا الأمر صورة (تشي) لأنها غير مقيدة بحقوق النشر.. ولذلك تضاعفت صورة (تشي) واستخدمت بطرق مبتكرة.. (كوردا) الذي كان مؤمناً بالثورة، كان عليه تقبل حقيقة عدم تمتعه بأية سيطرة على هذه الصورة، وأنه لن يتمكن من فرض ذلك، إذا أراد العيش في كوبا التي يريدها، لم يكن هناك ما يستطيع فعله اتجاه ذلك.. لكنها غيرت حياة (كوردا) من ناحية عاطفية، لم تجعله ثريا أو صاحب ملايين، كان فخورا بتلك الصورة، وكان سعيدا بأنها استخدمت بشكل جوهري.. (فيلترنيلي) الذي حصل على نسختين لم يتقاضَ (كوردا) قرشا واحدا على أي شيء.. في حين كان مكتوبا على الصورة (حقوق النشر تعود لـ فلترنيلي).. إلى أي مدى احتال (فلترنيلي) على المبتكر بعد كتابة اسمه على الملصق، وعدم دفع النقود مقابله؟!، هذا أمر تتم مناقشته كثيرا، في الوقت التي ظهرت لاحقا حكاية يرددها (كوردا) باستمرار هي أن (فلترنيلي) جنى ثروة من تلك الصورة، وهذا المصور الكوبي لم يحصل على قرش واحد، ولم ينسب الفضل لـ (كوردا) بالتقاط الصورة.. في الوقت الذي يقال أن (فلترنيلي) كان ثريا قبل حصوله على الصورة، وفي الرد على نسب الالتقاط هو أنه في تلك الفترة لا تنسب الصحف الصورة التي تعرضها لمصوريها.. كان ذلك ينطبق على الفنانين أما المصورين فلم ينسب الفضل إليهم في ذلك العصر.. ولذلك لم يعرف أحد قبل عام 1980 أن كوردا هو من التقط الصورة.. جيم فيتزباتريك جعل حقوق نشر الصورة مجانية أيضاً، وكان ذلك أحد أسباب تكاثرها بشكل فوري كما يعتقد، جعل نسخته معفيةً تماماً من حقوق النشر، كما سمح لكل من يريد استخدامها، وشجع الناس على ذلك، فلقد كان يريد لها أن تتولد كالأرانب.. وهذا ما حدث لقد تضاعفت الصورة، ولفتت انتباه العالم إليها.. كانت أشبه بكرة الثلج المتدحرجة التي لا يمكن إيقافها، وكلّما طال تدحرجها ازدادت في الحجم وكبرت.. تعددت التأويلات.. من رمز شيوعي إلى علامة تجارية كانت تلك لحظة متفردة عندما ظهرت الصورة لأول مرة، وبدأ يظهر عنصر جمالي جديد في الطباعة، عبر إزالة توزيع الضوء ومميزات صورة (كوردا) وتحويلها إلى صورة ظلية بأسلوب (وارهول).. كان ذلك انفتاحاً تأويلياً للمشاهد بتفسيره بأية طريقة يريدها، يمكن أن يستخدم أي شخص خيالاته في هاتين العينيين، بالإضافة لعدم معرفة إذا كان الرجل أسود أم أبيض أو صينيا أو هنديا إنه يشبه كل الأعراق ويبدو كرمز للجميع.. وتحولت إلى جزء من الثقافة الشعبية في جميع أنحاء العالم.. وبذلك كان للصورة أن تحمل سيميائيتها الخاصة، التي تتكاثر دلالاتها لدلالات أخرى.. دلالات لا متناهية.. في زمن (جايمس دين) و(مارلين مونرو) التي هي مرحلة مؤثرة جدا في تاريخ السينما، حيث أحدث أولئك الأبطال تأثيرا هائلا في العالم، وحيث وجدت الصورة طريقها بسلاسة إلى جدران غرف الشباب وعلى خزائن ملابسهم.. كانت صورة (تشي) أيضاً تتلمس طريقها في عالم المشاهير الجديد.. عاملٌ آخر بدأ يضعه ضمن العظماء والمشاهير، إلى جانب كونه ثورياً وليس ثرياً.. فهو نجم كبير، وهو نجم يحمل رسالة، وهكذا بدأ يظهر مزيج بين النجم وبطل الثورة داخل الثقافة الشعبية.. ربما (كوردا) وحده بين المصورين المحيطين بـ (كاسترو) يستطيع أن يخلق في حركة واحدة في وجه واحد صورة يمكن أن تمثل ذلك النوع من الطموح والبطولة وتمرد الشباب الموجود في الثورة، حيث كان يركز كثيرا على خلق شيء جميل، لذا قام بتقليم الصورة.. الصورة الأصلية كانت تحوي شجرة نخيل على الطرف الأيمن من الكادر، وصورة جانبية لرجل في الطرف الآخر.. قام (كوردا) بإزالتها من الصورة الأصلية لإضافة التناسق الجميل للصورة.. ولكن هذا التقليم لم تأتِ ثماره جمالية وحسب، بل قام بفصل اللحظة عن التاريخ.. وهذا عمل مصور فنان.. إنه يحاول ابتكار شيء جميل منفصل عن تلك اللحظة التاريخية، فعندما ننظر إلى الصورة لا نقول أن (تشي) كان في تجمع (لاكوبرا)، ولا تلك النظرة المشحونة والمتداخلة الأحاسيس بين الحزن والغضب، كانت مقتصرة على ضحايا (لاكوبرا) فقط.. فنحن لا يمكننا تلقي صورة (تشي) المقلّمة كما نتلقى صورة (أيوجيما) الشهيرة، من الحرب العالمية الثانية أو صورة الفتاة العارية التي تركض في شوارع فيتنام.. هذه الصور محددة في زمان ومكان.. إنها صور إعلامية تاريخية التقطت في زمان محدد ومكان معين، وبالتالي هي تعكس دلالات زمكانية محددة.. لكن صورة (تشي) هي ابتكار فني بذاتها.. إنها صورة شخصية فنية منزوعة من المكان والزمان وهذا جزء من قوتها الرمزية.. (ستيف ماكوري) مصور قناة (ناشونال جيوغرافيك National Geogaraphic) كان قريباً جداً من لعبة اللامكانية واللازمانية في صورته الشهيرة للفتاة الأفغانية، ذات الثانية عشر ربيعا، والتي تمتلك عينان غريبتا اللون، والنظرة الأغرب.. وقتها كانت الفتاة في صفها الدراسي بأفغانستان، ولكن كادر عدسة (ماكوري) استطاع أن ينزعها من بيئتها ويلطشها بصبغة عالمية.. ولذلك اعتبرت من أهم البورتريهات في ذلك الوقت.. الصورة الرمز لا تخص أحداً، هكذا تفترض العامة، و(تشي) في الواقع يخصهم جميعا.. يخص الكوبيين، اليابانيين، الإنجليز، الألمان، الأمريكيين.. هو للطفل الذي في سنته الأولى ويرتدي جوارب تحمل صورة (تشي)، وللشاب الذي لصق صورته على لوح تزلجه، وللشابة التي طبعتها على دراجتها النارية، أو على القمصان، والمشروبات الغازية، وعلب السجائر، المحافظ، ربطات العنق، القبعات، الأبجورات، الملابس الداخلية بشقيها الرجالي والنسائي، العطور والساعات والأحذية، الأجهزة الإلكترونية، كراسات المدارس، الآلات الموسيقية.. إنه (تشي) في كل مكان.. إنها التجارة ولعنة السوق.. الصورة دخلت عالم الفكاهة وبرامج الكوميديا، واستخدمت في برنامج (سمبسونز) و(ساوث بارك) وهكذا يتم ابتكارها من جديد باستمرار.. الانترنت أيضاً لعب دور حقيقي وزاد من عملية الانتشار.. حيث تُحمّل ليتم التقاطها واستخدامها، إنها تتمتع بالحرية التي تسمح لها بالانطلاق في العالم، والتسويق لأي شيء إذا أردت ذلك.. الصورة وبين علامتي تنصيص باتت مهرجان ضخم من العولمة.. الرأسماليون أيضا.. تلك التي تفترس كل شيء، وهذا يشمل ألد أعدائها.. كان (تشي) عدوا خطيرا ومتعصبا، وكان معارضاً للرأسمالية لكنها افترسته في آخر الأمر، فقد تم استغلال صورة (تشي).. هذه الإمبراطورية التي تساوي ملايين الدولارات.. لا أعتقد أن (تشي) سيحب استغلال صورته بهذه الطريقة، فلو مازال حيا لأدينت المتاجرة بهذه الصورة، فنفس النظام الذي كان يحاول إسقاطه هو الذي دعم تصنيع الصورة ونسخها في كل مكان.. لدرجة هناك قمصان عليها الصورة مع كتابة (هذا القميص مقدم لكم برعاية الرأسمالية)، فهو بشكل أو بآخر تذكير للناس بأن الرأسمالية هي السبب في وجود هذا القميص.. وهنا تحول (تشي) من رمز مقدس إلى إله سطحي ولديه مجموعة من المعجبين.. الدم.. العنف.. السلاح.. القتل.. سيمفونية (تشي) والجزء الكبير من رسالته وحياته.. اليوم صار (تشي) أقرب إلى حمامة السلام، أو شبيهاً بصليب المسيح (ع)، وأحيانا يتم استخدام صورته في التظاهرات المعارضة لعقوبة الإعدام.. هذا ما يغضب الكثير من الناس ممن يعارضون ما يحدث في كوبا، ويريدون إحياء واستعادة ما يقولون أنها الحقيقة حول (تشي).. يمكننا إذن نسيان أمر الإعدامات والثورة المسلحة التي تبدو بعيدة جدا عن الواقع، مع وجود الوسائل الأكثر ديمقراطية للتغيير التي يتقبلها اليساريون أكثر، أصبحنا الآن نفضل رؤية (تشي) مجردا من السلاح، حوله حمامات بيضاء أو زهور أو رموز أخرى للسلام لكننا لا نراه مع المسدس إلا نادرا، وهو الذي فضّل المسدس على إبرته الطبية وقلم الشاعر.. وإذا كان (كوردا) ليس مهتما للناس الذين يصنعون القمصان ويجنون حفنة من الدولارات هنا وهناك ببيعها، ما داموا يفعلون ذلك باحترام للصورة، فهو لم يكن يريد للصورة أن تروج الأمور السيئة كالكحول والسيجار والتبغ، لكنه لاحقا أدرك أن أناسا كثيرون يستفيدون من شيء يجب أن يستفيد منه هو أيضا.. ومع اندماج كوبا بالاقتصاد العالمي، وحيث كانت تنشد الاستفادة من ذلك حدث تغير كبير في مجرى الصورة بشكل عام في كوبا، حيث تقر الآن بحقوق الطبع الدولية في الوقت الحاضر.. وعليه، وكّل (كوردا) محاميا في أواخر التسعينيات ساعيا لنيل حقوقه في هذه الصورة.. في كانون الأول عام 2000 ربح دعواه الشهيرة والأخيرة ضد (سميرنوف) وربحها.. وقاضى (سواتش) لأنهم أنتجوا ساعة استخدمت الصورة وربح تلك القضية أيضاً.. في حين طالبت عائلة غيفارا أن تعمم وتصبح رمز كوبا، في الوقت الذي قاتلت فيه عائلة (كوردا) من أجل الاحتفاظ بالحقوق معهم.. الدلالة المكلفة.. هذا القميص برعاية الرأسمالية الصورة بدأت تأخذ نموذجاً شاملاً يحدد حدود العلامة التجارية، فهي تمثل هذا وليس هذا.. واليوم تبدأ علامة حقوق الطبع العالمية بارزة على الصورة وهي عبارة عن حرف (آر) وسط دائرة صغيرة.. وعليه، لا تختلف صورة (تشي) عن شعار (نايكي سووش) أو (كوكاكولا) أو (ماكدونالد) أو (أديداس) التي تضع التي تضع هذا الرمز ليحمل مضامين الشركة، والشعار الذي لا يحمل معنى شعار ضعيف.. يقولون: " أية صورة كان لها أن تترك بصمتها على التاريخ، إنما تكسب ذلك من الاستخدامات التي استغلت لأجلها وليس لأن المصور أراد ذلك.. بل لأنها استخدمت بطريقة معينة، وتحولت إلى شيء آخر" وأي شيء تحولت إليه صورة (تشي)؟!.. علامة استفهامٍ أختم فيها هذا التجربة والانشغال بصورة (تشي) الرمز.. وقد يعيدني للبداية..




اليقينُ الذي يتكأ برأسهِ على كتفِ سؤال الشّك، يكونُ في أضعفِ إيمانهِ مستفزاً وحمَّال أسئلةٍ لا تلبثُ حتى تتمخّض عن أسئلةٍ أخرى، عن فتنةٍ نائمةٍ تنتظرُ دوماَ من يوقظها.. الصورةُ لها فتنتها أيضاً.. لا تختلف في حيثياتها كثيراً عن فتنةِ السؤال، كلاهمامشربية تطلُ على أفق من الإجابات التي لا تتشكل أبداً.. وفي حومة علامات الاستفهام المشرئبة، أكثر الإجابات سديمية في أفقي والمختومةُ بعلامةِ استفهام لا نقطة، هي كيف يمكن أن تسرد سيرة الصورة؟!.. وهي –أي الصورة- تحملُ فيزيائيتها/ كيميائيتها الخاصة، وجغرافيتها التي لا تستباح.. كيف؟ وأنتَ.. لا تشَدُّ رحالك للماءِ لتفسرهُ بعد الجُهد بالماء.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد الانتصار وكوبا الجديدة، اكتشف (فيدل) و(تشي) أنهم متورطين في لعبة أكبر الآن، حيث أنهم بين مخالب القوى العظمى في العالم.. في 1960 كانت أعوام (آيزينهاور) من الحرب الباردة، والوضع الحرج، وكانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت في أفضل حالاتها، في حين أراد السوفييت وجود شوكة على بعد 90 ميلا من خاصرة العم (سام).. وكانوا بحاجة إلى قاعدة عسكرية وكانوا مستعدين لدعم هذا بشراء سكرهم.. مخططي الثورة كانوا يدركون أنهم سيواجهون أياما عصيبة، تم شراء شحنة من الأسلحة من بلجيكا، وتم نقلها بقارب اسمه (لاكوبرا)، دخل القارب الميناء الكوبي، وحال ما بدأ العمال بتفريغ حمولة القارب، حدث انفجار كبير.. في البداية لم يعرف أحد ما يحدث، هرع الناس لمساعدة الجرحى، وبعد عدة دقائق، حدث انفجار آخر.. كانت مجزرة رهيبة، فقد الكثيرون أطرافهم وجرح الآلاف، يقال أن ذلك أول أو أحد أولى الأفعال الإرهابية ضد كوبا الجديدة.. في اليوم التالي، تجمع الناس لدفن الموتى، الذين كانوا بقايا أجساد، ذراع أو ساق.. تم تنظيم الجنازة على بعد حي من مقبرة (كولون) حيث ألقى (فيدل) خطابا.. (ألبيرتو كوردا) كان بين الجمهور، قريبا من المنصة، قام بتعديل الكاميرا لتصبح الرؤية شاملة ليرى من كان على المنصة، تقدم (تشي غيفارا) في تلك اللحظة، وقد ظهر في كاميراته، بدا الأمر وكأنه صعد لفترة قصيرة ليشاهد معاناة الناس وهم يبكون على أمواتهم وعلى عائلاتهم.. واستطاع (كوردا) أن يلتقط صورتين فقط، وصل (تشي) وانحنى إلى الأمام، هذه الانحناءة كانت في المكان المناسب، في الزمن المناسب، واللحظة المناسبة، والزاوية المثالية.. (تشك) التقط الصورة الأولى، ثم قام بتعديل الكاميرا من الوضع الأفقي للوضع العمودي، (تشك) والتقط الصورة الثانية، ثم اختفى (تشي) بعد هذا مباشرة.. حين وصل (كوردا) إلى الأستوديو وفي غرفة تحميض الأفلام مجددا، كانت الصورة التي عرّاها الحمض عبارة عن رجلٍ يعتمر قبعة سوداء مرسوم عليها نجمة، مرتدياً سترة جلدية بسيطة، ذو شعر بلغ الطول المثالي، وحاجبان كثيفان، وشارب خفيف، فيما أطلق لحيته بغير تناسق أو اتساق، ويمتلك عينان عميقتان تشع نظرة لا تملك إلا أن تربك ما تقع عليه.. في اليوم التالي لم يتم نشر صورة (كوردا) في الصحيفة، وليس بعد أشهر من ذلك الوقت.. بل تم نشر صورة (فيدل) والعلم الكوبي خلفه.. وصورة أخرى لـ (فيدل) مع متفجرات في يديه.. كان (كوردا) يعي أن صور (فيدل) هي الأهم وليس الصور الأخرى، حتى وقت تصوير صورة (تشي) كان أشبه بمصور يقوم بعمله المعتاد.. صور متتالية لكل الموجودين على المنصة.. تشك..تشك.. تشك.. ومن بينهم (تشي).. ولو كان لتلك الصورة أهمية له لالتقط منها ثلاث أو أربع أو خمس لقطات ولم يكتف باثنتين عابرة.. إلى جانب صورتي (فيدل) نشرت الصحيفة صور الناس وهم يبكون.. واللحظة التي مشى فيها (فيدل) و(تشي) و(دورتيكوس) بين الجماهير.. لكنها لم تنشر صورة وجه (تشي) في ذلك اليوم.. ومع ذلك أحب (كوردا) تلك الصورة كثيرا وكان مذهولا جدا بها، نظرة (تشي) كانت تعبر عن الألم الذي شعر به.. وكان (كوردا) يعرف ماذا يملك، كان يعرف أنه يملك شيئاً مميزاً في تلك الصورة بالتحديد، لكنه لم يعرف كيف سيكون تأثير هذه الصورة على العالم.. الأسطورة اختفت لكنها في كل مكان في مثل هذا اليوم – اليوم الذي أنشر فيه الموضوع على هذه المدونة- وبالتحديد في 3 أكتوبر 1965، "فيدل كاسترو يعلن أن "ارنستو تشي غيفارا" تخلى عن جنسيته الكوبية ورحل ليقاتل "القوى الامبريالية" خارج كوبا.. وكاختفائه السريع من على المنصة بعدما التقط (كوردا) الصورة، اختفى (تشي) من المشهد.. وفي رحيله قصة تطول، لكن أصلها يعود إلى أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية، بعد شعوره بغضب شديد حين قام السوفييت بإبرام صفقة مع الأمريكان، بدون علمه هو و(كاسترو) نتج عنها بالتالي هزيمته، الصراع لجعل كوبا دولة صناعية، أراد تعليم الكوبيين، أراد نقلها إلى مستوى جيد، وقد فشل في ذلك.. وهو الذي لم يكن ينهي أي شيء يبدأه بتاتا.. كان ينتقل إلى شيء آخر دائما، وكان يترك وراءه أشياء غير مكتملة.. الأسطورة التي بدأت تنتشر عن (تشي) أصبحت مفقودة، أو حريٌ القول أنها بدأت تدخل في طريق المتناقضات.. ففي الوقت الذي بدأت فيه بالاختفاء والتلاشي تماماً، كانت ثمة شائعات تشي بأنه في كل مكان في الوقت ذاته.. في (فيتنام)، وشائعات بأنه في (أفريقيا)، وأخرى في (بوليفيا).. اختفت الأسطورة لكنها تظهر في كل مكان.. في 19 اكتوبر 1967 .. مجلة (باريس ماتش) نشرت نسخة من صورة (كوردا) على صفحة كاملة، ولا أحد يعرف كيف حصلت عليها، جاء ذلك في مقالة عنوانها (أين تشي؟).. ووقتها لم يعرف من التقطها لكن تم تذييل الصورة بـ "الصورة الرسمية للرفيق (تشي غيفارا)".. وفي المقال نفسه، كانت هنالك صورة صغيرة لـ "ساحة الثورة" حيث الحشود تلوح بملصق عليه صورة (تشي).. الصورة نفسها.. ولا أحد يعرف أيضاً من التقط الصورة للحشود.. لمحةٌ هنا.. وأثرٌ هناك، لم يكن واضحاً أين ظهرت الصورة التي التقطها (كوردا) لأول مرة.. لكن حين سألت مجلة (باريس ماتش) "أين (تشي)؟" كان هناك ملصق واحد تحمله الجماهير يحمل الصورة الرمز.. أين تم نشر الملصق لأول؟! المؤكد أن (باريس ماتش) لم تكن الأولى، إذ كانت الصورة معروفة في أجزاء من هذا العالم قبل مقالها.. وتشير أوراق الصحف أن أول مرة نشرت فيها الصورة كانت في صحيفة (ريفيليوشين) في عام 1961، خلال إعلان فحواه أن (تشي) يريد التحدث عن نشاط ما أو ما شابه ذلك.. وكانت صورة صغيرة، ولا يبدو أنها أثرت بأحد، ولا حتى بالأشخاص العاملين في الصحيفة.. ولكن كيف حصلت (باريس ماتش) المجلة الرائجة التي استطاعت أن تسكن ضمائر الناس إلى حد كبير على صورة (كوردا)؟!.. تقول القصة أن (فيلترنيلي) هو البداية.. و(فيلترنيلي) هو ناشر في (ميلان) بـايطاليا له دار نشر خاصة به، حيث يحررون كتباً وملصقات.. ويقال أنه ناشر متطرف مع سياسة متطرفة جدا.. وكان أكثر الناشرين إثارة في (ميلان) في ذلك الوقت.. والقصة تقول أيضا أن (فيلترنيلي) جاء إلى كوبا واتصل بـ (كوردا) للحصول على صورة لـ (تشي) وقد نسخ (ألبيرتو) نسختين من الصورة الرمز، وأعطاها (فيلترنيلي) في اليوم التالي. سنة لم يكن له فيها برار.. أين تبخر المناضل المثال؟ بالمناسبة.. الجواب على سؤال "أين تشي؟" فهو كالآتي: "كان يؤجج نيراناً أخرى في الكونغو".. فلقد كان دائم التحدث عن توسيع الثورة.. على اعتبارها حالة لابد منها.. وكان من الصعب تنظيم حركة تمرد في تلك القارة، فعزم الدكتور (أوسكار ميل) رفيق (تشي) في الكونغو على الرحيل من الكونغو إلا أن (تشي) كان مصرا على البقاء لآخر لحظة.. بعد أن رحل مباشرة، كان يفكر في الذهاب إلى بوليفيا.. فقد طلبته الاستخبارات المركزية في (سانتو دومينغو)، وهناك روايات أخرى تقول أن (فيدل) قتله، ورواية أخرى تقول أنه كان مختبئا وأنه لم يتمكن من الخروج من الكونغو.. هذه القصص تتداولها الناس لكن لم يتخيل أحد أنه في بوليفيا.. في بوليفيا كان الفشل ذريعاً، تمت هزيمة (تشي) على يد جيش ضعيف جدا.. البديهة تقول إن كان ثمة متمردين تسللوا لدولة ما، بغض النظر عن كونهم غرباء عليها أم لم يكونوا، فإن هذه الدولة ستدافع عن نفسها.. قام الجيش بما يتوجب عليه فعله.. لقد دافع عن نفسه.. في مذكراته عن الأيام الأخيرة في بوليفيا.. يبدو واضحاً أنه رجل يعرف ما سيحدث لمستوى معين، لم يشعر (تشي) بالخوف، وهذا بدا واضحا لـ (فيدل) لدرجة جعلته في نهاية المطاف يعين رجالا لمراقبة (تشي) كيلا يعرض نفسه للخطر باستمرار، أو أن يزج بنفسه بالمقدمة ويتعرض للقتل.. مثل (الساموراي) القديم في اليابان، ترى أن (تشي) كان يبحث عن الطريقة الأجمل للموت.. الموت من أجل الشرف والحرية والبلد.. تلك الصرخة التي أطلقها باتجاه قاتله (تيران): "صوب جيدا لأنك على وشك أن تقتل" هذا النداء سمعه الناس في جميع أنحاء العالم.. وبعدها صمت (تشي) لكن أسطورته مازالت تتحدث.. عظمتا كتف وجسد نحيل.. تباً انظر إلى صورتي! رحلته الطويلة في (بوليفيا) وموته وعرض جثته، كالسيد المسيح في غرفة الغسيل في المستشفى في (فالي غراندي) كل هذا كان بمجمله حدثاً ضخماً.. الجسد النحيل الذي أخذت جبال (بوليفيا) منه مأخذها، أنهكته فبرزت عظمتي كتفيه بشكل واضح.. النظرة الساكنة التي تلاحق ناظرها من أي زاوية كان ينظر فيها، وكأنها تنظر إليه أينما اتجه.. هذه كانت صورة (ألبورتا) لجثة (تشي)، وهنا يدخلنا (ألبورتا) في فتنة صورته عندما بهّرت حبكة الأحداث ودفعت الناس لخلق مقارنة بين (تشي) الممدد وبين صورة المسيح المشهورة على الصليب.. كان الأمر بالنسبة لهم وكأنه المسيح، أو هكذا تأخذنا فتنة الصورة.. بعد اغتيال (تشي) في بوليفيا حين أقاموا جنازته في "ساحة الثورة" وألقى (فيدل) خطاباً للجماهير، احتشدت الناس وكان (كوردا) بينهم يؤدي واجبه اليومي عبر التصوير، دخل بين الجماهير حاملا عدسته، وصل إلى ساحة (بلازا) ورأى صورته هناك، والإعلام منكسة خلف المنصة.. استدار نحو مساعده وقال: "تبا! انظر إلى صورتي".. العام الذي يلي وفاة (تشي) تمت تسميته بعام البطل المتمرد، من المحتمل أنه منذ ذلك التاريخ، تمت تسمية صورته باسم "البطل المتمرد" "guerrillero heroic".. كانت تلك الصورة على العكس تمام من صورة (تشي) الميت.. هذه صورة (تشي) وهو حي..



اليقينُ الذي يتكأ برأسهِ على كتفِ سؤال الشّك، يكونُ في أضعفِ إيمانهِ مستفزاً وحمَّال أسئلةٍ لا تلبثُ حتى تتمخّض عن أسئلةٍ أخرى، عن فتنةٍ نائمةٍ تنتظرُ دوماَ من يوقظها.. الصورةُ لها فتنتها أيضاً.. لا تختلف في حيثياتها كثيراً عن فتنةِ السؤال، كلاهمامشربية تطلُ على أفق من الإجابات التي لا تتشكل أبداً.. وفي حومة علامات الاستفهام المشرئبة، أكثر الإجابات سديمية في أفقي والمختومةُ بعلامةِ استفهام لا نقطة، هي كيف يمكن أن تسرد سيرة الصورة؟!.. وهي –أي الصورة- تحملُ فيزيائيتها/ كيميائيتها الخاصة، وجغرافيتها التي لا تستباح.. كيف؟ وأنتَ.. لا تشَدُّ رحالك للماءِ لتفسرهُ بعد الجُهد بالماء.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أيُّ صورةٍ في العالم، فهي في العَوز أحوج ما تحتاجهُ أجزاء من الثانية، هي مقدار فتح مصراعي الكاميرا وإغلاقه بما يسمح للضوء بالنفاذ من ذلك الثقب الضيق ليمر في عتمة الغرفة المظلمة، ويعكس صور الأشياء مقلوبة على الشريط الفيلمي الأسود.. والضوء عندما ينحني تكون له القدرة على محو كل المسافات، وله أن يشل دوران عقارب الساعة.. أشبه بالعنكبوت الذي يبصق سماً فيشل حركة فريسته.. هي أيضا.. لا تختلف عن غيرها كثيرا.. تلك الصورة التي جمّدت حركة الرجل المتمرد المشهور باسم (تشي)، الذي يتجول عادة معتمراً قبعة سوداء مرسوم عليها نجمة، مرتدياً سترة جلدية بسيطة، ذو الشعر الذي بلغ الطول المثالي، والحاجبان الكثيفان، والشارب الخفيف، فيما أطلق لحيته بغير تناسق أو اتساق، ويمتلك عينان عميقتان تشع نظرة لا تملك إلا أن تربك ما تقع عليه.. هذه الأجزاء من الثانية، كانت كفيلة وكافية لكي تصبغ الصورة مع مرور الوقت بشهرة توازي جوكندة دافنشي، وتكثف في شريطها الفيلمي معانٍ مختلفة، تخوّلها البقاء والتطويع والعالمية، ويكون لها أن تكون الصورة الأكثر طباعة في تاريخ الصورة برمته.. الصورة التي أصبحت رسماً، وأصبح الرسم تعبيراً عن موقف سياسي، وأصبح الموقف السياسي فناً، ثم أبتلعها السوق ليجعل منها تجارة لبيع مجموعة من المنتجات التي كان الكثير منها بعيداً كل البعد عن أهداف (تشي) نفسه، هذه الصورة مازالت تسحر عالمنا المعاصر، هي قصة عن قوة صورة منفردة.. من أعطاها طبيعة تكاثر الأرانب؟!.. كيف تحوّلت إلى عملة عالمية؟!.. ما قصة نظرة (تشي) التي مع مرور العقود مازالت تلهم وتلهب الشباب/ الفنانين/ المصممين/ والمنشقين عن العالم؟!.. كوبياً بحتاً.. هكذا ببساطة: ماذا فعلت يا كوردا؟ الحديث عن قصة الصورة الرمز (تشي) يجرنا للحديث عن قصتين مختلفتين تماماً، تقاطعتا على مر التاريخ.. القصة الأولى شهرزادية الهوى، كان يا ما كائنها امرأة تباعد بين فخذيها.. تستنشق من الهواء ما يسع رئتيها وأكثر.. تكتمه برهة.. ثم تزفره طفلاً أرجنتيني المولد، يضيق الأكسجين بصدره فيثقله الربو.. يدعى (إيرنيستو جيفارا دي لا سيرا)، درس الطب البشري، لكن حياته التي هي عبارة عن توليفة من خيارات جريئة، وعنف، وتحد في وجه نزاعات ساحقة، قادته ذات وقت لترك حياته المميزة ليسافر عبر أمريكا اللاتينية، بحثا عن هدفٍ أسمى..... أما (ألبيرتو كوردا) هو بطل قصتنا الثانية.. كوبيا بحتا.. هكذا ببساطةٍ معقدة أو بسهلها الممتنع يمكنك أن تصف (ألبيرتو كوردا) الذي التقط أشهر بورتريه في القرن العشرين.. وفي عهد (فولخينسيو باتيستا) رئيس كوبا 1959-1952 كانت الصورة الرائجة لكوبا هي أنها ملاذ اللهو المتواصل، وحيث يغرس شيطان العربدة قرنيه.. وعليه، لم يبتعد (كوردا) مصور الأزياء المحترف عن احتفالاته الكاريبيه، حيث شراب الرم والسيجار وموسيقى التانغو، وحيث يكتظ أستوديو (كوردا) بالكتاب والمثقفين والرسامين والشعراء وعارضات الأزياء والراقصين والمغنيين والممثلين.. هو بالعادة يختلط بشخصيات بعيدة عن الثورة.. هذا عالم (كوردا).. هذه هافانا.. في غضون ذلك.. وفي أمريكا اللاتينية كان صديقنا (إيرنيستو) يجوب القارة مع رفيقه على متن "الجبارة"، هكذا يصف الدراجة النارية المزعجة بضجيجها في يومياته، التي امتطاها وصاحبه في رحلة الـ 4500 كيلومتر، كانت بالنسبة له عين الإبرة التي ولج منها إلى فضاء القارة المنهوبة، لتحيك بخيوط السلاح قصة أسطورة.. كتب ذات مرة: "التجول في أنحاء أمريكا غيّرني أكثر مما توقعت".. ويقول صاحبه في الرحلة: "بدأت الرحلة تؤثر في إيرنيستو حين رأى الثورة التي حدثت في بوليفيا، وبسبب الطريقة التي كنا نسافر بها كنّا على اتصال مع أحط الطبقات الاجتماعية في الدولة وهم الأكثر فقراً".. الفقر الذي لو كان رجلا لنحره الإمام علي (ع) في ذات حديث، شاهده (إيرنيستو) متفشياً خلال رحلة الدراجة النارية.. الكثير من أعمق قناعاته الثورية جاءت وليدة السخط على الظلم الاجتماعي.. تحفّزّت معتقداته السياسية، فقرر رفض الأنظمة الاجتماعية التي خَلَقَت مثل هذا الظلم.. كتب في مذكراته التي كان يحتفظ بها في دراجته الخاصة بالرحلات: "لقد كنت ممتلئا بروح التعاون والتكافل".. من (غواتيمالا) جاء يسعى على أملٍ أن يصبح طبيباً ثائراً.. من سيعالج الفقراء والمهمشين وأمراض الشعب التي يسببها الظلم السياسي؟ سؤالٌ لا تأتي إجابته سوى بالمسير نحو مصدره، باتجاه قلب الأنظمة السياسية التي تسبب الظلم الاجتماعي، تلك التي تسبب سرطان الفقر والبؤس المزمن.. ما كان الوقت يشي بزمن التسوية، خصوصا وأن (غواتيمالا) قدمت أفضل برهان لفشل ذلك.. وما كان من شيء سوى السلاح الذي يتكأ على أكتاف القرويين أثناء ثورتهم الزراعية لتحقيق مستقبل اشتراكي.. قاده طريقه في نهاية المطاف إلى المكسيك وإلى رجل دخل التاريخ من خلاله، رجل كان يبحث عنه أو العكس تماما، رجل هو كل ما تحتاجه لبدء ثورة ناجحة في أمريكا اللاتينية.. ساعات قليلة فقط، وتعهد (إيرنيستو) بالانضمام إلى (كاسترو) لإطلاق ثورة شعبية في كوبا.. 18 شهرا أخرى فقط -وبالتحديد في عام 1956- كانت كفيلة لحشد 82 رجلا متطوعا على متن (غرانما) القارب الصغير الذي بالكاد يمكنه حمل 20 شخصا.. تلثموا بستار الليل، وأبحروا في المياه المعتمة باتجاه كوبا لمحاربة جيش مدرب.. هنا كانت بداية صنع التاريخ.. وهنا كان الأصل المبكر لأسطورة (تشي) الشاعر المثقف الذي استبدل القلم بالبندقية وعينه (فيدل) رفيقاً.. قبعة «فيديل» أم مشرط الطبيب! في الجبال الكوبية الكثيفة لـ (سيرا ماسترا) استجمع المتمردون قواهم وحلموا بكوبا الجديدة، قادت الشهور أعواماً من النضال ضد قوات أكبر عدداً وأفضل تجهيزاً.. انضم إلى المحاربين وعرف بالدكتور (إيرنيستو) لكنه برز كـ (تشي) الثوري.. في النهاية كان عليه أن يقرر إن كان سيمسك بأدواته الطبية أم بصندوق الرصاص، وأختار الرصاص.. لم يكتشف (تشي) أنه قادر على الصمود تحت وابل الرصاص فحسب بل أنه لا يخاف أيضا.. وأنه كان مستعدا للتضحية بنفسه وبأنه لم يكن يخاف الموت.. هذه قوة ساعدته على أن يكون محاربا مميزاً بين المحاربين.. الإعلان التليفزيوني الذي أعلن انتصار الثورة كان كالآتي: "من حصنه في جبال (سيرا ماسترا) البرية، ظهر الكوبي (فيدل كاسترو) منتصرا، بعد عامين من حرب العصابات ضد نظام (باتيستا).. الآن وبعد فرار (باتيستا) ظهر زعيم جديد، إنه (فيدل كاسترو) من عدة نواح لديه الكثير من الخطط والسياسات لكن من المؤكد أن يكون مسيطراً على الحقبة الجديدة لكوبا التي بدأت للتو".. (تشي) هو الاسم الذي أطلقه الكوبيون على (إيرنيستو)، تحول بعد الثورة الكوبية إلى شخصية عالمية، إثر استلامه لمنصب أول محقق أعلى والمدعي العام في سجن (لاكابانا) لمجرمي الحرب، وأصبح وزير الصناعة ومديرا للبنك المركزي في الوقت الذي لم يتجاوز الـ 28 من العمر.. رحلة مصور الأزياء المحترف في زمن الحروب، يكون للكاميرا طبيعة البندقية.. رصاصها الضوء، والصوت التي تطلقه أثناء التقاط الصور المتتالية يكون شبيها برشاش الكلاشينكوف.. ووقتها كان (فيدل) يعي جيداً دور الضوء في لعبة الحرب، فأحاط نفسه بالمصورين، ليقوموا بتوثيق الثورة وحضوره، ولإعطاء مادة دعائية لكل ما يذهب إليه.. كما توجه لغلق وكالات الإعلان في كوبا ليتجه المصورون للانشغال والاشتغال بإغراق الصحافة بصور الثورة.. مجلة (لايف) عام 1959 كانت تعرض صور مختلفة للثورة، ولأن الثورة مرتبطة بالموت والفوضى، كانت لعبة ذكية أن تعرض في أحد أعدادها صورة الشخص الذي يفترض أنه المسئول عن الثورة يقف أمام النصب التذكاري لـ (لينكولن) وهو لا يرتدي قبعته.. لم يجد (كوردا) نفسه على أرصفة الطريق في عام 1960 عندما تم إغلاق وكالات الإعلان.. فهو في الوقت الذي لم يعمل في الصحيفة بشكل مباشر، إلا أنه كان يتجول بين ثنايا الثورة، حاملا آلة تصويره الكبيرة (35 ملم) بندقية على كتفه، يصوّبها ويطلق، ثم يأخذ الأعمال التي تعجبه إلى الصحيفة، وبالتالي تختار الصحيفة ما ترغب في نشره.. سـألـه تشي: هـــل قطعــت قصــب السـكــر؟ فتاة صغيرة.. تستند على جدار شبه متهالك.. شعرها القصير الذي يخفي عينها اليمنى لم يستطع إطلاقا أن يخفي كمية الحزن الرهيب الذي تختزنه عينها اليسرى.. بهذا الحزن كانت تنظر إليه وهي تحضن بيديها قطعة خشبية بالية على أنها دميتها.. كانت هذه لانينا (la nina) أول صورة انتقالية لعمل (آلبيرتو كوردا) من مصور أزياء ومصور إعلانات تجارية إلى تكريس حياته للثورة.. بسبب لانينا ترك (كوردا) عالم الصور التجارية وأجساد عارضات الأزياء المثالية، ليحزم حقيبته وراء (فيدل)، لكنه لم يكن مصوره الرسمي.. وبما أن (تشي) الذراع اليمنى لـ (فيدل) فلقد عزم (كوردا) أن يلتقط صورة لـ (تشي).. في الوقت الذي لم يكن الأخير من النوع الذي يسارع لتعديل ياقة قميصه كلّما شم رائحة عدسات التصوير، بل على العكس تماماً، لم يكن يحب أن يتم التقاط صوراً له.. كان مصدر إزعاج لكل المصورين الذي يأخذ كاميراتهم ويقول: "دعني أرى ماذا لديك هنا" ويقوم بالتقاط الصور.. وهو الذي يملك آلة تصويره الخاصة التي لا تفارقه، والتي كانت مصدر رزقه في المكسيك، ولهذا فقط تعرف أنه لا يحب أن يلتقط أحدهم صورة له.. هل هناك ثمة مصور يحب أن يتم التقاط صورة له؟!!.. لم يثنِ إزعاج (تشي) للمصورين (كوردا).. بل توجه له وقال: "يا رفيق، لقد جئنا هنا لمقابلتك"، فسأله (تشي) إن قام بتقطيع قصب السكر سابقاً ومن أين هو.. فقال له (كوردا) بكل فخر أنه من (هافانا) لكنه لم يقم بتقطيع قصب السكر بتاتاً.. فوضع (تشي) منجلا بيده وقال: "بعد أن تنتهي من تقطيع القصب لمدة أسبوع، يمكنك أن تلتقط صورة لي".. مرّ أسبوع كامل و(ألبيرتو) منهمك بتقطيع القصب في الحقل إلى أن حصل على الموافقة لتصوير (تشي).. انتصب (تشي) أمام عدسة (كوردا).. ضغط برفق على قبعته السوداء المرسوم عليها نجمة لكي يعدّل من وضعها.. ولم يكن بحاجة لثمة جهد لكي تشع عيناه عمق النظرة.. تشك.. تشك.. تشك.. أطلقت الكاميرا رصاصها.. انتهينا.. هروّل (كوردا) نحو الأستوديو.. ذهب إلى غرفة تحميض الأفلام.. دقائق وتبرز الصورة على الورق أشبه بالكتابة بالحبر السري.. شيئاً فشيئا تبرز صورة (تشي).. لكنها لم تكن الصورة الرمز، لم تكن الصورة المنفردة بقوتها ولا الأكثر طباعة على مر التاريخ..


الصورة لها فتنتها أيضاً.. أشبهُ بمشربية تطلُ على أفقٍ من الإجابات التي لا تتشكل أبداً.. كــيف تسرد سيرة الصورة؟!.. وهي التي تحملُ فيزيائيتها/ كيميائيتها الخاصة، وجغرافيتها التي لا تستباح.. كيف؟ وأنتَ.. لا تشَدُّ رحالك للماءِ لتفسرهُ بعد الجُهد بالماء.. صورة غيفارا.. من أعطاها طبيعة تكاثر الأرانب؟!.. ما قصة تلك النظرة التي تلهم الشباب.. الفنانين.. المصممين.. والمنشقين عن العالم؟!.. كيف التقطت وإلى أين وصلت؟!. كل ذلك قريباً على www.e7sasy24.jeeran.com
ينتابكَ الخوف .. يا من لا تعرف للعطشِ معنى.. هل كان لكَ غيرَ أن تهدأ؟!.. هل كان لها غير طمأنينةِ الروح؟!.. ها أنتَ تعرف للعطشِ معناً غير اسمك..
لكأن الله يمسح التاريخ بوجهك.. أنت في وجع السنين وهَنتْ.. وأنا في سقم الحب وغياهبه.. كلانا ضحية..
<<الصفحة الرئيسية











